الخميس , يوليو 28 2016
عناوين
الرئيسية / دين ورسالات / حوار الأديان
385342

حوار الأديان

حوار الأديان

Religions Interlocution

العلاّمة المجتهد السيد علي الامين

*الحوار بين الشعوب هو النموذج في العلاقات الانسانية.

* الانسانية هي جوهر الرسالات السماوية.

*لولا الانسان لم يكن الكون بحاجة لرسل وأديان.

*كلما تطورت الانظمة اشتدت الحاجة إلى الحوار.

*الحوار بين أهل الأديان يجب أن يبتعد عن مسائل أصبحت في ذمة التاريخ ولم يكن الدين سببها.

*الانجيل المقدس الذي يقول (لا تقتل) كيف يكون مسؤلا عن القتل.والقرآن الكريم الذي يقول (إن الله لا يحب المعتدين) كيف يكون مسؤولاً عن الإعتداء. إنها مسؤولية الانسان.

 *إن المسيحية كدين ليست مسؤولة عن عن المآسي التي حصلت للبشرية في الحربين الأولى والثانية.

* وإن الإسلام لم يكن مسؤولاً كدين عن مآسٍ حصلت من حروبٍ قامت بها الدولة العثمانية في شرق أوروبا وآسيا.

 * لأن الرسالات السماوية من مؤلف واحدٍ هو الله تعالى وتدور حول محورٍ واحدٍ الإنسان.

*الرسالات السماوية تريد منا السمو الروحي والأخلاقي…

الأديان ذات جوهرٍ واحد مهما اختلفت الصيغ والأشكال

* لا تضيعوا وقتاً على مادة الإختلاف في الشرعة والمنهاج

* إن الذي يهمني ويعنيني وأهتم به هو كيف يتعامل مع الآخر وليس سؤال ماذا يعتقد وماذا يعبد ؟

* الحوار بين الأديان يجب أن يرتكز على قبول الآخر كما هو وليس الحوار عملاً تبشيرياً يهدف إلى إقناع الآخر

* إن الحوار واللقاء بين المسيحية والإسلام أمرٌ ضروري

 * إنشاء معهد ديني مشترك ندرس فيه المسيحية والإسلام معاً ونركز على استخراج القواسم المشتركة وما أكثرها فندرسها ويجلس الشيخ والقسّ على مقعدٍ واحدٍ وفي مدرسة واحدة ثم ننطلق إلى العالم للتبليغ.

 نص الكلمة: 

يسعدني في هذا اللّقاء الطيّب الذي يجمع صفوةً من المفكرين والعلماء من الدولتين الفنلندية واللبنانية يعتنون بقضايا الأديان والإنسان _ أن أرحب بالحضور جميعاً آملاً أن يحقق هذا اللقاء بعض ما نصبو إليه من تفاهمٍ وتعايش بين الشعوب في محبة وتعاون وسلام .

وبعد فإن الحوار بين الشعوب والأمم يعتبر علامة وسمةً من علامات وسمات عصر الحضارة والرقي وهو النموذج في العلاقات الإنسانية التي نعتقد أنها جوهر الرسالات السماوية حيث كان المحور للرسالات والرسل هو الإنسان فلولا الإنسان لم يكن هذا الكون بحاجة إلى رسلٍ وأديان .

وكلما تطورت الأنظمة والشعوب تشتد الحاجة إلى الحوار الجاد الذي يجنب البشرية مخاطر التطور في آلة الحرب المدمرة لأن الحوار الجاد هو الذي يبدد المخاوف بين الدول والشعوب والقيم الدينية الغنية بالتوجيه والإرشاد كفيلة بأن توجه الإنسان الذي يمتلك آلة الدمار إلى إنسان يصنع الخير ويزرع الوئام والإنسجام والسلام لأنها قيم ومبادىء تنزع من نفسه عناصر الشر ، فيبتعد عن التسلط والإستغلال وحب السيطرة .

