ولاية الفقيه

من علم الفقه إلى عالم السياسة*

 

 

 العلاّمة المفتي السيّد علي الأمين

 

 

 

 

 

 تطرق الفقهاء في بحوثهم الفقهية الى مسألة ولاية الفقيه، في إطار البحث عن الأحوال الشّخصية، وفقه المعاملات المشتمل على الطّلاق و الزّواج والارث والوصايا والعقودالتّجارية. وقد استخرج الفقهاء من النّصوص الشّرعية مجموعة من الشّروط المعتبرة في نفوذ المعاملة وترتيب الآثار المقصودة عليها.

وبعض هذه الشّروط يعود الى أهليّة المتعاقدين، وبعضها يرجع الى العقد والصيغة اللّفظية المعتمدة في عمليّة النّقل والانتقال والزّواج والطّلاق وغيرهما، والبعض الآخر من الشّروط يعود الى الشّيء الذي يقع العقد عليه.

وفيما يعود إلى أهليّة المتعاقدين، فقد ذكر الفقهاء اعتبار جملة من الأمور، منها البلوغ والعقل والرّشد؛ وهي ترتبط باكتمال الشّخصية الحقوقيّة للفرد و صيرورته مؤهّلاً لترتيب الآثار على أقواله وأفعاله والتزاماته، بنظر العرف والعقلاء، الّذي اعتمدته الشريعة وأقرّته في نصوص عديدة منها:

 ( النّاس مسلطون على أموالهم )

 و( النّاس مسلطون على انفسهم)

 وغيرها من النصوص الدّالة على إمضاء المعاملات والعقود الصادرة عن العقلاء  بالارادة و الاختيار. وإمضاء المعاملة و نفوذها من الأمور الّتي تقتضيها سلطنة الشّخص على نفسه وأمواله.

 و قد لاحظ الفقهاء فقدان الأهلية في بعض الحالات لسبب من الأسباب، كالغياب والصِّغر واليتم والجنون والسَّفه وعدم الرّشد، وغير ذلك، مما أوجب البحث عن عناصر أخرى بديلة لنفوذ التصرّفات والمعاملات في تلك الحالات التي تكون الحاجة فيها قائمة لاجرائها.

 فماذا يصنع الصّغير بأمواله؟

وماذا يصنع اليتيم إن كان يملك المال ومعاملته غير نافذة؟

وماذا تصنع المرأة التي غاب عنها زوجها وفُقدت آثاره، والمفروض أن طلاقها منحصر بيد زوجها؟

 ومن المسؤول عن إدارة الأوقاف العامّة و غيرها من الأمور الّتي لا بد من القيام بها وحصولها دفعاً لمفسدة أو حرصاً على مصلحة ونظماً للأمر.

فمن هو الذي يتولى القيام بهذه المهمة وأمثالها عند فقدان الأهليّة؟

فبحث الفقهاء عن اولياء العقد في أمثال تلك الحالات والأوضاع، وذكروا ولاية الأب والجدّ على الصغير، والوصيّ على اليتيم، وولاية عدول المؤمنين للقيام بما لا بدّ من القيام به للصّغير أو اليتيم أوالميّت الّذي لا وليّ له، وغير ذلك من الموارد التي يحتاج ملء الفراغ فيها الى وليّ يقوم مقام فاقد الأهلية في إجراء معاملاته ونفوذها.

 وفي هذا الاطار، تمّ البحث عن ثبوت ولاية للفقيه للقيام بهذه المهمّة التي يفتقر اليها الذين فقدوا الأولياء و الأهلية الشّرعية لإتمام معاملاتهم الشخصية، وليس للولاية عليهم في آرائهم وأفكارهم ومعتقداتهم واختياراتهم السياسية والحياتيّة الأخرى،فضلاً عن الولاية على غيرهم من واجدي الأهليّة والشخصية الحقوقيّة الكاملة. ولذا قد استدلّ من قال بثبوت هذه الولاية الخاصّة على خصوص الأشخاص الفاقدين للأهلية ببعض النّصوص الّتي ورد فيها:

( السلطان وليّ من لا وليّ له )

 أو( الحاكم وليّ من لا وليّ له )

