الإثنين , سبتمبر 26 2016
عناوين
الرئيسية / محاضرات / الإصلاح بين الناس بالعدل والقسط – نص المحاضرة التي ألقاها العلامة المجتهد السيد علي الأمين في المركز الثقافي الإسلامي – بيروت
الإصلاح بين الناس بالعدل والقسط - نص المحاضرة التي ألقاها العلامة المجتهد السيد علي الأمين في المركز الثقافي الإسلامي - بيروت

الإصلاح بين الناس بالعدل والقسط – نص المحاضرة التي ألقاها العلامة المجتهد السيد علي الأمين في المركز الثقافي الإسلامي – بيروت

الإصلاح بين الناس بالعدل والقسط *

العلامة السيد علي الأمين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عباده الصالحين لا سيّما المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد··

لقد أخذ موضوع المحاضرة (الإصلاح بين الناس) حيزاً مهما في الشريعة السمحاء حيث يجد الباحث في بدايات تكوين المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة الاهتمام الجليّ والواضح بعنصر سلامة العلاقات الدّاخلية بين أفراد المجتمع وهو ما عبّرت عنه بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (بإصلاح ذات البين) كما جاء في قوله تعالى فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} (الأنفال)· وقد برزت هذه العناية بإصلاح ذات البين من خلال جملة من التشريعات ذات الأبعاد الجامعة بين مكونات المجتمع المتعدّدة والمؤلّفة بين قلوبها وبها تحقّقت نعمة الله على تلك الجماعات المتفرّقة المتناحرة والمتصارعة فجمعتهم بعد الإختلاف وأصبحوا أهل مودّة وائتلاف، كما حكى الله تعالى عن ذلك بقوله:واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءاً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} آل عمران (103)

وقد جاء عقد المؤاخاة الذي قام به الرسول (ع) في المدينة المنوّرة بين قبائل الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار ليجعل الأخوة أساساً لقيامة المجتمع الجديد وعنواناً من عناوين دعوته الرّائدة التي اعتمدت على السلم قاعدة من قواعدها وبنداً من بنودها كما في قوله تعالى مخاطباً المجتمع الجديد يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافة} البقرة: 208·

ولا شكّ في أن عقد الأخوّة قد شكّل أهمّ الوسائل وأفضل الطرق المؤدية إلى فضّ الخلافات والنزاعات والمحققة للسلم بين الأفراد والجماعات· وقد جاء في نصوص السنّة النبويّة الشريفة أن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له بقية الأعضاء بالسهر والحمّى، وأن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله ولا يحقره وقد أصبح المسلمون في ظلّ هذه التعاليم مجتمعاً من أطهر المجتمعات التي عرفها التاريخ في تحابِّهم وتوادّهم وتراحمهم وتعاونهم كما حكى لنا ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم أجراً عظيماً} الفتح، 29·

ولمّا أصبحت الأخوّة ركناً في بناء المجتمع الإسلامي فهي تحتاج إلى الرعاية والتّعاهد بما يمنعها من الاهتزاز ولتبقى تؤدي دورها في تحقيق السلام الدّاخلي الذي يعتبر من الضروريات للانطلاق في عمليّة التغيير والإبداع ومواجهة الأخطار التي تعترض المسيرة الجديدة وقد أدركت قيادة المجتمع المؤيّدة بالوحي الإلهي أن الأخوّة لا تكون إلاّ حيث يكون التعدّد والكثرة وهذا يعني الإختلاف بحسب العادة في الطبائع والآراء والأفكار والتطلّعات والرّغبات وغيرها من الأمور التي قد تؤدي إلى الخلاف والنزاع الّذي يعصف بالوحدة المطلوبة ويعرّضها للتفكك والانقسام فيما لو تركت أسباب الخلاف دون علاج· ولذلك عملت الشريعة على إيجاد تشريعات وتوجيهات للمحافظة على هذا الركن الركين الذي يشكّل حجر الزاوية في استمرار الكيان المجتمعي واستقراره فأمرت بالإصلاح بين الناس والحث عليه واعتبرته في طليعة الأعمال التي ينبغي القيام بها كما جاء في قوله تعالى: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} (النساء114)

