سماحة
آية الله السيد علي الأمين
كَيفَ نفهَمُ
الثَّورةَ الحُسَينِيَّة
![]()
1985ميلاديّة-
مسجد الإمام الحسن - بيروت - الرّويس
دور الإمام الحسين (ع)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والصديقين وعباده الصالحين وحسن
أولئك رفيقا.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا
عبد الله الحسين، السلام عليك يا سيد شباب أهل الجنة، السلام عليك وعلى المستشهدين
بين يديك. سيدي لقد عظمت الرزية وجلّت المصيبة بك علينا وعلى جميع أهل السموات
والأرض فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون .
وتعود إلينا عاشوراء في كل عام مدرسة
مليئة بالدروس والعبر ونحاول أن ندخل صفوف هذه المدرسة التاريخية، من خلال حضور
مجالس عاشوراء التي تتلى فيها سيرة الإمام الحسين عليه السلام، فنسمع في تلك
المجالس بعضاً من الروايات التي لا تتناسب مع عظمة الثورة المركوزة في أذهاننا،
وتتلى على أسماعنا دروس تغيب فيها منهجية الحركة وتضيع أهدافها وتنعدم الروابط بين
فصولها.
وقد أدّى
التركيز على عنصر المأساة التي وقعت في كربلاء، إلى اختزال تعاليم هذه المدرسة
العظيمة بعنصر المصيبة الفجيعة التي حلّت بالحسين وأهل بيته وأصحابه وغابت
عن أنظارنا الأهداف التي سعى الإمام
الحسين(ع)
لتحقيقها حتى خيّل للكثير من الناس والباحثين، أن النتائج التي حصلت في كربلاء هي
الأهداف التي سعى الإمام الحسين لتحقيقها من أول الأمر مع أن الإختلاف بين النتائج
والأهداف يجب أن يكون من الواضحات. فإن النتائج قد صنعها نظام الطاغية يزيد لتعطيل
حركة الإمام الحسين باتجاه الأهداف والمطلوب منا أن نجعل من أهداف الإمام الحسين
أهدافاً لنا، لأنها من أفعاله وأقواله ومواقفه التي تشكل مصدر الإلهام لنا
والتوجيه فيما يصدر عنا من أقوال وأفعال وفيما نتخذه من مواقف في مواجهة الظلم
والظالمين. وأما النتائج فليست هي من أفعال الإمام المعصوم، بل هي من أفعال النظام
الجائر التي تقع قراءتها في دائرة الإعتبار والإتعاظ.
وندرس النتائج وأسبابها لنتجنّب تعطيل حركة
الأهداف في حياتنا وهذا هو الهدف من دراسة الأحداث التاريخية بأسبابها ونتائجها.
وليس الهدف من قراءة التاريخ تكرار النتائج التي حصلت فيه خصوصاً إذا كانت من صنع
الظالمين.
وقد أشار إلى هذا المعنى من دراسة التاريخ
الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة عندما قال لولده الحسن(ع) :
( أي
بني، إني وإن لم أكن قد عُمّرت عمر من كان قبلي ولكني نظرت في أفعالهم وسرت في
آثارهم حتى عدت كأحدهم بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم، عشت مع أولهم إلى آخرهم.
فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره فاستخلصت لك من كل شيء نخيله وتوخّيت لك
جميله...)
وعلى هذا الأساس يجب أن نمضي في دراسة حركة
الإمام الحسين عليه السلام فنأخذ بالأهداف ونستفيد من وسائل الإعداد والإستعداد
لتحقيقها ونبتعد عن النتائج التي ارتبطت بخذلان الناس وإجرام الطاغية يزيد ونظامه
.
والمطلوب منا أن نقرأ سيرة الإمام
الحسين (ع) قراءة هادئة وبعيدة عن الأجواء التي تواكب تلاوتها في أيام عاشوراء
لنتعرّف على حركة الإمام الحسين بأهدافها السامية ومبادئها الثابتة ونفوس أصحابها
الأبية ومبرّراتها الموضوعية و وسائل الإعداد لها. فإن حركة الإمام الحسين هي في
طليعة الحركات الهادفة في التاريخ. وكل حركة يقوم بها العقلاء والمصلحون لا بد لها
من أمور ثلاثة :
الأول : الأهداف من الحركة
.
الثاني : وسائل تحقيق
الهدف وأدواته.
الثالث : مبررات الثورة
وأسبابها.
وأمّا النتائج التي تحصل بعد ذلك
خلافاً لرغبة المصلحين والثائرين فهي ليست جزءاً من تطلعاتهم وأهدافهم.
وإذا أردنا أن نعرف المزيد عن الدور
الذي قام به الإمام الحسين (ع)، علينا أن نرجع إلى الإمام الصادق عليه السلام الذي
أطلق على الإمام الحسين (ع) عنوان وارث الأنبياء عندما خاطبه في مراسيم زيارة
كربلاء:
( السلام عليك يا وارث آدم صفوة
الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله،
السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، ويا وارث عيسى روح الله ، السلام عليك يا
وارث محمّد المصطفى وعلي المرتضى ...).
و هذا يدعونا إلى التساؤل عما ورثه الإمام
الحسين من الأنبياء . .