 والمقصود من كلمة الحاكم الواردة في تعبيرات الفقهاء، كما جاء في تعريفها لشيخ الفقهاء والمجتهدين المحقق الأنصاري أنّ :

( الحاكم هو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى ) وليس المقصود بها الحاكمية السياسية. وقد جاء في كلمات الفقهاء أن الفقيه هو وليّ الغائب والصّغير والّذي لا وليّ له، وأنّه وليّ الممتنع عن أداء الحقّ و الدّين وما شاكل ذلك؛ وهذا يعني أنّ الولاية التي بحثوا عنها ليست ولاية على عموم الناس، وإنّما هي، على تقدير ثبوتها، ولاية على الّذين لا أولياء لهم، و الّذين فقدوا الأهليّة المعتبرة في نفوذ المعاملات لسبب من الأسباب المتقدّمة، ولا علاقة لهذه الولاية، كما ترى، بالولاية السياسيّة، بل هي بعيدة كلّ البعد عن عالم السّياسة والسلطة والحكم. ولذلك ترى بأن الفقهاء الّذين أثبتوا هذه الولاية وبحثوا عنها كانوا من الرافضين للمشاريع السياسيّة والولاية بمعنى السّلطة السّياسيّة، وفيهم القائلون بعدم جواز الخروج على الحاكم السّياسي لاختصاص ذلك بالامام المعصوم.

وقد بقي البحث عن ولاية الفقيه في هذا الإطار الفقهي المرتبط بالأحوال الشّخصيّة القريبة من معنى الوصاية التي يتصدّى لإثباتها وتفاصيلها القضاة الشّرعيون  اليوم، في المحاكم الشرعية المختصّة  بالقضايا المسمّاة بالأحوال الشخصيّة كما تقدم، وهي معزولة عن قضايا الفقه السّياسي بالكليّة.

ويشهد لذلك أيضاً ما عرفت أن البحث عن ولاية الفقيه جرى في سياق البحث عن ولاية الأبوين على الصغير وولاية عدول المؤمنين للقيام بتلك المهمّة؛ ولا علاقة للأمرين بالولاية السياسيّة كما لا يخفى.

وقد قفزت هذه المسألة العلميّة الفقهيّة إلى واجهة البحث السياسي، خارج الأجواء الفقهية المعهودة بعد وصول الإمام الخميني إلى سدّة الحكم في إيران باعتباره فقيها ومرجعاً دينياً وقد استلزم وصوله إلى السّلطة والحكم الكثير من التصرفات التي تجاوزت الولاية فيها حدود الولاية المعروفة والثابتة في الأحوال الشّخصية إلى التّصرف في الدّماء والأموال وهي تصرفات تعتبر حسب الذهنية العامة عند الشيعة وبحسب السائد الفقهي من صلاحيات النّبي والإمام المعصوم أو المأذون من قبلهما فالسّعي للإمساك بالسّلطة السياسية الّذي يؤدّي إلى إزهاق النّفوس وإتلاف الأموال ومصادرتها في عصر غيبة الإمام يحتاج إلى المبرّر الشّرعي المستند إلى أدلّة شرعية من الكتاب والسنّة.

 

وللإجابة عن الأسئلة المطروحة، نشط البحث عن ثبوت مثل هذه الولاية العامة للفقيه وبدأت القراءات الجديدة للنّصوص الدّينية لتبرير الواقع الّذي جرى أولاً ولتعزيز سلطته كفقيه ووضع الدعائم لاستمرارها ثانيا من خلال تحويلها إلى نظرية في الحكم و السياسة وإعطائها البعد الديني المؤثر في النفوس ولتصبح ولاية تحمل الطابع الالهي حاولوا أن يثبتوا للفقيه ما كان ثابتاً للنّبي والامام المعصوم.

إشكاليات ولاية الفقيه العامة

 

وقد واجهت هذه الولاية العامة للفقيه أسئلة كثيرة وولّدت إشكاليات عديدة لدى الفقهاء والباحثين في أصل ثبوتها للأنبياء والرسل والأوصياء فضلاً عن الفقهاء في طبيعة الولاية الثابته لهم وفي إمكان انتقال هذه الولاية من الانبياء والائمة المعصومين الى العلماء الوارثين لهم كما جاء في بعض النصوص الدينية:

 (العلماء ورثة الأنبياء).