وفي اعتقادي أن الحوار بين أهل الأديان يجب أن يبتعد عن مسائل أصبحت في ذمة التاريخ ولم يكن للدين سبباً في حصولها . فالبشرية بعد ظهور المسيحية والإسلام عاشت قروناً من الإختلافات والنزاعات باسم الإسلام تارة وباسم المسيحية أخرى وهي خلافات وقعت ولا يمكن إنكارها ولكن الذي يمكن إنكاره هو علاقة الدين بذلك لأن الكتب التي تمثل الدين ترفض كل تلك الصراعات الدموية بين أفراد المجتمع البشري ، فالإنجيل المقدس الذي يقول (لا تقتل ) كيف يكون مسؤولاً عن القتل ! والقرآن الكريم الذي يقول ( إن الله لا يحب المعتدين ) كيف يكون مسؤولاً عن وقوع الإعتداء ! إنها مسؤولية الإنسان الذي فهم الدين فهماً خاطئاً أو مسؤولية الإنسان الذي استغل الدين المقدس لمآربه فحوله إلى إلى أداة من أدوات تعبئة النفوس بالكراهية والبغضاء ليصل إلى أهدافه غير المقدسة من السيطرة والتسلط على الآخرين ومقدّراتهم وبكلمة مختصرة لقد كانت تلك الحروب التي جرت المآسي على البشر تعبيراً عن طموحات لأشخاص القيادات التي امتلأت نفوسها بحب الزعامة والتوسع على حساب الآخرين وقد غلفها بعضهم بغلاف الدين المقدس لإخفاء الأهداف غير المقدسة التي كانوا يسعون إلى تحقيقها والوصول إليها .

ولذلك فإني أرى أن الدين بكل رسالاته السماوية كان ضحية الصراعات السياسية والعسكرية التي كانت تبحث عن الغلبة والتوسع بكل ثمن من الأثمان .

إن المسيحية كدين سماوي ليست مسؤولة عن المآسي التي حصلت للبشرية في الحربين الأولى والثانية نعم كان هناك قيادات سياسية وعسكرية تنتمي إلى الدين المسيحي قولاً ووراثة هي المسؤولة عن تلك المآسي . وإن الإسلام لم يكن مسؤولاً كدين عن مآسٍ حصلت من حروبٍ قامت بها الدولة العثمانية في شرق أوروبا وآسيا . نعم كان هناك قيادات سياسية وعسكرية تنتمي إلى الدين الإسلامي قولاً ووراثة هي المسؤولة عن طموحات التسلط والسيطرة والتوسع على حساب الآخرين .

ومن هنا فإنني أرى أن تبتعد مسائل الحوار الديني عن تلك المرحلة التي أصبحت من الماضي وعن آثارها السلبية التي لا علاقة لنا نحن اليوم بها كما لم يكن للدين علاقة بها بالأمس ونقول كما جاء في القرآن الكريم ( تلك أمة قد خلت (مضت) لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ولا تُسألون عما كانوا يعملون ).

فالمهم في انطلاق عملية الحوار الجاد والفعال أن نرجع للبحث عن النصوص الدينية في الكتاب المقدس والقرآن الكريم للبحث عن القواسم المشتركة وهي كثيرة بالتأكيد لأن الرسالات السماوية من مؤلف واحدٍ هو الله تعالى وتدور حول محورٍ واحدٍ هو الإنسان وهذا يعني أن رسالات السماء واحدة في المصدر وهو الله تعالى وواحدة في الهدف وهو الإنسان ويجب أن تكون رسالاتٍ متكاملة وليس فيها تناقض واختلاف بحسب الجوهر . وفي الكتاب المقدس ما يشير إلى هذا المعنى ( لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس ولكن جئت لأكمله ) وكذلك الحال في القرآن الكريم ( شرع لكم في الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ).

والذي نفهمه من هذه النصوص أن الدين من عوامل الجمع بين البشر وليس من عوامل التفريق والبعد والإختلاف الموجود بين شرعة وأخرى هو اختلاف في المنهج والطريق وكل الطرق تؤدي إلى الله سبحانه وتعالى وكما في المثل ( كل الطرق تؤدي إلى روما ).