والذي يظهر
لنا أن الإمام الحسين عليه السلام خرج على نظام الظلم في عصره وقام بحركته بوصفه
إماماً يجسد الأصل الرابع من أصول الدين وهو الإمامة التي تشكل إمتداداً للأصل
الثالث الذي هو النبوة. وبما أن الإمامة تشكل في منظومة العقائد الدينية الإمتداد
للنبوّة، كانت الإمامة بهذا الإعتبار وارثةً للنبوة وكان الإمام الحسين وارثاً
للأنبياء ولا فرق بينهما إلا بالوحي فالنبي يوحى إليه والإمام لا يوحى إليه. وهذا
التّرابط بين الإمامة والنبوة يستدعي معرفة النبوة دوراً وهدفاً لنتعرّف على دور
الإمامة وعلى الحركة الوارثة التي قام بها الإمام الحسين عليه السلام .
دور الأنبياء
والذي يظهر من خلال القرآن الكريم أن
النّبوّة ليست مجرد تعداد للأنبياء، بل كانت حركة إلهية هادفة إلى إحقاق الحق
واستئصال جذور الفساد من المجتمع الذي تلوّثت فطرته السليمة بأوحال الأرض من
الأطماع والإستئثار والإستغلال والتسلّط، فتصدّعت وحدته التي كانت قائمة على أساس
الفطرة السليمة وغابت العدالة الإجتماعية عنه بعد ظهور التفاوت الطبقي الفاحش بين
أفراده وأصبح هذا المجتمع منقسماً على نفسه بين ظالم ومظلوم، وبين غنيّ حارم بدَّل
نعمة الله كفراً وبين فقير محروم فكان لا بد من ثورة لتغيير هذا الواقع الفاسد
وتبديله فكانت النبوة كحركة يجسّدها الأنبياء، هي الحركة الهادفة إلى التّغيير
وإعادة الأمور إلى نصابها من الوحدة والعدالة وهذا ما تشير إليه بعض الآيات
القرآنية منها قوله تعالى في سورة البقرة:
( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين
ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس بالحق فيما اختلفوا فيه).
فالهدف إزالة الإختلاف وهذا يعني الوحدة والحكم
بالحق وهذا يعني بسط العدالة. وباختصار نقول إن هدف النبوة تحقيق وتجسيد التوحيد
الإلهي والعدل الإلهي على الأرض.
وتجسيد التوحيد الإلهي يكون بجعله
قاسماً مشتركاً يجمع بين مختلف أفراد المجتمع البشري وطبقاته كما قال بعض
المصلحين
( كلمة التوحيد في توحيد الكلمة ).
وتجسيد العدل الإلهي يكون بتحقيق العدالة وبسطها
لتشمل كل الأفراد بدون تفاوت بين غني وفقير وأبيض وأسود وحاكم ومحكوم. وهذا ممّا
تعنيه شمولية الحكم بالحق الذي تحدثت عنه الآية الكريمة التي نستنتج منها أيضاً،
أن حركة الأنبياء كانت هادفةً لإقامة المجتمع الواحد الذي تسوده العدالة على الأرض
وهذا هو المشروع السياسي الذي حملوه وبشّروا به، وليس هدفهم إقامة هذا المشروع في
الآخرة. فإن تحقيق العدالة في الآخرة، هو من خصائص الله سبحانه وتعالى. فهو الذي
يقيم هناك دعائم الحق والعدالة لمجتمع واحد وهو مجتمع الصالحين في الجنة .
خصائص مشروع الأنبياء
وعندما نتأمّل مشروع الأنبياء هذا،
نجد أنه لم يكن بدون إعداد واستعداد. فالمتتبع لحركات الأنبياء عبر التاريخ، يحصل
على خصائص ومميزات لهذا المشروع - الهدف و يتمثل بتحقيق الوحدة وبسط العدالة إنطلاقاً من إرادة الشعب واختياره، لأن مشروع
الأنبياء هو قضية الأمة في الوحدة والعدالة. وهذا لا بد من أن يكون منبثقاً عن إرادة
الأمة واختيارها كما قال الله تعالى:
( لا إكراه في الدين ) (أفنُلْزِمُكُمُوها وأنتم لها كارهون).
هذه هي الخصائص الأساسية لمشروع الأنبياء يضاف
إليها الإعداد كما قال الله تعالى:
( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل
ترهبون به عدوّ الله و عدوّكم ).
وهذا يعني أن حركة الأنبياء كانت تخطط للغلبة
والإنتصار لمشروعها في الحياة الدنيا وليس لتحقيق المشروع في الآخرة .
وقد حقّق النبي محمد صلى الله عليه
وآله هذا المشروع بعد سنين طويلة من الدعوة إلى الله في مكة وبعد الإعداد
والإستعداد. فوحّد المجتمع الذي كان ممزقاً بالإختلافات القبلية والعشائرية
وأصبحوا إخواناً في دين الله كما قال الله تعالى :
(واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف
بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا).
وحقق العدالة لمختلف الأفراد،
فأصبحوا أمام التشريعات سواسية كأسنان المشط وقد انبثق كل ذلك من قناعة الأمة
وإرادتها.
وكفاح النبي من أجل تحقيق الهدف الذي
هو قضية الإنسان في حياة كريمة، هو العشق الحقيقي لله سبحانه وتعالى والعيش مع
الناس في قضاياهم المصيرية هو عيش مع الله ولقاء معه فإن
(
الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ).