وجرى البحث أيضاً في حدود هذه الولاية وامتداداتها على تقدير القول بثبوتها للأصل وانتقالها إلى الفرع ،وسنحاول في هذا اللقاء أن ننشر الضوء على هذه المسائل بالمقدار المتاح تاركين التوسع فيها إلى مجالات أخرى فنقول:

 لا شكّ بارتباط البحث عن ولاية الفقيه بالبحث عن الدّور المرسوم للأنبياء والمرسلين والائمة المعصومين الذي يعتبر بمثابة الأصل والاساس لدور الفقهاء والعلماء في حياة الأمم والشعوب والمجتمعات، ولا يمكن أن يكون الدّور الثّابت للفرع أوسع دائرة في الصّلاحيات مما هو ثابت لأصله،ولا يصح لدى الشّرع وأتباعه أن يزيد منصب الفقهاء وموقعهم ودورهم على مناصب الأنبياء والرّسل والأوصياء المعصومين ومواقعهم وأدوارهم.

 

دور الأنبياء والرسل

 

والمعروف عند أهل الملل والأديان والكتب السماوية كلها أنّ الهدف الأساسي الّذي يسعى الأنبياء لتحقيقه في المجتمعات البشريّة لم يكن بالدّرجة الأولى مشروعاً سياسياً هادفاً إلى إقامة نظام سياسي وإستلام السّلطة فيه وإنّما كان الهدف الأساسي والأوّلي من بعثة الأنبياء وإرسال الرّسل وتعيين الاوصياء التّربية والتّعليم للنّاس حاملين لهم دعوة الايمان ورسالة الهداية والارشاد الى سواء السّبيل وإقامة الحجّة عليهم بإظهار الحقّ وبيان الطريق القويم والصّراط المستقيم الذي لا عوج فيه .

ويفهم هذا الهدف من خلال شواهد الآيات والروايات الكاشفة عن هذه الغاية بوضوح كقول الله تعالى:

( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس بالحق فيما اختلفوا فيه) وقوله تعالى:

(...ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما..ورسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيما ) وقوله تعالى (وهو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ).

وفي الحديث المشهور عن النبي(ص):

(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ):

ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الأنجيل المقدّس عن السّيّد المسيح عليه السلام:

 (مملكتي ليست من هذا العالم) .

وعن الإمام علي عليه السلام:

( فبعث فيهم (الناس) رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول...).

وقال أيضاً عن آدم عليه السلام:

 (فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه ونسله وليقيم الحجة على عباده...).

ويضاف إلى هذه الشواهد السيرة العامة للرسل والأنبياء والأوصياء وهي دالة بوضوح على أن الهدف كان الدعوة والإصلاح بالدرجة الاولى ولم يكن السلطة السياسية حتى من الذين حملوا لقب الامامة كأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام فهو لم يستلم سلطة ولم يقم نظاماً سياسياً وقد كان داعية لعبادة الله الواحد والتزام التقوى ونبذ الشرك وعبادة الاوثان وهذا يعني ان منصب النبوة والامامة كان يغلب عليهما طابع الدّعوة والرّسالة وليس طابع السّياسة بمعنى السّلطة والدّولة والحكم.

 

ولاية الأنبياء

 

وعلى هذا الأساس قال بعض العلماء والمفكرين أن الولاية الثابتة للأنبياء والرسل هي ولاية في إطار التبليغ الدّيني والتّعليم كما أشارت إلى هذا المعنى مجموعة من الآيات القرآنية منها قوله تعالى:

( فهل على الرُّسل إلاّ البلاغ المبين )

و(فإنما عليك البلاغ)

و(وما على الرسول إلا البلاغ)

(لست عليهم بوكيل)

(لست عليهم بمسيطر)

(فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ).

ولذلك يقال إذا كان مشروع الأنبياء مشروع تبشير وإنذار وتبليغ وتعليم وهداية وارشاد فكيف تكون ولاية الفقيه تعبيراً عن مشروع سياسي وولاية سياسية!

فهل يجوز أن يثبت للفقيه ما لم يثبت للرسل والأنبياء ؟!

ولماذا لم يقوموا بهذا الدور في مختلف الدهور والأعصار على كثرتهم التي بلغت كما في بعض الروايات مئة وعشرين ألف نبي؟!

