وثيقة الاخوة الانسانية – السيد علي الأمين https://www.al-amine.org |موقع المرجع الديني السيد علي الامين ، لبنان Sat, 20 Apr 2019 09:40:24 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=5.5.3 https://i0.wp.com/www.al-amine.org/wp-content/uploads/2018/03/cropped-siteicon.png?fit=32%2C32&ssl=1 وثيقة الاخوة الانسانية – السيد علي الأمين https://www.al-amine.org 32 32 110816571 تجريم خطاب الكراهية https://www.al-amine.org/%d8%aa%d8%ac%d8%b1%d9%8a%d9%85-%d8%ae%d8%b7%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d8%a9/ Sat, 20 Apr 2019 09:22:33 +0000 https://www.al-amine.org/?p=20064 تجريم خطاب الكراهية سماحة العلامة السيد علي الأمين

The post تجريم خطاب الكراهية appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
تجريم خطاب الكراهية

سماحة العلامة السيد علي الأمين

The post تجريم خطاب الكراهية appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
20064
وثيقة الأخوة الإنسانية،لن نرضى بغير الحب دينا https://www.al-amine.org/%d9%88%d8%ab%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%88%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%86-%d9%86%d8%b1%d8%b6%d9%89-%d8%a8%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84/ Mon, 18 Mar 2019 17:15:48 +0000 https://www.al-amine.org/?p=19991 وثيقة الأخوة الإنسانية: لن نرضى بغير الحب دينا بقلم الاستاذ محمد الأمين* وثيقة الأخوة الإنسانية التي صدرت من أبو ظبي بتوقيع من قداسة البابا فرنسيس بابا السلام ومن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب إمام الإعتدال، هي بمثابة دستور عالمي يرسم للبشرية صورة التعايش الأخوي بسلام واحترام بين الدول والأفراد والشعوب والجماعات والأمم، وهذه الوثيقة التاريخية …

The post وثيقة الأخوة الإنسانية،لن نرضى بغير الحب دينا appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
وثيقة الأخوة الإنسانية: لن نرضى بغير الحب دينا
بقلم الاستاذ محمد الأمين*
البابا فرنسيس - السيد علي الامين
وثيقة الأخوة الإنسانية التي صدرت من أبو ظبي بتوقيع من قداسة البابا فرنسيس بابا السلام ومن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب إمام الإعتدال، هي بمثابة دستور عالمي يرسم للبشرية صورة التعايش الأخوي بسلام واحترام بين الدول والأفراد والشعوب والجماعات والأمم، وهذه الوثيقة التاريخية هي دعوة لكل الدول والقيادات في العالم لنبذ الصراعات والعمل بقيم الحرية والمحبة والسلام، وبهذه التعاليم الموجودة في الوثيقة يتجنب العالم شرور الحروب ومآسيها ويعمل على مساعدة الفقراء وجسر الهوة بينهم وبين الأغنياء، وبذلك يضمن العالم استمرار التقدم والإزدهار في أمن وأمان. الشيخ احمد الطيب - السيد علي الامين
هذا ما قاله العلامة السيد علي الأمين الذي كان من المستقبلين والمشاركين مع أعضاء مجلس الحكماء المسلمين لقداسة البابا عن وثيقة الأخوة الإنسانية وهو دلالة على عمق ما ورد في الوثيقة التاريخية التي نصت على قيم السلام وثقافة التسامح وحماية دور العبادة وحقوق الطفل وعلاقة الشرق والغرب وحرية الاعتقاد ونشر الاخلاق ومفهوم المواطنة وحقوق المرأة وحماية الفئات الضعيفة، وهذه العناوين الأكثر حضوراً وحاجة في مجتمعاتنا والتي من خلالها ستؤسس لمجتمعات سالمة ومسالمة محررة من الاستغلال الديني والسياسي ومبتعدة عن العصبية البغيضة التي تزهق الأرواح وتدمر البلاد ..
إن الوثيقة التاريخية التي تدعو الى كل هذه القيم والعمل بها أرست مدماك التعاون والتنسيق بمفهوم الأخوة الذي لا يعتريه أي مصلحة خاصة أو أنانية تطغى على طرف دون آخر واي استغلال لكل الطاقات الجماعية والفردية والأهم أنها تسحب البساط وتصادر الإحتكارلكل دولة أو مجموعة أو مؤسسة أو زعامات تدعوا الى العنف أو تمارسه أو تبرره للوصول إلى مبتغاها وعرت كل من يستعمل المنصات والمواقع والنفوذ بأسم الاديان لتقول لنا بأنه لا يمكن لأي دين أن يحمل الشر ولا لمؤمن بتعاليم السماء أن يشيع لغة القتل ويمارسه وأن يعتبر نفسه أنه الحق والصحيح وحده دون غيره ..
انها وثيقة تحول مفهوم التعايش الى تعاون انساني يخدم البشرية بكل مكوناتها والوانها واعراقها ولهذا تطرقت الوثيقة الى دور الأسرة والطفل والتغذية والتعليم والمسنين وحقوق المرأة. والوثيقة أبرزت مفهوم المواطنة ودعت كل ذي شأن للعمل على ترسيخها في مجتمعاتنا والابتعاد عن مصادرة الحقوق المدنية والدينية لأي فرد تحت مفهوم الأقليات.
ولأجل أن تأخذ الوثيقة طريقها في عالمنا وللإستفادة من مضمونها بكل تفاصيله ولتصبح عنواناً للتواصل ونموذجاً للتلاقي بين الديانات ولإنها صوت السلام والتسامح والمحبة الذي يخاطب العالم على أهمية العيش الواحد المحتوم بينهم، وتماشياً مع العمل الجبار لرسل السلام في الأزهر والفاتيكان الذي أخرج الوثيقة العمل من قبل أهل الفكر وصناع السياسات والهيئات الدينية والثقافية والتربوية والتعليمية السعي إلى إدراج بنود الوثيقة في قوانين تحفظ تطبيقها وفي مناهج دراسية نتعلمها.
أن أوطاننا بحاجة إلى كل بذرة صالحة تنمو وتتكاثر لنتحول من مجتمعات يتمسك كل منها بما لديه ولو كان باطلاً إلى التمسك بالقيم الروحية والأخلاق الإنسانية.
وأخيراً إنه اللقاء بين المسيحية والإسلام رسالتان تحملان مفاهيم الخير وتعاليم السماء التي تدعو إلى الأخوة بين الناس، انها وثيقة لغد مشرق ينير عهود العيش بيننا في كل مكان كما جاء في كلمة العلامة الأمين التي ألقاها في أستقبال قداسة البابا: معاً عشنا بأر ضِ الشرقِ دهراً نصارى إخوةً للمسلمينا ونحنُ على خُطى الأجدادِ نمضي بإيمانٍ وعزمٍ لن يلينا ونبقى الأوفياءَ لما وَرِثْنَا بِسِلْمٍ وَاعْتِدالٍ مؤمنينا نصونُ بذاك عهدَ العيشِ أهلاً ولن نرضى بغيرِ الحبّ دينا.
* مؤسسة العلامة الأمين للتعارف والحوار – لتعارفوا