وليس الهدف أن يذهب إلى جوار ربّه
ويترك الأمة تعاني من ظلم الظالمين وجور الحاكمين وقد كان بإمكان النبي أن يرفض
الحصار المفروض عليه في شعب أبي طالب ويقاتل ويستشهد ويذهب إلى جوار ربّه وهو من
أكثر خلق الله عشقاً لله ولجواره وهذا يدفعنا للقول بأن مشروع الأنبياء لم يكن
الإستشهاد ولقاء الله في الآخرة بل مشروعهم كان قضية الإنسان في حياة كريمة تتحقق
فيها العدالة والوحدة من خلال القناعة بالمشروع والإرادة والإختيار.
هذا هو مشروع الأنبياء باختصار وهذه
هي النبوة دوراً وموقفاً وهدفاً ويتلخص المشروع بإقامة حكم الله في الأرض بالخصائص
والميّزات التي تحدثنا عنها يجمعها عنوان الإصلاح كما في قوله تعالى:
( يا أيها الرسل كلوا من طيبات ما رزقناكم
واعملوا صالحاً).
وهذا ما ورثه الحسين عليه السلام في موقع
الإمامة التي تتّحد مع النبوة في الأدوار والأهداف.
مشروع الإمام الحسين(ع)
وعلى هذه الأسس التي ذكرناها يكون
مشروع الإمام الحسين هو نفس مشروع الأنبياء وهو إقامة حكم الله في الأرض وأركانه
الأساسية الوحدة والعدالة والإرادة المنبثـقة عن القناعة والإختيار.
وقد كانت المرحلة التي ثار فيها
الإمام الحسين مشابهة في ظروفها لحركة الأنبياء. فالأمة التي صنع منها النبي أمة
واحدة، مزّقها النظام الأموي وحوّلها إلى شيع وأحزاب.فهذا شامي وذاك حجازي وذاك
يمني وذاك قيسي وذاك مضري وهكذا عادت روح القبلية والعشائرية إلى المجتمع، فتصدعت
وحدته وساد الظلم الإجتماعي فلا عدالة ولا مساواة بين الحاكم والمحكوم.
فتعطيل الحدود وتحويل الخلافة الراشدة إلى ملكية
استبدادية بالوراثة وهتك الحرمات وقتل النّفس المحترمة، كانت من السمات الواضحة
لتلك المرحلة في ظل الحكم الأموي.
وإذا أردنا أن نعرف المبرّرات والأهداف لحركة
الإمام الحسين عليه السلام فعلينا بمراجعة النصوص والبيانات التي صدرت عن قيادة
الثورة فهي التي تعطينا المعلومات الصحيحة عن الحركة وأهدافها.
أهداف الثورة ومبرراتها
وفي أول بيان صدر عن القيادة أعلن
فيه الإمام الحسين(ع) عن أهداف حركته بقوله:
( إنّي
لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة
جدّي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق
ومن ردّ عليّ أصبر حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين).
وقد أفصح الإمام الحسين(ع) في هذا البيان عن
أهداف ثورته وهي الإصلاح في أمّة جدّه وهو نفس العنوان الذي رفعه الأنبياء كما
تقدّم وهو يشمل الإصلاح في مختلف الميادين ويعني باختصار إقامة حكم الله في الأرض
بأركانه سالفة الذكر من الوحدة والعدالة وانبثاق التأييد للمشروع عن الإرادة
والإختيار ولذلك قال الإمام الحسين:
( فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن
ردّ علي أصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين).
وهذا تعبير عن ركن من أركان حركة
الأنبياء التي قامت على أساس قوله تعالى:
(لا
إكراه في الدين) وقوله تعالى
(أفنلزمكموها
وأنتم لها كارهون).
لأنّ مشروع الإمام الحسين الوارث، هو مشروع
لمصلحة الأمة فكيف يصادر حريتها ويلغي إرادتها ويفرض عليها مشروعه بالقوة.
وفي البيان الآخر الصادر عن القيادة
والتي يعلن فيها الإمام الحسين عن مبرّرات الثورة، ما يزيد في وضوح الصورة وكون
حركة الإمام الحسين حركة هادفة إلى تحقيق أهدافها في الحياة الدنيا وليس في الآخرة
ولا في صحراء كربلاء وكيف يكون الإستشهاد هدفاً للإمام الحسين (ع) ويكون هدفه في
نفس الوقت التّغيير والإصلاح وإقامة حكم الله في الأرض وقد قال الإمام الحسين:
( ألا ترون إلى الحق لا يعمل به
وإلى الباطل لا يُتناهى عنه وإنّ هؤلاء قد تركوا طاعة الرّحمن ولزموا طاعة الشيطان
وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأنا أحق من غيّر).
فالثورة هذه أسبابها وهي حركة تغيير
تستهدف إزالة أسباب الإنحراف والفساد بالسعي لإقامة حكم الله في الأرض.
وأيّ إشكال أو نقيصة في القول بأن الحسين (ع)
خرج لإقامة حكم الله في الأرض وكلّ الأجواء التي واكبت حركته تشير إلى هذا المعنى.