وهل كان الفقهاء منذ عصر الغيبة مقصرين في تحمل مسؤولياتهم للقيام بهذا الدور الذي لم يقم به ائمة أهل البيت أنفسهم ؟!..

فكيف تكون الروايات الصادرة عنهم تعطي الولاية السياسية للفقهاء في الوقت الذي لم يمارسوا فيه هم أنفسهم هذا الدور ولم تكن لهم هذه السلطة !

وكيف يكون قول الامام الصادق عليه السلام:

(أنظروا إلى رجل منكم عرف حلالنا وحرامنا ونظر في احكامنا..فإني قد جعلته حاكماً)،كيف يكون هذا جعلاً للحاكمية السياسية للفقيه والامام الصادق عليه السلام نفسه لم يكن حاكماً بالمعنى السياسي ،وإذا كان هذا الدور منوطاً بالإمام فهل تخلى الإمام عن دوره للفقهاء؟!!

ولأجل هذا مع ما تقدم ذكره يقال بأن الولاية الثابتة للفقيه هي في إطار التبليغ والدعوة المتضمن للمرجعية الدينية وهذا الدور التبليغي للاحكام الشرعية الذي تحدثت عنه هذه الروايات وغيرها هو وحده الذي ينسجم ويتلاءم مع ما تقدم ذكره من دور التبشير والانذار الذي قام به الانبياء.

 

 الأنبياء والسلطة

 

 

وهذا لا يعني ان الوصول الى السلطة السياسية محظور وممنوع عليهم فإن حصلت لهم كما جرى ذلك للقليل النادر من الأنبياء والاوصياء فإن الولاية الثابته لهم حينئذٍ وإن كانت شاملة للولاية السياسية إما بحسب الأصل كما هو رأي بعض العلماء وإمّا للحالة الطارئة وهي حالة استلام السلطة السياسية كما هو رأي بعض آخر فإن هذه الولاية على كلا التقديرين لا تؤدي الى تعطيل ارادة الافراد والجماعات وإلغاء اختياراتهم وحرياتهم في الافكار والآراء والمعتقدات لأنها ولاية ثبتت بنص تشريعي فلا تتنافى مع نصوص تشريعية اخرى نصت على اصل الحرية كما جاء في آيات عديدة منها قوله تعالى:

(لا إكراه في الدين)

وقوله تعالى (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)

وقوله تعالى (ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ! )

وغيرها من الايات والروايات المثبتة للحرية الدينية التي تشكل أساساً لكل الحريات الأخرى كما ورد في بعضها:

(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)

و(لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّا).

 

والحاصل أن فكرة الولاية على تقدير ثبوتها لا تعني الاستيلاء والالغاء وانما هي تشريع يتكامل مع سائر التشريعات الاخرى ولا ينفيها ولا يتناقض معها، فهي ولاية لتطبيق تلك التشريعات المشتملة على أصل الحرية والعدالة وليست ولاية على إلغائها وتعطيلها.

 

الولاية وعصمة الأنبياء

 

- وبماأن الذي ثبتت له هذه الولاية العامة من الانبياء هو من المعصومين فهو لا يتجاوز الحدود المرسومة ولا يخالف الحق ولا يتبع إلا ما يوحى اليه كما في قوله تعالى:

(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)

وقوله تعالى(وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات)

(وهدوا الى الطيب من القول وهدوا الى صراط الحميد)

فإن هذه الاوصاف مع العصمة الثابتة تضمن للأفراد حقوقهم وللجماعات خصائصها وتمتنع مع هذه العصمة مخالفة الأحكام التي وضعها الله تعالى وفي اساسها الحرية للبشر والعدالة فيما بينهم كما عرفت، فهم بنظر الشريعة سواسية كأسنان المشط والنبي المرسل من عند الله يحقق هذه المساواة ويحافظ على هذه التعددية في حياة البشر على قاعدة الحديث القدسي:

 (الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله)

وإنهم كما قال الإمام علي(صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)

و(أن القوي عنده ضعيف حتى يأخذ منه الحق وان الضعيف عنده قوي حتى يأخذ له الحق)

 فهو يعمل على قاعدة أن هذه الولاية ان ثبتت له فهي ولاية حفظ ورعاية وليست ولاية استيلاء واستبداد وتسلط وغلبة واستعباد .