The post وثيقة الأخوة الإنسانية،لن نرضى بغير الحب دينا appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
19991
كلمة شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب في لقاء الأخوة الإنسانية https://www.al-amine.org/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%87%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%85%d8%a7%d9%85-%d8%a3%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%8a%d8%a8-%d9%81%d9%8a-%d9%84%d9%82/ Fri, 08 Feb 2019 14:11:31 +0000 https://www.al-amine.org/?p=19921 كلمة شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب في لقاء الأخوة الإنسانية بسم الله الرحمن الرحيم أخي وصديقي العزيز/ قداسـة البابا فرنسـيـس – بابا الكنيسة الكاثوليكية الأخ العزيز سمو الشيخ/ محمد بن زايد وأخيه سمو الشيخ محمد بن راشد، وإخوته قادة دولة الإمارات العربية المتحدة السَّلَامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُه.. وبعد/ فأبدأُ كلمتي بتوجيه الشكر الجزيل لدولة …

The post كلمة شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب في لقاء الأخوة الإنسانية appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
كلمة شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب في لقاء الأخوة الإنسانية

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي وصديقي العزيز/ قداسـة البابا فرنسـيـس – بابا الكنيسة الكاثوليكية
الأخ العزيز سمو الشيخ/ محمد بن زايد وأخيه سمو الشيخ محمد بن راشد، وإخوته قادة دولة الإمارات العربية المتحدة
السَّلَامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُه.. وبعد/
فأبدأُ كلمتي بتوجيه الشكر الجزيل لدولة الإمارات العربية المتحدة: قيادةً وشعبًا، لاستضافة هذا الحدث التاريخي، الذي يجمع قادة الأديان، وعُلماءها ورجال الكنائس، ورجال السياسة والفِكْر والأدب والإعلام.. هذه الكوكبة العالمية التي تجتمع اليوم على أرض “أبوظبي” الطيِّبة، ليشهدوا مع العالم كله إطلاق «وثيقة الأخوة الإنسانية»، وما تتضمنه من دعوة لنشرِ ثقافة السلام واحترام الغير وتحقيق الرفاهية للبشريَّةِ جمعاء، بديلًا من ثقافة الكراهية والظلم والعُنف والدِّماء، ولتطالب قادة العالَم وصُنَّاع السياسات، ومَن بأيديهم مصائر الشعوب وموازين القُوى العسكريَّة والاقتصادية – تطالبهم بالتدخل الفوري لوقف نزيف الدِّماء، وإزهاق الأرواح البريئة، ووضع نهايةٍ فورية لما تشهده من صراعات وفِتَن وحروب عبثيَّة أوشكت أن تعود بنا إلى تراجع حضاري بائس ينذر باندلاع حرب عالمية ثالثة.
.. .. ..