فالرسالات السماوية بتعددها تمثل تعدد المناهج والطرق ولكن الحقيقة التي تريده تلك المناهج والتي تؤدي إليها تلك الطرق واحدة إنها تريد منا السمو الروحي والأخلاقي وفعل الخيرات ومنها الصالح العام للبشرية جمعاء كما يشير إلى هذا المعنى من الإختلاف في الشكل القرآن الكريم ( لكلٍ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) .

لقد أعطانا الله القاسم المشترك الذي ندخل من خلاله إلى جوهر الرسالات الدينية وهو قوله (فاستبقوا الخيرات) وهذه الآية التي نخرج بها بنجاح من امتحان الاختلاف الشكلي الذي تشير إليه الآية نفسها( ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم ( ليختبركم) فيما آتاكم  إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون )) لا تضيعوا وقتاً على مادة الإختلاف في الشرعة والمنهاج هذا ليس مهماً والمهم أن نصنع الخيرات للمجتمع البشري أن نزيل الفقر والحرمان أن نصنع له أمناً وسلاماً هذا هو المهم الذي يجب أن تتنافسوا من أجل تحقيقه وأما الاختلاف الشكلي فسيخبركم الله به لأن مرجعكم إلى الله .

فالأديان ذات جوهرٍ واحد مهما اختلفت الصيغ والأشكال فليس المهم كيف نعبد الله ؟ بل المهم أن نعبد الله وقد يعبده كل منا على شرعة وعلى منهاج يختلف عن الآخر ولكنها في حقيقة الأمر هي عبادة لله الواحد الذي لا يختلف باختلاف طقوس العبادة وأشكالها. ومن هنا نقول أنه ليس من المهم كيف نعبد الله في المسجد أو الكنيسة ودور العبادة إن المهم هو أننا نعبد الله وهو القاسم المشترك الذي يجب أن نجتمع على عبادته وطاعته . وهذا المعنى المتقدم يؤكد على الجانب العملي من الدين وهو البعد الآخر في عملية الإيمان بالله لأن للإيمان بالله بعدين حقيقيين أحدهما علاقة الإنسان بربه .

وثانيهما  علاقة الإنسان بأخيه الإنسان كما جاء في جملة من الوصايا الدينية التي تؤكد على العلاقة الإنسانية مع الآخر فلا معنى للإيمان بالله عند شخصٍ إذا كان يظلم الآخرين ويضطهدهم ويستعبدهم .

والسؤال المهم الذي يطرح عن البعد الثاني لعملية الإيمان بالله هو علاقة الإنسان بأخيه الإنسان .

هو سؤال ماذا يعمل الآخر وكيف يعمل؟ وبعبارة أخرى إن الذي يهمني ويعنيني وأهتم به هو كيف يتعامل مع الآخر وليس سؤال ماذا يعتقد وماذا يعبد ؟ لأن الدين في جانبه الآخر هو المعاملة كما جاء في النص الديني سؤالاً عن الدين فقال : (الدين المعاملة).

فكما أن المعاملة لا تكون إلا مع طرف آخر ( هو الإنسان الآخر )  كذلك يكون الدين فهو لا يعطي ثماره الطيبة إلا في المعاملة الحسنة مع الإنسان الآخر .

فالبعد الأول للإيمان بالله وهو علاقة الإنسان بربه لا يتأثر بشكل العلاقة ولكن لا بد من انعكاسه إيجاباً في علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان وهذا يشكل البعد لعملية الإيمان والإعتقاد ،فما هي قيمة الإيمان بعدالة الله في السماء إذا لم نحقق هذه العدالة بيننا على الأرض؟! وما قيمة الاعتقاد دون الإيمان بأن الله هو الخير والرحمة والمحبة والسلام وإذا لم نسع لتحقيق هذه المعاني في حياتنا فيرحم بعضنا بعضاً ويحب بعضنا بعضاً في هذه الدنيا كما جاء في إنجيل متّى ( طوبى للرحماء لأنهم يرحمون وطوبى للأتقياء لأنهم يعاينون الله وطوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون ).