وكما جاء في قوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} (الحجرات، 10)·

ومن الأحاديث ما ورد عن النبي (ع) :<ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصّدقة، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة، ولا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين>· وفي حديث آخر عن أبي أيوب الأنصاري: (قال ألا أدلّك على صدقة خير لك من حمر النعم ؟ قال: بلى يا رسول الله· قال :تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا) · وفي بعض النصوص الأخرى: (إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام)· والنصوص بهذا المعنى كثيرة·

وتعزيزاً لسلامة العلاقات الداخليّة، فقد تعدّدت الروايات والأحاديث في الدلالة على ترسيم نهج أخلاقي من خلال منظومة القيم والمبادئ التي تبعد الإختلاف عن دائرة الخلاف والنزاع وتهيّء المناخ لسلامة المجتمع الداخلية كما جاء في بعضها: (أفضل المؤمنين إسلاماً من سلم المؤمنون من لسانه ويده وأفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) و(أفضل المؤمنين إيماناً أحاسنهم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون، ثم قال لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحبّ للناس ما يحب لنفسه وحتّى يأمن جاره بوائقه) و(أفضل الإسلام من سلم المسلمون من لسانه ويده)· (والمهاجر من هجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبدٌ لا يأمن جاره بوائقه)·

ومن الواضح أن هذه التشريعات لا تخصّ المسلمين وحدهم بل هي شاملة لكل مكوّنات المجتمع من المسلمين وغيرهم باعتبار ورود كلمة الناس في بعض تلك الأحاديث وكلمة الجار المطلقة وغير المقيّدة بدين أو مذهب·

وعلى الرغم من كثرة هذه التوجيهات والإرشادات المشجعة على السلوك الذي تستقيم به العلاقات الأخوية داخل المجتمع فإنّ الشريعة لم تترك ذلك لاختيار الأفراد لمحاسن الأخلاق وإنما أمرت الشريعة بتكوين جماعة تكون مهمتها الدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي بمثابة الهيئة الدائمة للرقابة والإصلاح والتقريب وقد عبّر القرآن الكريم عن تلك الجماعة بالأمّة ولعلّ ذلك لرفعة قدرها وأهميّة دورها الذي تقوم به في حفظ الأمة من داخلها كما في قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران104)·

وهذه الجماعة فيما نرى هي التي تشكل النواة للفرقة الناجية باعتبار أنها تسعى لنجاة المجتمع والأمة كلها وليست الفرقة الناجية هي التي تحتكر النجاة لنفسها وتضيّق رحمة الله التي وسعت كلّ شيء·

وينتظم في وظيفة هذه الهيئة كل أفراد المجتمع بل يمكن القول بأن الأمة كلها تنتظم في هذا الواجب الهادف إلى تماسكها الداخلي باعتبار أنها الأمة التي وصفت بأنها خير أمة أخرجت للناس لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وإيمانها بالله كما في قوله تعالى : كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} آل عمران، 110·

وهذا ما يشير إلى أن مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مسؤوليات الجماعات والأفراد ويؤيّد هذا المعنى من المسؤولية العامّة ما ورد في السنّة النبويّة الشريفة :< كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته>·

مسؤولية أهل القلم وأهل العلم:

 وقد يحاول البعض الفرار من هذه المسؤولية في الحياة الدنيا وكأنّه يؤجّلها إلى عالم الاخرة حيث تنتفي الحاجة إليها ويعتذرون عن تحمّل هذه المسؤولية في مجتمعاتهم بدعوى خوف الضرر على أنفسهم من أصحاب السلطة والسّطوة ولكن الهدف في الحقيقة عند هؤلاء هو المحافظة على مصالحهم الشخصية وهي لن تكون في سلامة عندما تتعرّض المصالح العامّة للمجتمع إلى الخطر إذا تركت الصراعات والنزاعات تعصف به وتخلّى المصلحون عن دورهم ومسؤولياتهم فإنّ ذلك سيؤدي إلى الظلم وهلاك المجتمع كما قال الله تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} هود 117·