- واما اذا لم يكن الوالي معصوماً من الخطأ والذنب  فكيف يمكن أن يعطى مثل هذه الولاية الشاملة مع أنه قد يخطىء في احكامه وقد ينحاز في مواقفه وقد يحمل الناس على آرائه وأفكاره فيجعل من قومه خير الأقوام ومن جماعته افضل الجماعات وحاشيته أصدق الحواشي ويصنفهم أصنافاً شتى ما أنزل الله بها من سلطان ولا قام على صدقها من برهان لأنه من البشر الذين لا يمتنع في حقهم بحسب العادة صدور الاخطاء منهم والخطايا .

ولذلك وقع الكلام في امكانية إعطاء هذه الولاية وثبوتها لغير الانبياء والمعصومين من البشر الخطائين وإن كانوا من العلماء الوارثين.

والسّبب في ذلك أن الطاعة الثابتة للأنبياء لها علاقة بثبوت العصمة لهم فلا تثبت نفسها للفقهاء غير المعصومين. وهي أعني الولاية الشاملة لمّا كانت العصمة من أسباب ثبوتها فيجب أن تنتفي بانتفائها لأنها غير ثابتة للفقهاء وعلى الأقل يحتمل أن تكون العصمة ذات أثر في ثبوت الولاية فلا يعلم بثبوتها عند فقدان العصمة وإذا جاء الإحتمال بطل الأستدلال كما يقول العلماء.

 وقد اثيرت قديماً مسألة الولاية والطاعة الإلهيّة لغير رسول الله بعد وفاته لأن الفهم السائد كان يقوم على أن هذا الحق هو من مختصات النبي لأنه معصوم ومرسل من عند الله فلا يثبت هذا الحق لمن ليس نبياً ولا معصوماً .

وظهرت الأفكار الرافضة لدعوة ثبوت هذه الولاية لمن يأتي بعد رسول الله والقائلة بإختصاصها به وعدم إنتقالها إلى غير المعصوم وقد عبر الشاعر عن هذه الاشكالية في تلك المرحلة بقوله :

أطعنا رسول الله ما كا بيننا       فيالعباد الله ما لأبي بكر!

أيورثنا بكراً إذا مات  بعده     وتلك لعمر الله قاصمة الظهر!

وقد تعرض الفقهاءوعلماء الكلام لهذه المسألة أيضاً وجمهورهم بل معظمهم يذهب إلى عدم انتقال تلك الولاية العامة والطاعة من المعصوم إلى غيره لإنها من خصائصه فما ثبت له ليس بالضرورة ان يثبت لغيره الفاقد لتلك الميزات والخصائص ولذلك ذكروا أن الامامه لا تكون لمن يصدر منه الظلم كما في قول الله تعالى لإبراهيم عليه السلام عندما سأل الله أن يجعل من ذريته أئمة فقال الله تعالى له:

 (لا ينال عهدي الظالمين) .

وقد ذكر العلامة المجتهد الشيخ محمد جواد مغنيه في هذا الصدد في كتابه فقه الامام الصادق:

 (ونحن نعتقد أن المعصوم وحده هو الذي يجب اتباعه في جميع اقواله وأفعاله سواء أكانت من الموضوعات  أم من غيرها أما النائب والوكيل فلا ،بداهة أن النائب غير المنوب عنه والوكيل غير الأصيل وليس من الضرورة أن يكون النائب في شيء نائباً في كل شيء،وأيضا نعتقد أن من قال وادعى أن للمجتهد العادل كل ما للمعصوم هو واحد من اثنين لا ثالث لهما إما ذاهل مغفل وإما أنه يجر النار إلى قرصه ويزعم لنفسه ما خص الله به صفوة الصفوة من خلقه وهم النبي وأهل بيته (ع) وأعوذ بالله من هذه الدعوة وصاحبها )إنتهى كلامه رحمه الله .