الحفــلُ الكــريم!
إنني أنتمي إلى جيل يُمكن أن يُسمَّى بجيل الحروب، بكل ما تحمله هذه الكلمة من خوف ورُعب ومُعاناة، فلازلت أذكُر حديث النَّاس –عقب الحرب العالميَّة الثانية- عن أهوال الحرب وما خلَّفته من دمار وخراب، وما كدت أبلغ العاشرة من عُمري حتى دهمتنا حرب العدوان الثلاثي في أكتوبر 1956م، ورأيت بعيني قصف الطائرات لمطار مدينتي مدينة الأقصر، وكيف عِشنا ليالي في ظلامٍ دامس لا يغمض لنا فيها جفن حتى الصباح، وكيف كنا نُهرع إلى المغارات لنحتمي بها في جنح الظلام، ولاتزال الذاكرة تختزن من هذه الذكريات الأليمة ما يعيدها جَذَعًا كأن لم يَمُرّ عليها أكثر من ستين عامًا.. ولم يمض على هذه الحرب سنوات عشر حتى اندلعت حرب 1967م، وكانت أشد وأقسى من سابقتها، عِشناها بكل مآسيها، وعشنا بعدها ست سنوات فيما يُسمَّى باقتصادِ الحروب، ولم نتنفَّس الصعداء إلَّا مع انتصار 73 في حرب التحرير التي أعادت للعرب جميعًا كرامتهم، وبعثت فيهم مكامن العِزَّة والإباء، والقُدرة على دحر الظلم وأهله، وكسر شوكة العدوان والمعتدين.. وظننا وقتها أننا ودعنا عهد الحروب، وبدأنا عصر السَّلام والأمان والإنتاج.
لكن الأمر سُرعان ما تبدَّل بعد ذلك حين واجهتنا موجة جديدة من حرب خبيثة تُسمَّى «الإرهاب» بدأت في التسعينات، ثم استفحل أمرها بعد ذلك حتى أصبحت اليوم تقض مضاجع العالَم شرقًا وغربًا.
وكان الأمل أن تطُل علينا الألفية الثالثة، وقد انحسرت موجات العنف والإرهاب وقتلِ الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، ولكن خاب الأمل مرة ثالثة حين دهمتنا حادثة تفجيرِ برجي التجارة في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر من مطلع القرن الحادي والعشرين، والتي دفع الإسلام والمسلمون ثمنها غاليًا، وأُخذ فيها مليار ونصف المليار مسلم بجريرة أفراد لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليدين، فقد استُغلَّت هذه الحادثة استغلالًا سلبيًا في إغراء «الإعلام» الدولي بإظهار الإسلام في صورة الدين المتعطش لسـفك الدِّماء، وتصوير المسلمين في صورة برابرة متوحشين اصبحوا خطرًا داهمًا على الحضارات والمجتمعات المتحضرة، وقد نجح هذا الإعلام في بعث مشاعر الكراهية والخوف في نفوس الغربيين من الإسلام والمسلمين، وسيطرت عليهم حالة من الرُّعب ليس من الإرهابيين فقط، بل من كل ما هو إسلامي جُملةً وتفصيلًا..
السَّــيِّداتُ والسَّــادَة!
إنَّ «وثيقةَ الأُخوَّة» التي نحتفل بإطلاقها اليوم من هذه الأرض الطَّيِّبة وُلِدَت على مائدة كريمة كنت فيها ضيفًا على أخي وصديقي العزيز فرنسيس بمنزله العامر، حين أَلقى بها أحد الشَّباب الحاضرين على هذه المائدة المباركة، ولَقيَتْ ترحيبًا واستحسانًا كريمًا من قداسته، ودَعمًا وتأييدًا مِنِّي، وذلك بعد حوارات عِدَّة تأمَّلنا فيها أوضاع العالَم وأحواله، ومآسي القتلى والفقراء والبؤساء والأرامل واليتامى والمظلومين والخائفين، والفارِّين من ديارهم وأوطانهم وأهليهم، وما الذي يُمكن أن تُقدِّمه الأديان الإلهيَّة كطوق نجاة لهؤلاء التعساء، وما ادهشني هو أن هموم قداسته وهمومي كانت مُتطابقة أشد التطابق وأتمه وأكمله، وأن كل منّا استشعر حرمة المسؤولية التي سيحاسبنا الله عليها في الدَّار الآخرة، وكان صديقي العزيز رحيمًا يتألم لمآسي الناس كل الناس. بلا تفرقة ولا تمييز ولا تحـفظ.
وكان أبرز ما تسالمنا عليه هو:
أن الأديان الإلهيَّة، بريئة كل البراءة من الحركات والجماعات المسلَّحة التي تُسمَّى حديثًا بـ «الإرهاب»، كائنًا ما كان دينها أو عقيدتها أو فكرها، أو ضحاياها، أو الأرض التي تُمارِس عليها جرائمَها المنكرة.. فهؤلاء قتلة وسفاكون للدِّماء، ومعتدون على الله ورسالاته.. وأن على المسؤولين شرقًا وغربًا أن يقوموا بواجبهم في تعقُّب هؤلاء المعتدين والتصدي لهم بكل قوة، وحماية أرواح الناس وعقائدهم ودور عباداتهم من جرائمهم.
كما تسالمنا على أن الأديان قد أجمعت على تحريم الدِّماء، وأن الله حرَّم قتل النفس في جميع رسالاته الإلهية: صرخ بذلك موسى عليه السلام في الوصايا العشر على جبل حوريب بسيناء وقال: «لاَ تَقْتُلْ! لاَ تَزْنِ! لاَ تَسْرِقْ!» ( )، ثم صدع به عيسى عليه السلام من فوق جبل من جبال الجليل، بالقرب من كفر ناحوم بفلسطين، «في كنزه الأخلاقي النفيس» الذي يُعرف بموعظة الجبل، وقد أكَّدَ السيد المسيح ما جاء به موسى، وزاد عليه في قوله: «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، فإنَّ مَنْ يَقتل يَسْتَوْجِبَ حُكْم القضاء، أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء (…) ومن قال له: يا جاهل استوجب نار جهنم»( )، وجاء محمد ﷺ وأعلن للناس من فوق جبل عرفات في آخر خطبة له تُسمَّى خطبة الوداع، أعلن ما أعلنه أخواه من قبله، وزاد أيضًا وقال: «أيُّها النَّاسُ، إنِّي والله ما أدري لعلِّي لا ألقاكم بعدَ يومي هذا، بمكاني هذا، فرحم الله امرءًا سمع مقالتي اليوم فوعاها (…) أيُّها النَّاسُ، إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضكم عليْكُم حرامٌ، كحُرمةِ يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، وستلقَونَ ربَّكم، فيسألُكم عن أعمالِكم (…) أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ». وكان يقول من فرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة.. ومَنْ أشارَ إلى أخيهِ بحديدَةٍ، فإِنَّ الملائِكَةَ تلْعَنُهُ، وإِنْ كانَ أخاهُ لأبيهِ وأُمِّهِ.
هذا إلى عشرات الآيات القرآنية التي تحرم قتل النفس، وتعلن أن من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا. .
وتلاحظون حضراتكم وحدة الخطاب الإلهي ووحدة معناه، بل وحدة المنصَّات التي خطب عليها هؤلاء الأنبياء الكرام، وهي: جبل الطور بسيناء في مصر، وجبل من الجبال في فلسطين، وجبل عرفات بمكَّة في جزيرة العرب..
ومن هذا يتضح جليًّا أنه ليس صحيحًا ما يُقال من أن الأديان هي بريد الحروب وسببها الرئيسي، وأن التاريخ شاهد على ذلك، مِمَّا برَّر ثورة الحضارة المعاصرة على الدِّين وأخلاقِه، وإبعاده عن التدخل في شؤون المجتمعات، بعدما سرت هذه الفرية – سريان النار في الهشيم- في وعي الناس والشباب، وبخاصةٍ في الغرب، وكانت من وراء انتشار دعوات الإلحاد والفلسفات الماديَّة ومذاهب الفوضى والعدميَّة والحرية بلا سقف، وإحلال العلم التجريبي محل «الدِّين»، ورُغم ذلك، وبعد مرور أكثر من ثلاثة قرون على الثورة على الله وعلى الأديان الإلهية جاءت المحصلة كارثية بكل المقاييس، تمثَّلت في مأساوية الإنسان المعاصر التي لا ينكرها إلَّا مكابر..
والحق الذي يجب أن ندفع به هذه الفرية هو أن أوَّل أسباب أزمة العالَم المُعاصر اليوم إنما يعود إلى غياب الضمير الإنساني وغياب الأخلاق الدِّينيَّة، وتَحكُّم النزعات والشهوات الماديَّة والإلحاديَّة والفلسفات العقيمة البائسة التي ألَّهت الإنسان، وسخرت من الله، ومن المؤمنين به.. واستهزأت بالقيم العليا المتسامية التي هي الضَّابط الأوحد لكبح جماح الإنسان وترويض «الذئب» المستكن بين جوانحه..
أمَّا الحروب التي انطلقت باسم «الأديان»، وقتلت الناس تحت لافتاتها فإنَّ الأديان لا تُسأل عنها، وإنما يُسأل عنها هذا النوع من السياسات الطائشة التي دأبت على استغلال بعض رجال الأديان وتوريطهم في أغراضٍ لا يعرفها الدِّين ولا يحترمها، ونحن نقر بأن هناك من رجال الأديان مَن تأوَّل نصوصها المقدَّسة تأويلًا فاسدًا، لكنا لا نقر أبدًا بأن قراءة الدين قراءة أمينة نظيفة لا تسمح أبدًا لهؤلاء الضالين المضلين بالانتساب الصحيح إلى أي دين إلهي، ولا تُبرِّر لهم خيانة أمانتهم في تبليغه للناس كما أنزله الله.
على أن هـذا الانحراف الموظَّف في فهم النصوص ليس قاصرًا على نصوص الأديان واستغلالها في العدوان على الناس، بل كثيرًا ما يحـدث مثله في أسواق السياسة، حين تُقرأ نصوص المواثيق الدولية المتكفلة بحفظ السلام العالمي قراءة خاصَّة تبرر شنَّ الحروب على دول آمنة، وتدميرها على رؤوس شعوبها، ولا مانع بعد أن تقضي هذه السياسات شهواتها العدوانية البشعة.. لا مانع من الاعتذار للثكالى واليتامى والأرامل بأنها أخطأت الحساب والتقدير. والأمثلة على ذلك واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
من أجـل ذلك نادينـا في هـذه الوثيقـة «بوقـف اسـتخدام الأديان، والمذاهب، في تأجيج الكراهية والعنف والتعصُّب الأعمى، والكفِّ عن استخدام اسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش، وذكَّرنا العالَم كله بأن الله لم يخلق الناس ليُقْتَلوا أو يُعذَّبوا أو يُضيَّق عليهم في حياتهم ومعاشهم… والله –عز وجل- في غنى عمَّن يدعو إليه بإزهاق الأرواح أو يُرهب الآخرين باسمه».
الحفــلُ الكــريم!
إنني على يقين أن هذه المبادرات الضرورية والتحركات الطيبة نحو تحقيق الأخوة الإنسانية في منطقتنا العربية سوف تؤدي ثمارها، وقد بدأت، بحمد الله، بقوة في مصر المحروسة حيث افتتح قبل عدة أيام أول وأكبر مسجد وكنيسة متجاورين، في العاصمة الإدارية الجديدة، وفي خطوة تاريخية، نحو تعزيز التسامح وترسيخ الأخوة بين الأديان، وبمبادرة رائدة من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية.
وتبقى لي كلمة أوجهها لإخوتي المسلمين في الشرق، وهي أن تستمروا في احتضان إخوتكم من المواطنين المسيحيين في كل مكان؛ فهم شركاؤنا في الوطن، وإخوتنا الذين يُذكِّرنا قرآننا الكريم بأنَّهم أقرب الناس مـودَّة إلينا، ويعلِّل القرآن هذه المودة بقوله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]، فالمسيحيون –كل المسيحيين- قلوبهم مملوءة خيرًا ورأفة ورحمة، والله تعالى هو الذي جعل في قلوبهم هذه الخصال الحميدة.. وهذا ما يسجله القرآن في قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: 27].
ويجب علينا نحن المسلمين ألا ننسى أنَّ المسيحيَّةَ احتضنت الإسلام، حين كان دينا وليدا، وحمته من طغيان الوثنية والشِّرك، التي كانت تتطلع إلى اغتياله في مهده، وذلك حين أمر النبيُّ ﷺ المستضعفين من أصحابه، وهم أكثر تابعيه حين اشتد عليهم أذى قريش وقال لهم: «اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكًا لا يُظلم أحد في جواره» وقد استقبلهم هذا الملك المسيحي في دولته المسيحية، وأكرمهم وحماهم من قريش، ثم أعادهم إلى المدينة المنورة بعد أن اشتد عود الإسلام واستوى على سوقه.
وكلمة أخرى لإخوتي المسيحيِّين في الشرق: أنتم جزء من هذه الأُمَّة، وأنتم مواطنون. ولستم أقليَّة، وأرجوكم أن تتخلصوا من ثقافة مصطلح الأقليَّة الكريه، فأنتم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات، واعلموا أن وحدتنا هي الصخرة الوحيدة التي تتحطم عليها المؤامرات التي لا تفرق بين مسيحي ومسلم إذ جد الجد وحان قطف الثمار.
وكلمتي للمواطنين المسلمين في الغرب أن اندمجوا في مجتمعاتكم اندماجًا إيجابيًّا، تحافظون فيها على هويتكم الدِّينيَّة كما تحافظون على احترام قوانين هذه المجتمعات، واعلموا أن أمن هذه المجتمعات مسؤوليَّة شرعيَّة، وأمانة دينيَّة في رقابكم تُسألون عنها أمام الله تعالى، وإن صدر من القوانين ما يفرض عليكم مخالفة شريعتكم فالجأوا إلى الطُّرق القانونيَّة، فإنها كفيلة بردِّ الحقوقِ إليكم وحماية حريتكم.
كما أقول لشباب العالَم في الغرب والشرق: إن المستقبل يبتسم لكم، وعليكم أن تتسلحوا بالأخلاق وبالعلم والمعرفة، وعليكم أن تجعلوا من هذه الوثيقة دستور مبادئ لحياتكم، اجعلوا منها ضمانًا لمستقبل خال من الصراع والآلام، اجعلوا منها ميثاقًا بانيًا للخير هادمًا للشر، اجعلوا منها نهاية للكراهية.. عَلِّمُوا أبناءكم هذه الوثيقة فهي امتداد لوثيقة المدينة المنورة، ولموعظة الجبل، وهي حارسة للمشتركات الإنسانيَّة والمبادئ الأخلاقيَّة.. وسوف أعمل مع أخي قداسة البابا، فيما تبقَّى لنا من العُمرِ، ومع كل الرموز الدِّينيَّة من أجلِ حماية المجتمعات واستقرارها، وهنا يجب أن أُشيد بملتقى تحالف الأديان لأمن المجتمعات الذي انعقد هنا في أبوظبي نوفمبر الماضي وحظي بدعمٍ من الأزهر الشَّريف ومن الفاتيكان، وحضره عددٍ من قادة الأديان للقيام بمسؤوليتهم من أجل حماية كرامة الطفل.
.. .. ..
وختامًا: أتوجَّهُ بالشُّكْرِ الجزيل للأخ الكريم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد على رعايتِه لهذه المبادرةِ التاريخيَّةِ، واحتضانه «وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة» التي نرجو أن يكونَ لها ما بعدها من إقرارِ السَّلام بين الشعوب، وإيقاظ مشاعر المحبَّة والاحتِرام المتبادَل بين الغربِ والشَّرق وبين الشَّمالِ والجنوب.
كما أُقدم الشُّكر لسمو الشيخ عبد الله بن زايد ولكل الشباب المتميز الذي سهر على ترتيب هذا اللِّقاء وتنظيمه وإخراجه بهذه الصورة المشرفة.
وانطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، أُسجِّلُ شُكري لجندين مجهولين كانا وراء إعداد «وثيقة الأخوَّة الإنسانيَّة» من بدايتها حتى ظهورها اليـوم في هـذا الحـدث العالَمي، وهما: ابنـاي العزيزان القاضي/ محمد عبد السلام – المستشار السابق لشيخ الأزهر، والأب يوأنس لحظي جيد – السـكرتير الشخصي لقداسة البابا فرنسيس، فلهما ولكلِّ مَن أسْـهَم في إنجـاح هذا اللقاء خالص الشُّـكر والتقــدير والاحــترام.
أشكركم على حُسْنِ استماعكم.
وسَلامُ اللهِ عَلــَـيْكُم ورَحْمَـتُه وبَرَكَاتُه؛