وقد جاء في الحديث عن هؤلاء الذين تركوا هذه الفريضة العظمى أنهم (قوم لا يوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر إلا إذا أمنوا الضرر يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير) مع أن كلمة الحق هي من أفضل الجهاد كما ورد في الأحاديث فهي لم تكلّفهم أن يحملوا سيفاً داخل المجتمع لإصلاح ذات البين وإنما كلّفتهم بالكلمة الّتي تصوّب المسيرة وتمنع من تراكم الأخطاء التي تؤدي إلى فساد العلاقات· وقد جاء في العديد من الروايات: ( ما من رجل ينعش بلسانه حقاً فعُمل به بعده إلاّ يجري عليه أجره إلى يوم القيامة ثمّ وفَّاه ثوابه يوم القيامة) كنز العمال· و(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وفي بعضها <كلمة عدل هي من أعظم الجهاد> و<إنّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيّرونه أوشك الله أن يعمّهم بعقابه>·

وعن ابن مسعود (إنّ أوّل ما دخل النقص على بني اسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنّه لا يحلّ لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، كلاّ والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي الظالم ولتأطرنّه على الحق أطرا أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم)·كنز العمال·

وقد وصفهم القرآن الكريم بأنهم كانوا قوماً لا يتناهون عن منكر فعلوه وكان ذلك سبباً من أسباب فقدان الأمن في المجتمع وضعف تماسكه وانهياره بانهيار المثل والقيم التي تخلّوا عن التمسّك بها والإحتكام إليها·

فمتى تقال هذه الكلمة التي تحفظ بها سلامة المجتمع والأمّة؟! وقد جاء في الحديث (مثل العلم الّذي لا يقال به، مثل الكنز لا ينفق منه)·

وإذا لم تظهر هذه الكلمة عند تعرّض المجتمع لأفدح الأخطار والأضرار، فأي قيمة لها في غير وقتها وعند انعدام الحاجة إليها؟! وهل يكون الإصلاح إلا عند ظهور الفساد؟· هذا موقف بعض أهل العلم والقلم وبعض المثقّفين الخائفين على أنفسهم وأرزاقهم مع أنّ الروايات قد طمأنت هؤلاء عندما قالت لهم (إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان أجلاً ولا يقطعان رزقاً)، ولكنّها السكرة الّتي تغشى على الأبصار فتمنع من رؤية الحقيقة كما جاء في الحديث النبوي: (غشيتكم السّكرتان: سكرة حبّ العيش وحبّ الجهل فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر والقائمون بالكتاب والسنّة كالسابقين من المهاجرين والأنصار) كنز العمّال·

وعن الإمام علي (ع) : (وإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله بل الحجة عليه أعظم والحسرة له ألزم وهو عند الله ألوم)· وقد تحدّث الشاعر الجواهري عن هؤلاء:

وإن صدقت فما في الناس مرتكباً

 مثل الأديب أعان الجور فارتكبا

هذا اليراع شواظ الحق أرهفه

 سيفاً وخانع رأي ردّه خشبا

 وربّ راضٍ من الحرمان قسمته

 فبرّر الصمت والحرمان والسّغبا

 أمضى، وإن لم يشأ، أطماع طاغية

 وحال دون سواد الشّعب أن يثبا

 وعوّض الناس عن ذلّ ومسكنة

 من القناعة كنزاً مائجاً ذهبا

 جيش من القيم الدّنيا يمدّ به

 ذوو المواهب جيشَ القوّة اللّجبا

 الإصلاح المطلوب:

 والإصلاح المطلوب عند وقوع الخلل والفساد الّذي يهدّد السلامة العامّة للمجتمع هو الإصلاح الّذي يقوم على العدل لأنّ الشريعة تهدف الى استمرار الإصلاح وثباته، ولا ثبات له بدون الأخذ بقواعد العدل وسيفقد المجتمع عنصر الاستقرار عندما تقوم عملية الإصلاح على المجاملة والأخذ بمنطق الغلبة ولذلك أمرت الآيات المباركة أن يكون الإصلاح بالعدل باعتبار أن عملية الإصلاح تتضمن إصدار الأحكام فتكون مشمولة لقوله تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (النساء، 58)·

وأيضاً هي مورد لقوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إنّ الله يحب المقسطين} (الحجرات:9) وقد جاء في الأحاديث الكثيرة <إنّ الله لا يقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقّه>·