وعلى هذا الاساس يقال بعدم ثبوت الطاعة التي كانت ثابتة للمعصوم وعدم انتقالها الى الفقيه وإن صار حاكماً بالمعنى السياسي لأن الطاعة حينئذٍ لا تكون لشخصه وإنما تكون طاعة الأنظمة العامة و القوانين التي يتساوى فيها الحاكم و المحكوم وليست ولاية على الأنفس و الأموال والآراء والأفكار والمعتقدات فليس للحاكم أن يختزل آراء الناس برأيه و سلطته وإن كان معصوماً كما كان يقول الامام علي (ع) للذين ولّي عليهم:

 ( فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن اخطئ ... فإنّ من استثقل الحق أن يقال له و العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه أثقل)

 هذا إذا كان الحاكم معصوماً ! فكيف إذا لم يكن الحاكم معصوماً فإنّ حق المعارضة و الاختلاف يكون ثابتاً بطريق أولى!.

 لأن موقعه كحاكم سياسي لا يمنحه حق الطاعة الالهية خصوصاً في عالم السياسة و الادارة حيث لا يختلف اختصاص الفقهاء فيها عن اختصاص غيرهم من السياسيين حتى ينحصر الرجوع إليهم فيها كما هو الحال في الأحكام الشرعية التي يكون استنباطها من اختصاص الفقهاء وحدهم فينحصر التعرف عليها بمرجعيتهم الدينية ولذلك لم يعتبر الامام علي انحصار الحاكمية السياسية بالامام أو الفقيه كما جاء في ردّه على الخوارج قائلاً:

 ( وإنّه لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء و يقاتل به العدوّ وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح برّ و يستراح من فاجر )

 

طاعة أولي الأمر

 

فهو لم يذكر الموقع الديني للحاكم السياسي وإنما ذكر الوظيفة المنوطة به في إدارة شؤون البلاد و الدفاع عنها و المحافظة على حقوق الناس وأمنهم وتكون طاعته حينئذ في إطار ما يحفظ النظام العام من باب الطاعة النظامية الثابتة لأولي الأمر وهي ليست على نسق الطاعة الثابتة لله ورسوله التي يرجع إليها في فض النزاعات وحل الاختلافات كما يشير الى ذلك قوله تعالى:

 ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر)

 حيث لم يأمر الله عند وقوع التنازع بالرجوع الى أولي الأمر وإنّما بالرجوع الى الله والرسول وهذا يشعر باختلاف طاعة الله ورسوله عن طاعة أولي الأمر كما هو واضح بأدنى تأمّل.

وقد ذكر الامام علي عليه السلام في مجال آخر جملة من الأوصاف التي يجب أن تتوفر في الوالي الحاكم ليس لها علاقة بالرتبة الدينية التي يحملها حيث قال:

 ( وقد علمتم أنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج و الدماء و المغانم و الأحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في اموالهم نهمته ولا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع و لا المعطل للسنة فيهلك الأمّة ).

 و المراد من السنة هي طريقة الحكم التي كشفت التجارب صلاحها و انتفاع الناس بها كما جاء في قوله الآخر لمالك الأشتر عندما ولاه على مصر:

 ( ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية ..).

ومن خلال الاشكاليات الواردة والمناقشات المتقدمة يظهر منشأ القول في عدم انتقال ولاية الأنبياء و الأوصياء الى الفقهاء ويظهر أيضا عدم انحصار الولاية السياسية بهم فضلاً عن الفقهاء الذين يعتبر شأنهم في عالم السياسة شأن  كل الناس الذين يتصدون للقيام بهذه المهمة مع وجود تلك الأوصاف العامة حفظاً للبلاد وصوناً لحقوق العباد وفي طليعتها حرية الاعتقاد والاراء والافكار كما ظهر ذلك من الايات والروايات والكلمات التي نقلناها عن بعض العلماء .

ولا تعني ولاية الفقهاء على تقدير التوسع فيها لتشمل عالم السياسة انحصار الولاية السياسية فيهم كما يريد أصحاب هذا الرأي وحملة هذا الشعار فإن ذلك قول بلا مستند ورأي بلا دليل.

وإن كان من شيء يسمى دليلاً فليس سوى الرغبة في تحويل هذه المسألة الفقهية إلى دعوة سياسية للشخص والنظام.