The post كلمة شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب في لقاء الأخوة الإنسانية appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
19921
كلمة قداسة البابا فرنسيس التي ألقاها خلال لقاء الأخوة الإنسانية https://www.al-amine.org/%d9%83%d9%84%d9%85%d8%a9-%d9%82%d8%af%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d8%a7-%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%b3-%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d9%88%d8%a9/ Fri, 08 Feb 2019 13:44:32 +0000 https://www.al-amine.org/?p=19918 كلمة قداسة البابا فرنسيس التي ألقاها خلال اجتماع الأخوة الإنسانية في صرح زايد المؤسس، مساء اليوم الاثنين، في العاصمة الإماراتية أبوظبي: السلام عليكم.. أشكر من كل قلبي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وفضيلة الدكتور أحمد الطيب، الإمام الأكبر لجامعة الأزهر، على كلماتهما. أنا ممتن لمجلس حكماء المسلمين على اللقاء الذي تم منذ …

The post كلمة قداسة البابا فرنسيس التي ألقاها خلال لقاء الأخوة الإنسانية appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
كلمة قداسة البابا فرنسيس التي ألقاها خلال اجتماع الأخوة الإنسانية في صرح زايد المؤسس، مساء اليوم الاثنين، في العاصمة الإماراتية أبوظبي:

السلام عليكم..

أشكر من كل قلبي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وفضيلة الدكتور أحمد الطيب، الإمام الأكبر لجامعة الأزهر، على كلماتهما. أنا ممتن لمجلس حكماء المسلمين على اللقاء الذي تم منذ قليل، في مسجد سمو الشيخ زايد.

أحيي السلطات المدنية والدينية والسلك الدبلوماسي. اسمحوا لي أيضا أن أشكركم جميعا شكرا جزيلا على الاستقبال الحار الذي قدمتموه لي ولوفدنا.

أشكر كذلك جميع الأشخاص الذين ساهموا في جعل هذه الزيارة ممكنة والذين عملوا بتفان وحماس ومهنية من أجل هذا الحدث: المنظمون، وموظفو البروتوكول، ورجال الأمن، وجميع الذين وبأشكال مختلفة قدموا مساهمتهم “خلف الكواليس”. وأتوجه بشكر خاص للسيد محمد عبد السلام، المستشار السابق للإمام الأكبر.

كما أتوجه من وطنكم إلى جميع بلدان شبه الجزيرة هذه، والذين أرغب في أن أوجه إليهم أخلص تحياتي الودية، والمقرونة بالصداقة والتقدير.

بروح ممتن للرب، في المئوية الثامنة للقاء بين القديس فرنسيس الأسيزي والسلطان الملك الكامل، قبلت فرصة المجيء إلى هنا كمؤمن متعطش للسلام وكأخ يبحث عن السلام مع الإخوة. الرغبة في السلام، وبتعزيز السلام، وبأن نكون أدوات للسلام: هذا هو ما جئنا من أجله.

إن شعار هذه الزيارة يتألف من حمامة تحمل غصن زيتون. وتذكر هذه الصورة بقصة الطوفان الأول، الموجود في مختلف التقاليد الدينية. بحسب الرواية الكتابية، فإن الله، كي ما تحفظ البشرية من الدمار، قد طلب من نوح أن يدخل في الفلك مع عائلته. واليوم أيضا، لكي نحافظ على السلام باسم الله، نحن بحاجة للدخول معا كعائلة واحدة في فلك يستطيع أن يعبر بحار العالم العاصفة: إنه فلك الأخوة.