فإنّ إرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة كان لهذا المعنى ولم يرسله إمام جماعة أو قارئ
عزاء وقد بايعه الناس ومظاهر السلاح كانت واضحة للعيان والكتب بألوفها المؤلّفة
التي وصلت إلى الإمام الحسين عليه السلام كلها كانت تدعوه لقيادتها إماماً ومحرراً
ومنقذاً ومستكملاً درب أبيه أمير المؤمنين في تحقيق العدالة وضرب حركة الإنحراف
والإنفصال التي مزّقت الأمة وقوّضت أحكام الدِّين وقد أعلن الإمام الحسين عن هذا
الهدف بوضوح عندما التـقى الحر الرياحي بقوله :
( لقد أتتني كتبكم وقدمت علَيّ
رسلكم ونحن أولى بكم من هؤلاء الذين يعملون فيكم بالإثم والعدوان فإن أتممتم
بيعتكم أصبتم رشدكم).
فالهدف إذن هو البيعة وهي مشروع سياسي هادف إلى
إقامة حكم الله في الأرض. وقد استوحش البعض من القول بأن خروج الإمام الحسين كان
لطلب الحكم لأنه فهم السلطة بمعناها المعاصر الذي يعني الإستبداد والإستئثار
والتسلط وجعل الحكم مزرعة للأقارب. ولكن الحكم عند الإمام الحسين هو لإحقاق الحق
وإبطال الباطل كما هو عند أبيه علي عليه السلام الذي قال:
( اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن
الذي كان منّا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم
من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك وتقام المُعطّلة من حدودك ويأمن المظلومون من
عبادك).
وإذ اتضح هدف الإمام الحسين من
الخروج، وهو إقامة حكم الله في الأرض، فلا بد وأن يسعى لتحقيق هذا الهدف الكبير
بالوسائل التي تنسجم مع حجم هذا الهدف.
فليس المهم أن تطرح شعاراً وهدفاً لخروجك على
النظام من دون إعداد واستعداد لتحقيق الهدف فإن ذلك يعتبر نقضاً للغرض وسيراً
بالإتجاه المعاكس للهدف وهذا ما لا يصنعه العقلاء فضلاً عن الأنبياء والأوصياء
الذين هم سادة العقلاء وقادتهم.
والإمام الحسين الذي تخرّج من أفضل
مدرسة حربيّة في عصره، وهي مدرسة أبيه الإمام علي (ع)، يعلم بأن مجموعة من النساء والأطفال
ومجموعة من الرجال لم يتجاوز عددها المائة لا يمكن أن تحقق هذا الهدف الكبير الذي
أعلن عنه في بداية الخروج .
والذي يبدو لنا أن الوسائل التي
أعتمد عليها الإمام الحسين عليه السلام لتحقيق الهدف، تمثّلت في القاعدة الشعبية
الكبيرة التي راسلت الإمام الحسين من الكوفة. وقد بلغت الكتب التي وصلت إلى الإمام
الحسين إثني عشر ألف كتاب وكان الكتاب يأتي من الواحد ومن الإثنين ومن الثلاثة ومن
العشرة. ومعلوم أن مبايعة الواحد كانت تعني مبايعة عشيرته وجماعته وقد بلغ تعداد
العشيرة في بعض الأحيان المئات وقد تصل إلى الألوف أحياناً أخرى. وقد بلغت هذه
القاعدة الشعبية درجة عالية من القوة تمكّنت بسببها من عزل الكوفة عن النظام
المركزي في الشام وجعلت منها أرضاً محرّرةً آمن أهلها بالثورة مشروعاً وهدفاً
وقيادةً. وفي مضمون بعض الكتب التي وصلت إلى الإمام الحسين ما يشير إلى هذه الحقيقة
حيث جاء فيها :
( وإن النعمان بن البشير -والي
الكوفة من قبل النظام المركزي -لا نخرج معه إلى جمعة و لا إلى عيد وإن شئت ألحقناه
بالشام ).
و يؤكد
هذا المعنى إرسال مسلم بن عقيل إلى الكوفة من
قبل الإمام الحسين ومبايعة الألوف الكثيرة لمسلم بن عقيل وقد حصل كل ذلك والوالي
قابع في قصر الإمارة لا يحرّك ساكناً .
ومن الشّواهد
على سيطرة المعارضة على الشارع الكوفي دخول عبيد الله بن زياد الوالي الجديد
متخفياً ومستخدماً إسم الإمام الحسين عليه السلام في دخوله إلى الكوفة.
وهذه القوّة وهذا العدد الغفير من الأنصار
والمؤيّدين ليس وليد يوم أو شهر، بل يكشف لنا هذا العدد عن تواصل كان موجوداً بين
القيادة وقواعد الكوفة لم ينقطع منذ استشهاد أميرالمؤمنين عليه السلام سنة أربعين
للهجرة، وهذا التّواصل هو الذي أوجد هذه القاعدة الكبيرة. وهذا يكشف عن أنّ
الإعداد للثورة كان من زمن بعيد. فظهور هذا التأييد الكبير لخروج الإمام الحسين
سنة ستّين للهجرة لم يحصل فجأة في تلك السنة، بل كان ثمرة سنين عديدة من الإعداد
كما يحصل عادة في كل الثورات التي تظهر دفعة واحدة في مرحلة معينة ولكنّها بحسب
تحليل الحركات الإجتماعية ليست إلا مرحلة سبقتها مراحل عديدة من الإعداد .