 

ولاية لجميع الفقهاء

 

 والشاهد على ذلك أن هذه الولاية حتى عند القائلين بها لم تثبت لأشخاص محدّدين وإنما هي جاءت بعنوان عام شامل لكل الفقهاء والمجتهدين فيكون تخصيص فقيه واحد بالولاية دون غيره من الفقهاء ترجيحاً بلا مرجح لأن العنوان العام الوارد في الروايات والاحاديث التي استندوا إليها يستدعي إيجاد آلية تجمع كلّ الفقهاء من مختلف البلدان وإشراكهم في السلطة السياسية دون النظر إلى جنسياتهم وانتماءاتهم وهذا ما يرفضه أصحاب هذه النظرية لاعتبارات عديدة لا تقوم على الاسس الفقهية التي قامت عليها النظرية نفسها.

 

 وماذا عن الفقهاء القائلين بعدم ثبوت ولاية الفقيه؟

فهل تعطيهم هذه النظرية ولاية لا يؤمنون بها لأنفسهم؟!

وإن سلبت عنهم هذه الولاية فهل تبقى لهم من فقاهة بعدها عند القائلين بها وأنصارهم؟! وقد رأينا ما أصاب بعض الفقهاء المنكرين لولاية الفقيه من تشهير وإبعاد ومقاطعة وإقعاد!!.

وإذا كان رأي القائلين بها حجة ودليلاً فلماذا لا يكون رأي المنكرين لها حجة ودليلاً أيضاً؟!. و لا يزال شعار ( الموت لأعداء ولاية الفقيه ) يرفع في وجه العلماء ومراجع الدّين المعارضين لنظرية ولاية الفقيه حتى أثناء إلقائهم للدّروس والمحاضرات الدّينيّة وهذا يؤكد على أن مسألة ولاية الفقيه خرجت من إطارها الفقهي الأكاديمي وأصبحت مسألة سياسية بامتياز تستهدف التأييد والإنتصار للفقيه الحاكم على غيره ممن يختلف معه في الآراء و الأفكار وتحولت إلى خط سياسي وابتعدت عن الروح التي تحكم المنهج العلمي المعتمد في دراسة المسائل الفقهية ونتائجها والتي لا يعتبر في صحتها وبطلانها سوى موافقتها لقواعد الاستنباط المعروفة عند أهل الإختصاص ولذلك ترى بأن كثيراً من المؤيدين للنظام الحالي القائم على ولاية الفقيه هم لا يؤمنون اجتهاداً أو تقليداً بولاية الفقيه العامّة ولكنّهم في خطٍّ سياسيّ واحد مع النظام يشدّهم إلى ذلك العصب المذهبي وارتباط المصالح السياسية والاقتصادية والأوضاع المعيشية.

 

نظرية خاصّة

 

وفي كل الأحوال فإنّ ولاية الفقيه السياسية لا تخرج عن كونها صيغة خاصّة بالمجتمعات غير المختلطة بالأديان والمذاهب وهي مجتمعات نادرة الوجود مع أن النظرية نفسها على الرغم من كونها خاصة لا تصلح للتّعميم وليست جامعة لرضى العموم وقبولهم خصوصاً عند الاختلاط الدّيني والمذهبي هي محلٌّ للجدل الواسع عند الخاصّة من أهلها  في الأوساط العلميّة ولرفض المشهور لها مع أنهم في طليعة أهل الاختصاص المؤسّسين وفيهم أرباب علم الفقه والأصول وأركان الطائفة ورؤساء المذهب.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الروايات والاحاديث التي استندوا اليها  لم تكن ناظرة إلى الولاية السياسية ولا إلى فكرة انحصارها بالفقهاء وإنما كانت بصدد بيان موقع العلماء في تبليغ الأحكام الشرعية والتوجيه والارشاد كما قال الشيخ الانصاري رحمه الله بعد استعراضه للروايات التي استدلوا بها على ثبوت الولاية العامة للفقهاء كقوله عليه السلام: (هم حجتي عليكم وأنا حجة الله ) وقوله (مجاري الامور بيد العلماء بالله والامناء على حلاله وحرامه) وقوله (أولى الناس بالانبياء أعلمهم بما جاؤا به ) وغير ذلك من الروايات القريبة من هذا المعنى. وقد قال بعد ذلك:

(والانصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها وذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية لا كونهم كالنبي والائمة صلوات الله عليهم في كونهم أولى بالناس في اموالهم )إنتهى كلامه رفع مقامه.