نقطة الانطلاق هي الاعتراف بأن الله هو أصل العائلة البشرية الواحدة.

فهو، ولكونه خالق كل شيء وخالق الجميع، يريد أن نعيش كإخوة وأخوات، وأن نقيم في البيت المشترك الذي منحنا هو إياه. هنا تتأسس الأخوة، عند جذور بشريتنا المشتركة، مثل “دعوة ماثلة في مخطط الله للخلق” . إنها الدعوة التي تخبرنا بأننا جميعا نملك الكرامة عينها وبأنه لا يمكن لأحد أن يكون سيدا للآخرين أو عبدا لهم.

لا يمكننا أن نكرم الخالق دون أن نحافظ على قدسية كل شخص وكل حياة بشرية: فكل فرد هو ثمين على حد السواء في عيني الله. لأن الله لا ينظر إلى العائلة البشرية بنظرة تمييز تستثني، وإنما بنظرة محبة تدمج. لذلك، فالاعتراف بالحقوق عينها لكل كائن بشري، إنما هو تمجيد لاسم الله على الأرض. وباسم الله الخالق، بالتالي، يجب أن تدان، وبدون تردد، جميع أشكال العنف، لأن استعمال اسم الله لتبرير الكراهية والبطش ضد الأخ، إنما هو تدنيس خطير لاسمه. فلا وجود لعنف يمكن تبريره دينيا؛ ولا يجب على أحد “استخدام الأديان في تأجيج الكراهية والعنف والتطرف والتعصب الأعمى … أو استخدام اسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش” “وثيقة الأخوة البشرية”.

إن عدوة الأخوة هي النزعة الفردانية، التي تترجم في عزيمة تأكيد الذات والمجموعة الخاصة على حساب الآخرين. وهو فخ يهدد جميع جوانب الحياة، حتى الصفات الأسمى والفطرية لدى الإنسان، أي الانفتاح على المتسامي والتدين.

إن التدين الحقيقي يقوم على محبة الله من كل القلب، ومحبة القريب كمحبتنا لأنفسنا. وبالتالي يحتاج التصرف الديني لأن ينقى على الدوام من التجربة المتكررة لاعتبار الآخرين أعداء وخصوم. كل ديانة هي مدعوة لتخطي فجوة التمييز بين أصدقاء وأعداء، كي تتبنى وجهة نظر السماء، التي تعانق جميع البشر بدون محاباة وتمييز.

لذلك أرغب في التعبير عن تقديري لالتزام هذا البلد في الموافقة على حرية العبادة وضمانها، مواجها التطرف والكراهية. بهذه الطريقة، فيما تعزز الحرية الأساسية للمرء بإعلان إيمانه الشخصي، والتي هي ضرورة جوهرية كي يحقق الإنسان ذاته، يتم السهر أيضا حتى لا يتم استغلال الديانة، وتتعرض لخطر نكران ذاتها بقبولها للعنف والإرهاب.

لكن الأخوة بالتأكيد “تعبر أيضا عن التنوع والاختلاف الموجود بين الإخوة، بالرغم من رابط الولادة بينهم وامتلاكهم للطبيعة عينها ولذات الكرامة”. والتعدد الديني هو تعبير عن ذلك. وبالتالي فالموقف الصحيح في هذا الإطار ليس التجانس القسري، ولا التوفيق الخانع: ما دعينا للقيام به، كمؤمنين، هو أن نلتزم من أجل أن يحصل الجميع على المساواة في الكرامة، وذلك باسم الرحيم الذي خلقنا والذي باسمه علينا أن نبحث عن التآلف في التناقضات والأخوة في الاختلاف. أريد هنا أن أكرر التأكيد على قناعة الكنيسة الكاثوليكية: “لا يمكننا أن ندعو الله أبًا للجميع اذا رفضنا أن نتصرف كإخوة مع الناس المخلوقين على صورة الله”.

مع ذلك توجد أسئلة عديدة تفرض ذاتها: كيف نحافظ على بعضنا البعض في العائلة البشرية الواحدة؟ وكيف نغذي أخوة غير نظرية، تترجم في أخوة حقيقية؟ كيف نجعل إدماج الآخر يسود على التهميش باسم انتمائنا الشخصي؟ كيف يمكن للديانات، باختصار، أن تكون قنوات أخوة بدلا من أن تكون حواجز إقصاء؟ – العائلة البشرية وشجاعة الاختلاف..

إن كنا نؤمن بوجود العائلة البشرية، فيجب بالتالي المحافظة عليها، كعائلة. وكما في كل عائلة، ذلك يكون أولا من خلال حوار يومي وحقيقي. هذا الأمر يستلزم هوية شخصية لا يجب التخلي عنها لإرضاء الآخر. ولكنه يتطلب في الوقت عينه شجاعة الاختلاف ، التي تتضمن الاعتراف الكامل بالآخر وبحريته، وما ينتج عنه من التزام ببذل الذات كي يتم التأكيد على حقوقه الأساسية، في كل مكان، ومن قبل الجميع. لأننا بدون حرية لا نكون بعد أبناء العائلة البشرية وإنما عبيد. من بين الحريات، أرغب في تسليط الضوء على الحرية الدينية. فهي لا تختصر على حرية العبادة، بل ترى في الآخر أخا بالفعل، وابنا لبشريتي نفسها، إبنا يتركه الله حرا، ولا يمكن بالتالي لأية مؤسسة بشرية أن تجبره حتى باسم الله. “ان الحرية حق لكل إنسان: اعتقادا وفكرا وتعبيرا وممارسة، وأن التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة حكمة لمشيئة إلهية، قد خلق الله البشر عليها، وجعلها أصلا ثابتا تتفرع عنه حقوق حرية الاعتقاد، وحرية الاختلاف” /وثيقة الأخوة البشرية/.

– الحوار والصلاة..

إن شجاعة الاختلاف هي روح الحوار الذي يقوم على صدق النوايا. والحوار في الواقع هو عرضة للازدواجية التي تزيد المسافة والشك: فليس بإمكاننا أن نعلن الأخوة ونتصرف بعدها عكس ذلك. بحسب أحد الكتاب المعاصرين: “إن الذي يكذب على نفسه ويصغي إلى أكاذيبه، يصل إلى حد عدم القدرة على تمييز الحقيقة، لا في داخله ولا من حوله، ويبدأ هكذا بفقدان احترامه لنفسه وللآخرين” .

إن الصلاة هي جوهرية في هذا كله: فهي، فيما تجسد شجاعة الاختلاف إزاء الله، وفي صدق النوايا، تنقي القلب من الانغلاق على نفسه. الصلاة التي تتلى من القلب، تجدد الأخوة. لذلك “فيما يختص بمستقبل الحوار بين الأديان ينبغي علينا أولا أن نصلي. وأن نصلي من أجل بعضنا البعض: نحن إخوة! بدون الرب لا شيء ممكن، ولكن معه كل شيء يصبح ممكنا! أرجو أن تطابق صلاتنا بالتمام –كل بحسب تقليده– مشيئة الله، الذي يريد أن يعترف جميع البشر بأنهم إخوة وأن يعيشوا على هذا النحو ويؤسسوا العائلة البشرية الكبيرة في تناغم التنوع” .

ليس هناك من بديل آخر: إما نبني المستقبل معا وإلا فلن يكون هناك مستقبل. لا يمكن للأديان، بشكل خاص، أن تتخلى عن الواجب الملح في بناء جسور بين الشعوب والثقافات. لقد حان الوقت للأديان أن تبذل ذاتها بشكل فعال، وبشجاعة وإقدام، وبدون تظاهر، كي تساعد العائلة البشرية على إنضاج القدرة على المصالحة، ورؤية ملؤها الرجاء، واتخاذ مسارات سلام ملموسة.