ولذلك كان لا بدّ في عمليّة الإصلاح من التجرّد عن عوامل الهوى والخوف والإبتعاد عن كلّ ما يحرف عمليّة الإصلاح عن أهدافها وذلك باعتماد الحق والعدل وهنا تبرز حقيقة الإيمان وملكة التقوى فقد يميل طرف إلى عصبيّة حزبيّة أو دينيّة أو عرقيّة وقد يميل طرف آخر إلى أسباب أخرى تمنعه من قبول الحق باعتبار أنّه يرى الحقّ و الحقيقة عنده وحده وأنّ الباطل و الخطأ عند غيره المخالف له وأنّه هو الصلاح والإصلاح وغيره الفساد والإفساد فكيف يُطالَب بإصلاح أمره وحتّى لا نختلف في تشخيص الحق والحكم به فقد قال الله تعالى: ··· فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} (النساء)· ولذلك جاء الخطاب الإلهي للمؤمنين بلزوم اعتماد الحق والعدل في أحكامهم كما ورد في القرآن الكريم : يا أيها الّذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} المائدة،8·

وجاء االخطاب الإلهي موجّهاً التحذير للّذين يرفضون مطالبتهم بالإصلاح لأنهم يملكون الحقيقة وحدهم كما يزعمون! فقال عنهم الله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} (البقرة 11-12)·

وقد ذكر صاحب تفسير الميزان أنّ المراد من الإفساد في الأرض في الآية هو الإخلال بالأمن العام، والأمن العام إنّما يختلّ بإيجاد الخوف العام وحلوله محلّ الأمن ولا يكون بحسب الطبع والعادة إلا باستعمال السلاح المهدّد بالقتل ولهذا ورد فيما ورد من السنة تفسير الفساد في الأرض بشهر السيف ونحوه)·

وقد جاء في الحديث <من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمّه>·

وعن جابر بن عبد الله :<أن رجلاً مرّ في المسجد وبيده سهام قد أبدى نصولها فأمر رسول الله (#) أن يأخذ نصولها كي لا يخدش مسلماً> صحيح مسلم·

النظام العام كلٌّ لا يتجزأ:

من الواضح أن هذه الآيات والنصوص تركّز على المخالفات الإجتماعية التي تشكّل خطراً على تماسك المجتمع وسلامته لأنها تشكّل اعتداءاً على الآخر فرداً كان أو جماعة وتشكّل خروجاً على النّظام العام الذي تتوقف عليه سلامة العموم·

وتشريعات النّظام العام هي كلٌّ لا يتجزأ فلا يمكن الأخذ بالتشريعات ذات الطبيعة الخدماتية وترك التشريعات ذات الطبيعة الهادفة إلى أمن المجتمع وسلامته لترابط التشريعات النظامية بعضها بالبعض الآخر ولا يمكن الحصول على الغرض منها من خلال التجزئة والتّفريق فالدّولة الراعية للنّظام العام لا يمكنها أن تكون للناس خادمة إذا لم تكن لهم حاكمة ولعلّ التشريعات الهادفة إلى أمن المجتمع وسلامته هي الأولى بالأخذ بها والمحافظة عليها من التشريعات الأخرى كما يظهر من تفسير صاحب الميزان للآية المباركة السابقة لأن أمن المجتمع وسلامته حيث تصان بهما الكرامات والحقوق والحريات وتحفظ بهما الدماء والأعراض وهذا ما يؤدّي إلى نموّ المجتمع وتطوّره ووصوله إلى سدّ حاجاته وتوفيرها·وما يشير إلى رفض هذه التّجزئة ما ورد عن الإمام علي (ع) : (لا يترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلاّ فتح الله عليهم ما هو أضرّ منه)·