ولذلك فإني أؤكد على أن الحوار يجب أن يعتمد على النصوص الدينية الموجودة في الكتب السماوية ( الإنجيل والقرآن ) وبذلك يصبح من السهل أن يفهم بعضنا بعضاً وقد يكون بإمكاننا أن نغير الكثير من العادات والتقاليد المغايرة للدين من خلال العودة إلى النصوص الدينية .

–          لا يمكن فهم الإسلام والمسيحية بمعزلٍ عن النصوص الدينية لأن الكثير من المسلمين والمسيحيين لا يطبقون تعاليم الدين بشكل دقيق .

–      الحوار بين الأديان يجب أن يرتكز على قبول الآخر كما هو وليس الحوار عملاً تبشيرياً يهدف إلى إقناع الآخر بتخليه عن دينه ومعتقداته بل يجب أن يكون الهدف من عملية الحوار أن يفهم بعضنا البعض الآخر ليتحقق التعامل بين شعوبنا بشكلٍ سليم نابع من احترام الآخر وحقه في اختيار البقاء على معتقداته وبذلك نؤسس لأخوة بشرية قائمة على التبادل والتعدد من دون التفكير بمبنطق إلغاء الآخر أو السيطرة عليه كما قال الشاعر :

                                                ما دمت محترماً حقي فأنت أخي                           

                                                     آمنت بالله أم آمنت بالحجر                              

–          إن الحوار واللقاء بين المسيحية والإسلام أمرٌ ضروري لتبديد المخاوف وإزالة الأخطار وإقامة نظام عالمي قائم على مبادئ الإحترام والعدالة.

–      ومن أجل أن نخرج الحوار الجاد إلى ساحة الواقع فإني أجدد إقتراحي الذي قدمته إلى سيادة صاحب الغبطة الدكتور يوكا بارما رئيس أساقفة فنلندا وتوركو وهو إنشاء مهعد ديني مشترك ندرس فيه المسيحية والإسلام معاً ونركز على استخراج القواسم المشتركة وما أكثرها فندرسها ويجلس الشيخ والقسّ على مقعدٍ واحدٍ وفي مدرسة واحدة ثم ننطلق إلى العالم للتبليغ ونشر الوعي الديني بين الأمم والشعوب من خلال فهمٍ متبادل وعيشٍ مشترك في معهد واحد يولّد عيشاً مشتركاً وتفاهماً بين الطوائف والشعوب وهذا الإقتراح لا زلت متمسكاً به لأنه يشكل خطوة جادة في إطلاق عملية الحوار إلى الأمام ، وقد وجدت أن الكثير من التعصب الموجود لدى كثيرٍ من رجال الدين وأتباعهم ناشئٌ من عدم العلم والمعرفة بالآخر ومعتقداته على الوجه الصحيح ومن المعلوم أن التعصب مظهر من مظاهر الجهل لا يزول إلا بالعلم  والمعرفة لأنه لا تعصب مع العلم الذي يرفض الصِّيغ والأشكال المغلقة ويدعو إلى التفاهم والإنفتاح .

                                                                                     


*أقيم هدا اللقاء-الحوار بتاريخ 17-11-2000م في معهد الإمام الصدر للدراسات الاسلامية-صور مع الوفد الفنلندي الكنسي بدعوة من سماحة السيد شارك فيه شخصيات علمية و دينية فنلندية – لبنانية .وهو استكمال لحوار الأديان الذي تم دعوة سماحة السيد إليه في هلسنكي –العاصمة الفنلندية لالقاء محاضرة بعنوان (الإسلام و الحداثة) في جامعة هلسنكي سنة 1999.

 نشرت في مجلة المرصد الاعلامي الحر عدد 56- 11 حزيران 2005  وصحف ومجلات متعددة في فترة اللقاء.