– التربية والعدالة..

ونعود هكذا إلى الصورة الأولى لحمامة السلام. إن السلام أيضا، كي يحلق، يحتاج إلى جناحين يرفعانه، إنه يحتاج إلى جناحي التربية والعدالة.

تتطلب التربية –وأصل الكلمة اللاتيني يعني الاستخراج والاستخلاص– أن نستخلص ونستخرج الموارد الثمينة في النفس. إنه لأمر مشجع أن نرى، في هذا البلد، أنه لا يتم الاستثمار في استخراج موارد الأرض وحسب، بل أيضا موارد القلب، أي في تربية الشبيبة. أتمنى أن يستمر هذا الالتزام، وينتشر في مناطق أخرى. إن التربية تتم أيضا في العلاقات والتبادلية. يجب أن نضيف إلى القول القديم المأثور: “اعرف نفسك” قولا آخر “اعرف أخاك”: قصته، ثقافته وإيمانه، لأنه لا توجد معرفة حقيقية للذات بدون الآخر.

كأشخاص، وبالأكثر كإخوة، علينا نذكر بعضنا البعض أنه لا يوجد أي أمر إنساني يمكن أن يبقى غريبا عنا . من الأهمية بمكان، بالنسبة للمستقبل، بناء هويات منفتحة، قادرة على التغلب على تجربة الانغلاق على الذات والتصلب.

الاستثمار في الثقافة يعزز انحسار الحقد ونمو الحضارة والازدهار.

فللتربية تناسب عكسي مع العنف. والمؤسسات الكاثوليكية التربوية –التي تحظى بالتقدير أيضا في هذا البلد وفي المنطقة– تعزز هذه التربية على السلام وعلى المعرفة المتبادلة من أجل تدارك العنف.

يحتاج الشباب، الذين غالبا ما تحيط بهم رسائل سلبية وأنباء مزيفة، إلى أن يتعلموا عدم الاستسلام لإغراءات المادية والكراهية والأحكام المسبقة؛ لأن يتعلموا كيفية التصدي للظلم ولخبرات الماضي الأليمة؛ لأن يتعلموا الدفاع عن حقوق الآخرين بالحماسة نفسها التي يدافعون فيها عن حقوقهم.

سيكونون هم من سيحكمون علينا يوما ما: إيجابا، إذا ما قدمنا لهم أسسا صلبة لخلق لقاءات جديدة من التحضر؛ وسلبا، إذا ما تركنا لهم مجرد سراب وتطلعات كئيبة من الصدامات الشائنة وغير الحضارية.

العدالة هي الجناح الثاني للسلام، التي غالبا ما لا تتضرر بفعل أحداث فردية، لكنها تتآكل ببطء جراء سرطان الظلم. فالعدل “القائم على الرحمة هو السبيل الواجب اتباعه للوصول إلى حياة كريمة، يحق لكل إنسان أن يحيا في كنفها” “وثيقة الأخوة البشرية”.

ومن ثم، لا يمكن أن نؤمن بالله وألا نسعى إلى عيش العدالة مع الجميع، بحسب القاعدة الذهبية: “فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضا بهم لأن هذا هو الناموس والأنبياء” /متى 7، 12/.

إن السلام والعدالة لا ينفصلان أبدا! قال النبي أشعيا “ويكون صنع العدل سلاما” /32، 17/. فالسلام يموت عندما ينفصل عن العدالة، لكن العدالة تكون مزيفة إن لم تكن كونية. فالعدالة الموجهة فقط إلى أفراد العائلة، وأبناء الوطن، ومؤمني الديانة نفسها، هي عدالة عرجاء، إنها ظلم مقنع! للديانات أيضا واجب التذكير بأن جشع الربح يجعل القلب دون حراك، وبأن قوانين السوق الحالية، التي تطالب بكل شيء وعلى الفور، لا تساعد اللقاء والحوار والعائلة والأبعاد الأساسية للحياة التي تحتاج لوقت ولصبر. لتكن الأديان صوت المهمشين، الذين ليسوا إحصاءات إنما إخوة، ولتقف الأديان إلى جانب الفقراء؛ ولتسهر كحارسة الأخوة في ليل الصراعات؛ ولتكن ناقوسا ساهرا كي لا تغلق الإنسانية عينيها أمام الظلم وكي لا تستسلم أبدا أمام مآسي العالم الكثيرة.

– الصحراء التي تزهر..

بعد أن تحدثت عن الأخوة كفلك سلام أود الآن الاستلهام من صورة ثانية، صورة الصحراء المحيطة بنا.

هنا، وخلال سنوات قليلة، وبفضل بعد النظر والحكمة، تحولت الصحراء إلى مكان مزدهر ومضياف؛ الصحراء التي كانت حاجزا عسيرا ومنيعا، صارت مكانا للقاء بين الثقافات والديانات. لقد أزهرت الصحراء هنا، ليس فقط لأيام قليلة في السنة، إنما لسنوات كثيرة في المستقبل. إن هذا البلد، الذي تعانق فيه الرمال ناطحات السحاب، يبقى تقاطعا هاما بين الشرق والغرب، بين شمال الأرض وجنوبها، يبقى مكانا للنمو، حيث الفسحات، التي لم تكن مأهولة في السابق، تقدم اليوم فرص عمل لأشخاص من أمم مختلفة.

بيد أن النمو أيضا له أعداؤه. وإن كانت الفردانية هي عدو الأخوة، أود الإشارة إلى أن عائق النمو هو اللامبالاة، والتي تؤول إلى تحويل الواقع المزهر إلى أرض قاحلة. إن النمو المنفعي البحت، في الحقيقة، لا يوفر تقدما واقعيا ومستداما. فوحده النمو المتكامل والمتماسك يقدم مستقبلا لائقا بالإنسان. إن اللامبالاة تحول دون النظر إلى الجماعة البشرية، أبعد من نطاق الربح، وإلى الأخ أبعد من نطاق العمل الذي يقوم به.

اللامبالاة، في الواقع، لا تنظر إلى الغد؛ لا تكترث لمستقبل الخليقة، لا تعتني بكرامة الغريب وبمستقبل الأطفال.

في هذا السياق، أعبر عن سروري بأن أول منتدى دولي للتحالف بين الأديان من أجل مجتمعات أكثر أمانا، حول مسألة كرامة الطفل في العصر الرقمي، قد عقد هنا في أبو ظبي في تشرين الثاني الماضي. لقد استأنف هذا الحدث الرسالة التي أطلقت قبل عام في روما، في المؤتمر الدولي حول الموضوع نفسه، والذي قدمت له دعمي وتشجيعي الكاملين. إني أشكر بالتالي كل القادة الملتزمين في هذا المجال، وأؤكد لهم دعم وتضامن ومشاركة شخصي والكنيسة الكاثوليكية في هذه القضية البالغة الأهمية، قضية حماية القاصرين في كل أوجهها.

هنا في الصحراء فتحت درب خصبة للنمو تقدم، انطلاقا من العمل، آمالا لأشخاص كثيرين ينتمون إلى شعوب وثقافات ومعتقدات مختلفة. ومن بين هؤلاء العديد من المسيحيين، الذين يعود تواجدهم في المنطقة إلى القرون الغابرة، وقد وجدوا فرصا وقدموا إسهاما هاما في نمو البلاد ورخائها. إن هؤلاء يحملون معهم أصالة إيمانهم فضلا عن قدراتهم المهنية. إن الاحترام والتسامح اللذين يلقونهما، كما دور العبادة الضرورية من أجل الصلاة، تسمح لهم بالنضوج روحيا بشكل يعود بالفائدة على المجتمع بأسره. أشجع على الاستمرار في هذه الدرب، كي يتمكن المقيمون والزوار من الاحتفاظ، ليس فقط بصورة الأعمال العظيمة التي أقيمت في الصحراء، إنما أيضا بصورة أمة تقبل وتعانق الجميع.