أسس الإصلاح

فإنّ كلّ هذه الأحكام المتقدّمة تعتبر من الثوابت في الكتاب والسنّة وهي المرجعيّة في عمليّة الإصلاح فيجب تذكير المخالفين لها بها، وليس من الحكم بالعدل أن لا يقال للمخطئ قد أخطأت وللمصيب قد أصبت وليس من أحدٍ بفوق أن يقال له الحقّ أو يعان عليه مهما بلغ شأنه وارتفع قدره فإنّ الحقّ أحقّ أن يتبع وحينئذ تكون الشهادة للحقّ شهادة لله تعالى لم تمنع صاحبها وقائلها هيبة الناس من ذكرها وأدائها كما جاء في الحديث: (لا يمنعنّ أحدكم هيبة الناس أن يقول الحقّ إذا رآه أو سمعه) كنز العمال·

وعندئذٍ تكون النصيحة لله في عباده كما قال الإمام علي ( ولكن من واجب حقوق الله على عباده النّصيحة بمبلغ جهدهم والتّعاون على إقامة الحقّ بينهم وليس امرؤٌ ? وإن عظمت في الحقّ منزلته وتقدّمت في الدّين فضيلته- بفوق أن يعان على ما حمّله الله من حقّه ولا امرؤٌ وإن صغّرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يُعان عليه)· و (إنّ من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه أثقل)·

فالعدل والحقّ هما اللذان يزيلان رواسب الخلاف والنزاع ويحفظان الإستقرار المطلوب للمجتمع ويؤسسان للتعايش السلمي داخل المجتمع، تحفظه الأجيال وتنعم به وتعمل له· وبذلك تدفن أسباب النزاع ويمنع من استغلال النتائج لإثارة الأحقاد والضغائن ونبش الدفائن·

وأما الحلول التي تقوم على الغلبة والقوّة فهي لا يكتب لها الإستمرار لأن القوة نفسها لا تستمر ولا تؤسس للتعايش السلمي بين أبناء المجتمع الواحد وفي التاريخ عبر ودروس عن تلك المجتمعات التي احتكمت إلى القوة في نزاعاتها الداخلية وأدّى ذلك إلى تفككها وانهيارها وهنا أذكر ما قاله أبو البقاء الأندلسي رحمه الله في رثاء الأندلس عندما مر على مدنها وقراها وقد أنهكتها الخلافات الداخلية واستخدام بعضهم القوّة ضدّ البعض الآخر وفي قصيدته تذكير بمصير هذه القوّة المحتوم·

لـكل شـيءٍ إذا مـا تـم نقصانُ فـلا يُـغرُّ بـطيب العيش إنسانُ

هـي الأمـورُ كـما شاهدتها دُولٌ مَـن سَـرَّهُ زَمـنٌ ساءَتهُ أزمانُ

 وهـذه الـدار لا تُـبقي على أحد ولا يـدوم عـلى حـالٍ لها شان

 ويـنتهي كـلّ سيف للفناء ولوْ كـان ابنَ ذي يزَن والغمدُ غُمدانُ

 أيـن الملوك ذَوو التيجان من يمنٍ وأيـن مـنهم أكـاليلٌ وتيجانُ ؟!

 وأيـن مـا شـاده شـدَّادُ في إرمٍ وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ ؟!

 وأيـن مـا حازه قارون من ذهب وأيـن عـادٌ وشـدادٌ وقحطانُ ؟!

 دارَ الـزّمانُ عـلى (دارا) وقاتِلِه وأمَّ كـسـرى فـما يأويه إيـوانُ

 أتـى عـلى الـكُل أمر لا مَردَّ له حـتى قَـضَوا فكأن القوم ما كانوا

 وصار ما كان من مُلْكٍ ومن مَلِكٍ كما حكى عن خيال الطيف وسْنانُ

 أرشدنا الله إلى الحقّ ووفقنا لاتباعه ونسأله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 نص المحاضرة التي ألقاها العلامة المجتهد السيد علي الأمين في المركز الثقافي الإسلامي -بيروت 5-1-2010

شاهد أيضاً

العلامة المجتهد السيد علي الأمين عاد من البحرين -الروابط الدينية والمذهبية بين شعب وآخر لا يجوز أن تكون على حساب الثوابت الوطنية

العلامة المجتهد السيد علي الأمين عاد من البحرين -الروابط الدينية والمذهبية بين شعب وآخر لا يجوز أن تكون على حساب الثوابت الوطنية

عاد العلامة المجتهد السيد علي الأمين من مملكة البحرين بعد حلوله محاضرا في مؤتمر الهوية …