هذه هي الدوافع والأسباب الحقيقية
والموضوعية لخروج الإمام الحسين عليه السلام وليس السبب كما نسمعه من بعض قرّاء
المجالس الحسينية أن الحسين مرّ على قبر جدّه رسول الله(ص) وأخذته غفوة فرأى رسول
الله في المنام وقال له عجّل بالقدوم إلينا يا حسين؛ فكيف يمكن أن نقبل انبثاق
أعظم ثورة من رؤية في المنام وهي لاتزال مدرسة للأجيال يتخرّج منها الأحرار
والمجاهدون.
ويؤكد هذا المعنى الذي ذكرناه عن
أسباب التحرّك والثورة ما أعلنه الإمام الحسين عليه السلام في اليوم العاشر من أن
انطلاقته كانت استجابة لنداء القاعدة الشعبية التي ضاقت ذرعاً من ظلم النظام وجوره
وممّا جاء في خطبته يوم العاشر :
(
تـبّـاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً. أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم وحششتم علينا
ناراً أوقدناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم إلباً على أوليائكم ويداً
عليهم لأعدائكم، بغير عدلٍ أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم إلاّ الحرام من
الدّنيا أنالوكم، وخسيس عيشٍ طمعتم فيه، من غير حدثٍ كان منّا ولا رأي تفيّل لنا.
فهلاّ - لكم الويلات - إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهتموها والسيف مشيم والجأش طامن
والرأي لمّا يستحصف).
فإنّ هذا الكلام واضح الدّلالة على
أن الثورة والنار التي أوقدها الإمام الحسين عليه السلام على النظام، كانت استجابة
لقضيّة النّاس ونداءاتهم. فهي حركة لها مبرّراتها الواقعية والميدانية ولم تنبثق
عن رؤيا في المنام رآها الإمام الحسين عليه السلام.
وعلى كلّ حال فقد استمر الإمام
الحسين في الإعداد لثورته حتى بعد الإعلان عنها. فهو لم يذهب إلى العراق مباشرة من
المدينة، بل ذهب إلى الوراء، إلى مكة، واستقر فيها شهوراً يدعو إلى الثورة ويجمع
الأنصار وانتظر موسم الحج لمزيد من التعبئة لصالح ثورته، لأن الحج يشكّل الملتقى
للأعداد الكبيرة من المسلمين من مختلف الأمصار. وبعد أن وصل إلى أسماع النظام
الدّور الذي يقوم به الإمام الحسين في مكة، أرسل مجموعة من العيون لقتل الإمام الحسين
في مكة ولو كان معلّقاً بأستار الكعبة. وقد خرج من مكة في الثامن من شهر ذي الحجة
سنة ستين للهجرة بعد أن كان وصل إليها في أوائل شهر شعبان من السنة ذاتها وبدّل حج
التمتع إلى عمرة مفردة وتحلّل من إحرامه وتوجّه إلى العراق، إلى مقصده الأساسي حيث
توجد القاعدة الشعبية الرئيسية لثورته. وقد أعلن أن أسباب خروجه من مكة بالكيفية
السابقة، خشيته من القتل في الحرم فتهتك بذلك حرمة البيت العتيق الذي جعله الله
مثابة للناس وأمناً ولم يعلّل خروجه من مكة بأنّ قدره أن يذهب للإستشهاد في
كربلاء. وكان أثناء توجهه إلى العراق يتسقّط الأخبار عن أوضاع الناس والنّظام هناك
فيسأل من يراهم في الطريق عمّا آل إليه الأمر هناك بعد إرسال مسلم بن عقيل.
واستمرّ في مسيره داعياً إلى الثورة على النظام فكان كلما مرّ ببيت أو جماعة من
العرب، دعاهم للإلتحاق به ونصرته ومساعدته في القضية التي خرج من أجلها وهي قضية
الإصلاح في الأمة بإقامة حكم الله في الأرض.
وكل الدلائل والوقائع تشير إلى أن
قضية استشهاد الإمام الحسين في كربلاء لم تكن هي الهدف ولم تكن قضية حتمية ثابتة
في أذهان المسلمين. وهناك عدة قرائن تسوقنا إلى هذا الإستنتاج منها:
1-
خلوّ
الذهنية العامة لدى الأمة
عن حتمية الإستشهاد في كربلاء. ويدلّنا على ذلك تلك الألوف المؤلفة من الكتب التي
وصلت إلى الإمام الحسين وفيها دعوته للقدوم إليهم إماماً وقائداً ومخلّصاً لهم من
الظلم والمعاناة وليس في هذه الكتب ما يدعوه للقدوم مشروع شهيد في كربلاء. ومن
البعيد جداً أن تكون قد خفيت عليهم أخبار استشهاد الحسين في كربلاء لوكانت صادرة،
وفيهم نخبة من أصحاب رسول الله(ص) ومن أصحاب علي عليه السلام. والإستقبال الحاشد
الذي أقاموه لسفير الحسين، مسلم بن عقيل، شاهد آخر على عدم وجود هذه الأحاديث في
أذهانهم.