بهذه الروح، أتمنى أن تبصر النور، ليس هنا فقط بل في كل منطقة الشرق الأوسط الحبيبة والحيوية، فرص ملموسة للقاء: مجتمعات يتمتع فيها أشخاص ينتمون إلى ديانات مختلفة بحق المواطنة نفسه، وحيث لا ينتزع هذا الحق إلا من العنف، بجميع أشكاله.

تعايش أخوي، يرتكز على التربية والعدالة؛ نمو بشري، يقوم على الإدماج المضياف وعلى حقوق الجميع: هذه هي بذور سلام، ينبغي على الديانات أن تنبتها. في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة، يقع على عاتق الديانات، ربما أكثر من أي وقت مضى، واجب لا يمكن إرجاؤه بعد اليوم: الإسهام بشكل فاعل في تجريد قلب الإنسان من السلاح. إن سباق التسلح، وتمديد مناطق النفوذ، والسياسات العدائية، على حساب الآخرين، لن تؤدي أبدا إلى الاستقرار.

الحرب لا تولد سوى البؤس، والأسلحة لا تولد سوى الموت! إن الأخوة البشرية تتطلب منا، كممثلي الأديان، واجب حظر كل تلميح إلى الموافقة على كلمة “حرب”. دعونا نعيد هذه الكلمة إلى قسوتها البائسة. فأمام أعيننا نجد نتائجها المشؤومة. أفكر بنوع خاص باليمن، وسوريا والعراق وليبيا.

لنلتزم معا، كأخوة في العائلة البشرية الواحدة التي شاءها الله، ضد منطق القوة المسلحة، ضد تقييم العلاقات بوزنها الاقتصادي، ضد التسلح على الحدود وبناء الجدران وخنق أصوات الفقراء؛ لنواجه كل هذه الأمور بواسطة قوة الصلاة العذبة والالتزام اليومي في الحوار. ليكن وجودنا معا اليوم رسالة ثقة، وتشجيعا لجميع الأشخاص ذوي الإرادة الحسنة، كي لا يستسلموا أمام طوفان العنف، وأمام تصحر الغيرية. والله هو مع الإنسان الذي يبحث عن السلام. ومن السماء يبارك كل خطوة تتخذ على الأرض في هذا الاتجاه.

The post كلمة قداسة البابا فرنسيس التي ألقاها خلال لقاء الأخوة الإنسانية appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
19918
كلمة العلامة السيد علي الأمين في افتتاحية لقاء الأخوة الإنسانية https://www.al-amine.org/%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%88%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d8%a7-%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%b3/ Fri, 08 Feb 2019 10:11:40 +0000 https://www.al-amine.org/?p=19888 لقاء الأخوة الإنسانية – كلمة العلامة السيد علي الأمين، عضو مجلس حكماء المسلمين في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية ، في أبو ظبي، بمناسبة زيارة قداسة البابا   كلمة العلامة السيد علي الأمين، عضو مجلس حكماء المسلمين في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية ، في أبو ظبي، بمناسبة زيارة قداسة البابا الأخوة الإنسانية …

The post كلمة العلامة السيد علي الأمين في افتتاحية لقاء الأخوة الإنسانية appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
لقاء الأخوة الإنسانية – كلمة العلامة السيد علي الأمين، عضو مجلس حكماء المسلمين في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية ، في أبو ظبي، بمناسبة زيارة قداسة البابا

 

كلمة العلامة السيد علي الأمين، عضو مجلس حكماء المسلمين في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية ، في أبو ظبي، بمناسبة زيارة قداسة البابا

الأخوة الإنسانية في الدين

العلاّمة السيد علي الأمين

 

هذا اللقاء الذي يحصل اليوم في مدينة أبو ظبي على أرض دولة الإمارات دولة التسامح الإنساني والتعايش السلمي بين أتباع الديانات والثقافات، والذي يجمع قيادات دينية عالمية في طليعتها قداسة البابا فرنسيس بابا السلام ورئيس مجلس حكماء المسلمين الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب إمام الوسطية والإعتدال، هو لقاء تاريخي يعزز الروابط الإنسانية ويعمل على نبذ ثقافة التعصب والعنف والكراهية من خلال نشره وتجسيده للقيم الروحية الداعية إلى السلم العالمي والحوار والأخوة بين جميع بني البشر.

 

وفي هذا اللقاء دلالة كبرى على سموّ الإنسان بسعيه عبر الحوار إلى التلاقي والتفاهم مع شركائه في الوجود الإنساني، فإن الحوار بين الشعوب والأمم يعتبر من علامات وسمات الحضارة والرقي، وهو النموذج الذي يجب أن تقوم عليه العلاقات المتبادلة بينهم. ونعتقد أن الأخوة الإنسانية بين البشر هي في جوهر الرسالات السماوية حيث إن الإنسان فيها هو المحور لكل الرسالات والرسل، فلولا وجود الإنسان لم يكن هذا الكون بحاجة إلى إرسال رسلٍ ورسالات .

 

وكلما تطورت الأنظمة في مجالات العلوم والصناعة تشتد الحاجة إلى الإنفتاح والتواصل بين الدول والشعوب، وهذا ما يتحقق بالحوار الجاد بينها بحثاً عن قيم التسامح والعدل، لأن الحوار الجاد لتلك الغاية السامية هو الذي يضمن استمرار تقدمها ويجنب المجتمع البشري مخاطر التطور في صناعة آلة الحرب المدمرة، وهو الذي يزرع الثقة بينهم ويبدد مخاوف الإنهيار والدمار.

ولا شك بأن القيم الدينية تقوم بدور فعال ومؤثر في هذا الجانب،  لأنها مصدر تعليم للإنسان يزوده بالتعاليم المفيدة والإرشادات النافعة في إصلاح مسيرة الحياة الإجتماعية، وهي كفيلة لو طبقها الإنسان في سلوكه بأن تصنع منه إنساناً يسعى إلى الخير العام ويتخلى عن استخدام وسائل الشرّ والخراب، ويزرع بدلاً من ذلك الوئام والإنسجام والسلام بين جميع بني البشر، لأنها تشتمل على قيم روحية ومبادئ إنسانية تنمّي في نفسه عوامل الخير والصلاح وتنزع منها نوازع الشرّ والفساد، فيبتعد بها عن الظلم ويسعى لإقامة العدل وتجعله كارهاً للتّسلّط والإستغلال وحب السيطرة والعدوان.

وبتمسك الإنسان بتلك القيم وتجسيده لها في حياته يستحق أن يكون خليفة الله في أرضه وخلقه.

 

وفي اعتقادنا أن الحوار بين أهل الأديان والثقافات يجب أن يبتعد عن مسائل أصبحت في ذمة الماضي والتاريخ،  فالذين ارتكبوا المجازر في الحروب هم أنفسهم يتحملون أوزار ما ارتكبوه، ونحن لا علاقة لنا بما جرى،  ولسنا مسؤولين عن ذنوبهم وخطاياهم، وقد جاء ذلك في القرآن الكريم: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون) (ولا تزر وازرة وزر أخرى).