 

حدود الولاية

 

وفي مختلف الحالات وعلى جميع التقديرات فإن ولاية الفقيه ليست ولاية  عابرة للحدود والشعوب والمجتمعات التي لا علاقة للفقيه الحاكم بها، لأنه لو جاز لهذا الفقيه أن يتدخل في قوانين وأنظمة المجتمعات الأخرى لجاز لفقيه آخر من تلك المجتمعات وصل إلى السلطة فيها أن يتدخل في سلطة هذا الفقيه، وحينئذٍ يقع الهرج والمرج ويحصل الخلل في نظام العلاقات، وهو أمر مرفوض من الناحية الشرعية والعقلائية ويفهم ذلك أيضاً من خلال نظام المعاهدات التي تقوم بين الدول والشّعوب الّتي أقرّتها الشريعة وألزمت بالوفاء بها كما جاء في الآيات الكريمة الآمرة بالوفاء بالعقود و العهود.

 ولعله لذلك يقال بأن حدود ولايته كحاكم سياسي ترتبط بالمواقع والأمكنة التي يكون فيها الفقيه مبسوط اليد كما يحصل ذلك عند اختياره حاكما ووصوله الى السلطة السياسية في مجتمع من المجتمعات حيث يكون حينئذٍ قادراً على إعمال ولايته بتطبيق الأحكام الشرعية وتنفيذها وليس له من ولاية على تشريع ما يتنافى معها أو ما يؤدي إلى تعطيلها وإلغائها كما عرفت سابقاً وليس له حينئذٍ من خصوصية توجب طاعته وامتيازه عن سائر الحكام السياسيين سوى طاعة النّظام العام وأحكامه التي يتساوى فيها هو مع غيره من الحكام الآخرين كما يتساوى في ذلك أيضاً مع المحكومين الذين يحكمهم.

ومن خلال ما تقدم يمكن القول بأن الفقيه لا يجب أن يكون هو الخيار السياسي الوحيد في المجتمع والأمة لعدم اشتراط الفقاهة في القيادة السياسية كما ظهر ذلك من سيرة الأنبياء والأوصياء ومن الروايات التي تحدّثت عن المواصفات في القيادة السياسية.

 

الأصل عدم ولاية أحد على أحد

 

 وما أشرنا إليه هو المؤدّى للقاعدة التي استند إليها الفقهاء في نفي الولاية العامّة وللأصل الأوّلي الّذي يقتضي عدم ولاية أحد على أحد وهذا ما ينتج عنه ولاية الأمّة على نفسها في اختيار القيادة السياسية التي تصلح شؤونها وتدبّر أمورها وهو موافق لما قد يظهر من قول الامام علي عليه السلام للناس الذين أقبلوا عليه يريدون منه تولي الأمور بعد مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه : ( دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الآفاق قد أغامت والمحجّة قد تنكّرت. واعلموا أني:

 إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغِ إلى قول القائل وعتب العاتب.

و إن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلِّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم وأنا لكم وزيراً خيرٌ لكم منّي أميراً).

وما ذكرناه من ولاية الأّمة على نفسها في الشأن السياسي يستفاد من كلمات المحقق النائيني الذي كان في طليعة الأعلام والمجتهدين والمراجع في النجف الأشرف وقد ذكر ذلك في كتابه الموسوم بـ ( تنبيه الأمة وتنزيه الملّة ) والّذي كتبه في بدايات القرن الماضي ليكون منهاج الحركة الاصلاحية التي قادها ضدّ الملكية الاستبداديّة في إيران مطالباً بتحويلها إلى ملكيّة دستوريّة تخضع للقوانين وتحدّ من صلاحيات الملِك المطلقة. وقد وقع النّزاع المعروف وحصل الانقسام بين العلماء إلى مؤيدين لنهج الاصلاح الذي أطلق عليه إسم المشروطة وإلى مؤيدين لبقاء الملكية استبداديةً وأطلق عليه إسم المستبدّة.

هذا ما تيسّر لنا توضيحه في هذه المحاضرة

وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

__________________________________

* محاضرة للعلامة المجتهد السيد علي الأمين بدعوة من الجامعة الشعبية- مدينة زحلة – 5 أيلول 2007