2-
2 -
نعي الثورة قبل ولادتها :
ولو كانت الأخبار التي تتحدث عن استشهاد الإمام
الحسين في كربلاء منتشرة ومعروفة كما يقول بعض الذين كتبوا في ثورة الإمام الحسين،
لكانت من أهم الأمور التي يسعى النظام للإستفادة منها عبر المساهمة بنشرها بشكل
واسع لأنها تساهم في القضاء على حركة الإمام الحسين وتمنع من انضمام الناس إليه
لأنها أخبار تنعى الثورة قبل ولادتها وتشكل أهم عوامل الإحباط التي يسعى النظام
بحسب العادة لإيجادها لإفشال أي تحرك ضدّه وهذا ما لم يحصل من النظام جزماً بل حشد
الألوف الكثيرة للقضاء على حركة الإمام الحسين عليه السلام. فلو كان استشهاد
الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء أمراً معروفاً وقضاءً مقضياً، لم يكن النظام
بحاجة إلى كل هذه الجموع والحشود العسكرية.
وكما قال الإمام علي عليه السلام للرجل الشامي عندما سأله عن قضية المسير إلى صفين
بقوله:
( أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدر ؟ )
فقال له الإمام عليه السلام:
( ويحك! لعلك ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حاتماً
! ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد .إن الله سبحانه أمر
عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً وكلّف يسيراً ولم يكلّف عسيراً وأعطى على القليل
كثيراً ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً ولم يرسل الأنبياء لعباً ولم ينزل الكتاب
للعباد عبثاً ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ( ذلك ظنُّ الذين كفروا
فويل للذين كفروا من النار )) .
والحاصل أن
الشواهد العديدة تثبت عدم وجود هذه الأخبار في أذهان الناس آنذاك سواء أكانوا من
الموالاة أو من المعارضة وقد كان التعاطي مع ثورة الإمام الحسين عليه السلام من
خلال حركة الواقع ومتطلّبات الأحداث والمتتبّع لفصول الحركة الحسينية يخرج بالمزيد
من الشواهد على عدم وجود هذه الرّوايات في أذهان الناس في ذلك الوقت.
·
منها تخوّف مسلم بن عقيل بعد الأسر من قدوم الإمام
الحسين عليه السلام إلى الكوفة.
·
ومنها المفاوضات
التي حصلت بين الإمام الحسين عليه السلام وبين عمر بن سعد قبل اليوم العاشر من
المحرم.
·
ومنها احتجاجات
الإمام الحسين عليه السلام يوم العاشر من المحرم أيضاً و عدم نقل التاريخ لنا عن
احتجاج أحد من معسكر الأعداء بأن هذه الإحتجاجات لن تنفع شيأً لأنك قادم للإستشهاد
في كربلاء.
·
ومنها قول الإمام
زين العابدين لأبيه أثناء الطريق ( إذن لا نبالي أوقع الموت علينا أم وقعنا على
الموت ) عندما روى له الإمام الحسين عليه السلام طيفاً رآه في الطريق كأن هاتفاً
يقول : ( القوم يسيرون والمنايا تسير خلفهم ) وقول ابن الأشعث لمسلم بن عقيل عندما
رآه يبكي في الأسر ( إن الذي يطلب مثل الذي تطلب لا يبكي إذا نزل به ما نزل) فقال
له مسلم :( لا أبكي لنفسي ولكن أبكي لحسين وآل حسين القادمين).
فإن هذا
الحوار يدل بوضوح على أن الثابت في أذهان السلطة ومسلم، أن السعي هو ثورة لإقامة
حكم الله في الأرض وتدلُّ على عدم معرفة مسلم بالنتائج قبل حصولها. ومثل مسلم لا
تخفى عليه هذه الأخبار لو كانت موجودة.
والأمر كذلك في قول زينب عليها السلام في بعض
المناسبات للإمام الحسين بعد كلام له (كأنك تنعي إلينا نفسك).
فهذه الكلمات وأمثالها كقول الإمام الحسين عليه
السلام ( لقد خذلنا شيعتنا) لا تدلّ على العلم المسبق بالمصير.
ثبات على المبدأ
وفي ضوء تلك
القرائن والأجواء التي كانت سائدة في الكوفة وخارجها، نعرف أن الإمام الحسين عليه
السلام لم يقع إختياره على أرض كربلاءكموقع عسكري أو كساحة حرب لكن النظام هو الذي
حاصر الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء
ومنعه من الدخول إلى الكوفة للتواصل مع قاعدته وخُيّرالإمام الحسين عليه السلام
بين
أمرين
:
بين النّزول على طاعة اللئام المتمثلين بالنظام
وبين مصارع الكرام.
لقد طلب النظام من الإمام الحسين
عليه السلام أن يتنازل عن شعاراته وأن يعلن عن شرعية النظام ويمضي بذلك كل
إنحرافات النّظام عن الدّين وكل أعماله الظالمة التي أفسدت البلاد وضيّقت على
العباد تنكيلاً وقتلاً للنفس المحترمة وإستئثاراً بالخيرات وتعطيلاً للحدود، وبين
أن يقتل مع أصحابه وأهل بيته في كربلاء.
وهنا يعطي الإمام الحسين عليه السلام
أبلغ الدروس ويضرب أروع الأمثلة في التضحية والفداء والثّبات على الشعارات ورفض
إعطاء الشرعية لنظام الجور والعدوان.