 

إن وقوع خلافات وحروب في الماضي باسم الدين لا يمكن إنكاره، ولكن الذي يمكننا إنكاره ونفيه هو علاقة الدين بذلك لأن الكتب التي تمثل الدين ترفض الظلم والعدوان وكل تلك الصراعات الدموية بين الأفراد والجماعات البشرية.

 

وفي هذا الشأن نقول إن الحروب والصراعات وما نتج عنها من المآسي في الماضي، لم تكن بسبب الأديان وإنما كانت بسبب سعي الإنسان لتحقيق طموحاته غير المشروعة للسلطة وأطماعه في السيطرة والنفوذ، وقد ظهرت نماذج لهذه الصراعات منذ زمن قابيل وهابيل وقبل ولادة المذاهب والأديان وبعدها.

وعلى سبيل المثال فقد أزهقت الحربان العالمية الأولى والثانية من الأرواح البشرية ما يقارب المئة مليون قتيل والأسباب لم تكن دينية، وإن تم استغلال الأديان أحياناً في بعض الحروب بالباطل والتلاعب بنصوصها وتشويهها من أجل تبرير ارتكاب تلك المنكرات باسم الله والدّين.

فالمسيحية ليست مسؤولة عما جرى من حروب باسمها، والإسلام ليس مسؤولاً عما جرى من حروب باسمه.

فالإنجيل الذي يقول: (لا تقتل)، كيف يكون مسؤولاً عن القتل! والقرآن الذي يقول: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) و(من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً)، كيف يكون مسؤولاً عن القتل والعدوان؟! إنها مسؤولية الإنسان الذي ابتعد بأطماعه وخطاياه عن تعاليم الله، وإنها جنايات وجرائم الإنسان الذي استغل الدين المقدس لمآربه فَحَوَّلَهُ إلى أداة من أدوات تعبئة النفوس بالكراهية والبغضاء وزرع الفرقة بين الناس باسم الله والدين ليصل إلى أهدافه غير المقدسة من السيطرة والزعامة والتّوسّع والتسلط على الآخرين.

 

وإننا بالعودة إلى تعاليم الدين نجد أن الدين ينطلق في نظرته إلى الإنسان من خلال إنسانيته التي يتساوى فيها أفراده بعيداً عن النظر إلى انتماءاتهم العرقية واختلافاتهم في اللغات والألوان والثقافات والديانات.

وهذا التعدد في الأفراد والجماعات والتّنوّع في الأعراق والديانات والثقافات وإن كان يعني وجود المختلفين فيها واقعاً وحقيقةً، ولكنه لا يعني بالضرورة تفاضلاً وامتيازاً لعرق على آخر، ولا لذي لون على ذي لون آخر، ولا لذي لغة على ذي لغة أخرى، لأن معيار التفاضل في نظر الدين ليس في تلك الاختلافات والانتماءات، فهم جميعاً يرجعون في الخلق إلى أصل واحد، كما ورد في الحديث: (كلكم لآدم،  وآدم من تراب).

-الناسُ من جهةِ التِّمْثَالِ أَكْفَاءُ / أبُوهُمُ آدمٌ وَالْأُمُّ حَوَّاءُ

فإن يكنْ لهمُ من أصلهم شرفٌ / يفاخرون به فالطينُ والماءُ

 

ويرى المتتبع للتعاليم الدينية في الكتب السماوية دعوتها الواضحة إلى الأخوة الإنسانية بين جميع بني البشر لتساويهم في أصل الخلق والتكوين.

فكل فرد من البشر هو مساوٍ لغيره ومعادل له في الإنسانية الموجودة في أفراد الأمم والشعوب على حدٍّ سواء، وقد ورد في القرآن الخطاب لكل الناس: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). وورد في الإنجيل أيضاً: (أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى؟).

فهذه المساواة في أصل الخلق تبطل كل دعاوى الإمتياز في العنصر، والله يقول في القرآن الكريم (وكرّمْنَا بني آدم) و(إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم).

وهذا يعني أن معيار التفاضل عند التعدد والإختلاف هو في التقوى التي تعني العمل الصالح الذي يشمل حسن العلاقة مع الآخر ومنفعته، كما ورد في الحديث: (الخلق كلهم عيال الله، وأحبُّهم إليه أنفعهم لعياله) و (أحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره لغيرك ما تكره لنفسك).

وكما ورد في الإنجيل: (كل ما تريدون أن يعاملكم الناس به، فعاملوهم أنتم به أيضاً: هذه خلاصة تعليم الشريعة والأنبياء) وفيه أيضاً: (وإن سلّمتم على إخوتكم فقط فأيَّ فضل تصنعون؟ أَلَيسَ الْعَشّارون أيضاً يفعلون ذلك؟).

وفي الحديث الديني: (ليس منا من دعا إلى عصبية) و(لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) ومنه أيضاً: (إذا كان لا بد من عصبيةٍ فليتعصبوا إلى مكارم الأخلاق وإلى محاسن الأمور وإلى محامد الأفعال).

فكل دعوة فيها انحياز من صاحبها إلى قومه بالباطل هي دعوة مرفوضة دينيّاً لأنها تخالف العدل،  وقد جاء في العهد القديم: (وَأَوْصُوا بَنِيكُمْ بِعَمَلِ الْعَدْلِ وَالصَّدَقَاتِ) وفيه أيضاً: ( لأنّ الربّ عادلٌ ويحبُّ العدل).

وقد ورد في القرآن الكريم قول الله تعالى:(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وفيه أيضاً (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).

وهذه التّعاليم الدينيّة التي تظهر بطلان دعوات الحروب باسم الدّين التي وقعت في الماضي هي اليوم أيضاً تكشف لنا كذب وبطلان دعوات التطرّف والإرهاب وبثّ الكراهية بين الشعوب والأديان باسم الدين، وتبيّن لنا أنها حركات مشبوهة تستغلّ الدين في صراعاتها من أجل الوصول إلى غاياتها في السلطة والسيطرة.

وقد عشنا معاً في هذا الشرق -قبل ظهور هذه الحركات الإرهابية- بسلام ووئام ونحن مختلفون في الدين، ولقاؤنا اليوم في دولة الإمارات بلد التسامح والتعايش الإنساني بين جنسيات متنوعة وديانات متعددة هو رسالة من هذا البلد إلى العالم بأسره نقول فيها بأننا متمسكون بهذا العيش بسلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

 

معاً عشنا بأر ضِ الشرقِ دهراً       نصارى إخوةً للمسلمينا

ونحنُ على خُطى الأجدادِ نمضي      بإيمانٍ وعزمٍ لن يلينا

ونبقى الأوفياءَ لما وَرِثْنَا           بِسِلْمٍ وَاعْتِدالٍ مؤمنينا

نصونُ بذاك عهدَ العيشِ أهلاً    ولن نرضى بغيرِ الحبّ دينا

 

وما أحوج البشرية اليوم إلى مثل هذه التعاليم الدينية عن العدل والتسامح والأخوة الإنسانية، فبهذه التعاليم وتجسيدها بقوانين تحكم سلوكياتنا وأنظمتنا السياسية تزدهر المجتمعات البشرية وتستمر على طريق الأمن والسلام، وتدفع عنها مخاطر الإرهاب والحروب وويلاتها ومآسيها.

 

كلمة العلاّمة السيد علي الأمين في المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية – أبو ظبي – شباط 2019

#البابا_فرنسيس
#شيخ_الأزهر
#لقاء_الأخوة_الإنسانية #PopeFrancisInUA #HumanFraternityMeeting

The post كلمة العلامة السيد علي الأمين في افتتاحية لقاء الأخوة الإنسانية appeared first on السيد علي الأمين.

]]>
19888