فإذا كانت مبايعة النظام باطلة فلا
فرق عند الإمام الحسين عليه السلام في الرفض
بين حالات القوة والضّعف لأن الشعارات المرفوعة تشكل مبادىء للشريعة في الحفاظ على
الأمة وصيانة دمائها وأموالها والمطالبة بحقوقها. وهذه الحقوق لا يصح التنازل عنها
والتفريط بها بإصدار فتوى بشرعية النظام الذي ينتهكها ولا يعير أدنى اهتمام لها
فإن ذلك يشكل مساعدة للنظام الظالم على ظلمه وقد عبر الإمام الحسين عليه السلام عن
صلابة الموقف والثّبات على الشعار بقوله :
( ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين إثنتين
بين السّلّة والذّلّة وهيهات منّا الذّلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون
وحجور طابت ونفوس أبية وأنوف حمية لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ).
لقد رفض الإمام الحسين عليه السلام
مبايعة النظام وهو في المدينة عندما كان حرّاً، وها هو يرفضها مجدّداً عندما
أحكم النظام عليه الحصار في كربلاء لأن
شعارات الإمام الحسين ليست آلهة من التمر يأكلها عندما يجوع أو مجرّد دعاية يتخلّى
عنها في زمن الضعف. إنها مبادئ الدّين الحق، إنها من قول الله تعالى
(
لا أعبد ما تعبدون لكم دينكم ولي دين).
وفي ضوء
التحليل المتقدّم، أصبح بإمكاننا أن نفهم بعض الأقوال المنقولة عن الإمام الحسين
عليه السلام مثل قوله ( شاء الله أن يراني قتيلاً وشاء الله أن يراهُنّ سبايا ) أو
مثل قوله (لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما ) وغير ذلك ممّا
لا يمكن الأخذ بظاهره لأن فيه تبرئة للنظام من أفظع جريمة ترتكب بحق المقدّسات
الدينية ولأنها بظاهرها تنسجم مع مذهب الجبر وهو مذهب يكذّبه الوجدان وباطل عند
الإمامية بالإجماع. ولذلك نقول إنّ المشيئة الإلهية لم تقتل الإمام الحسين
والمشيئة الإلهية لم تسب النساء وتقتل الأطفال والشيوخ. إن الذي فعل كلّ ذلك
الإجرام هي إرادة الشر التي تمثّلت بنظام الطاغية يزيد ولا علاقة للمشيئة الإلهية
بذلك سواء أكانت مشيئة تشريعية أو مشيئة تكوينية.
وفي كل
الأحوال فإنّ ظاهر هذا الخبر لايقوى على مقاومة تلك القرائن الجليّة والواضحة التي
استعرضناها سابقاً فكيف ينعى الإمام الحسين ثورته بهذه الكلمات ثمّ يطلب النصرة من
الناس ويدعوهم للإلتحاق به ويذهب إلى مكة ويعقد فيها الجلسات والندوات شارحاً
أهدافه ومعلناً ثورته على النظام!. ولذلك لا بدّ من تأويل هذا الحديث. ومن وجوه
التأويل، التصرّف في المرحلة الزمنية للصدور كأن يقال بأن هذا الحديث على تقدير
صدوره قد صدر في المراحل الأخيرة من حركة الإمام الحسين بعد أن بلغه عودة الكوفة
إلى الحكم المركزي في الشام بعد مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وانتهاء المعارضة
فيها، فأدرك الإمام الحسين بحسب هذه المعطيات الجديدة أن النّظام لن يسمح له
بالدخول إلى الكوفة ولن يتركه لأن الإمام الحسين تمكّن من تحريك الشارع الكوفي وهو
بعيد عنه مئات الأميال فكيف إذا دخل الكوفة بشخصه فإن بإمكانه أن يقلب الموازين
ويبعث الحياة من جديد في نفوس المعارضة. وهذا ما يفسّر لنا محاصرة النظام للإمام
الحسين في كربلاء ومنعه من التوجّه إلى أيّ مكان آخر وأراد منه أن يعطي إعطاء
الذليل وإقرار العبيد فقال عليه السلام :
( والله
لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد فوالله لا أرى الموت إلا سعادة
والحياة مع الظالمين إلا برما).
فإذا كنتم من خلال الحصار تريدون المبايعة
الذليلة والإعتراف بشرعية النظام أو الموت إذا رفضنا الطاعة، فإن الموت بعزّ
حفاظاً على المبادئ خير من حياة بذل تضيع فيها المبادئ وتهدر فيها الحقوق وتهان
فيها الكرامات فليس من خيار سوى الدّفاع عن القضية حتّى الموت. ولذلك نقول إنّ
الإمام الحسين اختار الموت في سبيل القضية التي خرج من أجلها بعد تضييق النظام
عليه وانعدام الخيارات الأخرى ولم يكن الموت هو القضية التي خرج من أجلها. وفرق
كبير بين أن يكون الموت هو القضية، وبين أن يكون الموت في سبيل القضية عند عدم
وجود المندوحة بسبب ضيق الخيارات التي طرحها النظام على قيادة محاصرة لمعارضة تفكّكت وسقطت بأيديه.
المجيء بالنساء والأطفال
وبعد الذي
تقدّم، يمكننا أن نفهم أن النساء والأطفال الذين اصطحبهم الإمام الحسين معه، لم
يكونوا الأداة التي أعدّها لنصرة قضيّته لعدم التناسب بين حجم الهدف الكبير وبين
هذه الأداة التي وجدت في كربلاء. وقد عرفنا أن حجم الأداة التي وجدت في كربلاء
كانت بفعل النظام الذي أسقط المعارضة في الكوفة وحاصر القيادة مع هذه المجموعة
القليلة العدد والعدّة في كربلاء.
والذي يبدو لنا أنّ الإمام الحسين(ع)
أراد من المجيء بعياله، أن يتحرّر من ضغوط النّظام عليه بعائلته التي ستصبح رهينة
بيد النظام فيما لو بقيت العائلة في المدينة. وأراد أن يكون مصير عائلته، مصير
العوائل الأخرى لقاعدته التي انطلق للتواصل معها. فهو لا يريد أن يبقي عائلته
بمأمن من الأخطار التي تصيب عوائل الآخرين فهي خطوة جادّة تعني التّلاحم المصيري
بين القيادة والقاعدة. فليس مصير سكينة أفضل من أيِّ فتاة في أخرى، كما ليس مصير
عبدالله الرضيع أفضل من أي رضيع آخر. وهذا المعنى يستفاد من مقالٍ للإمام الحسين
عليه السلام عندما التقى الحرّ الرياحي :
( وقد
أتتني رسلكم ووصلتني كتبكم .... فإن أتممتم بيعتكم أصبتم رشدكم فإني أنا الحسين
نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم ).
فإن هذه الكلمات تكشف لنا عن السبب
الحقيقي الذي دفع الحسين عليه السلام لاصطحاب النساء والأطفال وهو بالتأكيد ليس
السّبي والقتل بل وحدة المصير مع القاعدة، وهو مظهر من مظاهر التحام القيادة مع
القاعدة والإخلاص لها.
دعوة وخاتمة
وبهذا العرض الموجز والمبسّط نكون قد
ميزنا بين النتائج والأهداف وعرفنا ان التخطيط لم يكن لحصول هذه النتائج التي وقعت
لأسباب خارجة عن إرادة الثورة الحسينية
وقدرتها وارتبط حصولها بخذلان الناس وإصرار النظام على ارتكاب الجريمة وقد
عبر الإمام الحسين عن هذين الأمرين معاً بقوله:
( الناس عبيد الدنيا و الدين لعق على ألسنتهم
يحوطونه ما درت معايشهم فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الدّيانون ).
وهذا تعبير عن سقوط الأمة في الإمتحان الصعب الذي مهّد لإصرار النظام على مصادرة
الحريّة والإرادة ومحاصرة الحسين والتضييق عليه وتخييره بين أمرين أكرمهما الدفاع
عن القضية حتى الإستشهاد كما قال عليه السلام:
( ألا و إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين
بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت
ونفوس أبية وأنوف حميّة لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام).
هذه هي
الأسباب التي أدت الى مأساة كربلاء وهي صنيعة أيدي النظام التي تلوثت بدماء
الأبرار عن سبق إصرار وتعمد والإطلاع على هذه الأسباب ينفعنا في السعي لإجتنابها
في مسيرنا الجهادي لأنها لم تكن أهدافاً للحركة الحسينية ولعلّ الكثير من المصائب
التي حلّت بالحركات الشيعية عبر التاريخ كانت بسبب عدم القراءة الجادّة لأحداث
كربلاء حيث خُيِّل للكثير بأنها حركة لم تعط اهتماماً لتحقيق الأهداف وأعطت كل
إهتمامها لحصول النتيجة المأساة حتى قال بعض المستشرقين المتتبعين للحركات الشيعية
( بأن الشيعة قوم يعرفون كيف يموتون ولا يعرفون كيف ينتصرون ) وهذا الإنطباع ناشىء
من إصرار الكثير على أن حركة الإمام الحسين كانت تعلم مصيرها مسبقاً ومنذ عهد رسول
الله (ص) فهي أقدمت على قضية محسومة النتائج سلفاً وتبعتها سائر الحركات الشيعية
بعدم الإكتراث بالنتائج ولذلك بقيت بعيدة عن الوصول إلى الأهداف على الرغم من
الدماء الغزيرة التي كانت تدفعها أثناء الطريق وأعتقدُ أنّ الدراسة الواعية لحركة
الإمام الحسين يمكن أن توفر علينا الكثير من التضحيات في كثير من المواقع مع
الوصول إلى الأهداف عندما نمّيز بين أهداف الإمام الحسين وبين النتائج التي حصلت
في كربلاء وعندما نضع تلك الأهداف أهدافاً لنا ونستبعد تلك النتائج عن أن تكون هي
الأهداف لأنها لم تكن من صنع الإمام الحسين ولم تكن من صنع الغيب بل كانت صنيعة
نظام يزيد الذي تنكّر لأطهر المقدسات وارتكب أفظع الجرائم وأبشعها حفاظاً على
السلطة الجائرة .
وبهذه الدعوة إلى القراءة الجديدة
لأحداث كربلاء يمكننا أن نخرج أكثر وعياً و فهماً لحركة الأئمة عليهم السلام وطبيعة
الأدوار التي قاموا بها والتي تُشكّل لنا المرشد والموجّه في عملنا الجهادي
والسياسي والإجتماعي وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
جميع
حقوق النقل والاقتباس و الطبع محفوظة لـ :
info@al-amine.org
الطّبعة الأولى : سنة 1997م - 1418 هـ
عدد النسخات : 4000 نسخة
مطبعة الأنصاري