الأربعاء , أكتوبر 20 2021
سؤال وجواب

أجوبة استفتاءات ومسائل فكرية متعددة

أجوبة استفتاءات ومسائل فكرية متعددة

السائل: سماحة العَلاَّمة الفقيه المجتهد السيد علي الأمين حفظه الله وأطال عمره بالعافية والخير والبركة ، أريد معرفة  رأيكم الفقهي بمسائل منها :

1 – هل حُكْمُ الجزية في الآية القرآنية باقٍ إلى يوم الدين ويجب إقامته حين القدرة والإستطاعة ؟

2 – وهل حكم السَّبْي والإسترقاق باق إلى يوم الدين فيجوز السبي والإسترقاق حين القدرة والإستطاعة عليه ؟

 

جواب ١و٢- إن وجهة نظرنا في مسألة الحروب التي كانت في عهد رسول الله (ص) والتّشريعات الواردة فيها كالجزية واتخاذ النساء والرجال غنائم حرب واعتبارهم من الأشياء التي يملكها الإنسان هي أحكام ظرفيّة فرضتها قوانين الحرب التي كانت سائدة في المجتمع البشري قبل الاسلام، وللتخلص من هذه الأوضاع الطارئة والموروثة فتح الإسلام أبواب الحرية لهم عبر إيجابه تحرير الرّقاب من العبودية والرّق في موارد عديدة وعبر تشجيعه على العتق التطوّعي كما ورد ( من أعتق عبداً أعتقه الله من النّار) وقد سمّي الإمام زين العابدين (ع) بمحرّر العبيد حيث ورد في بعض الروايات أنه كان يشتريهم  ويحررهم  في شهر رمضان المبارك.

ولذلك يقال بأنّ تلك الأحكام -على تقدير القول بثبوتها في عهد الرسول(ص) بالشكل المروي في بعض كتب السيرة- قد انتفت فيما بعد في المجتمعات الإسلاميّة لانتفاء موضوعها فليس هناك من عبيدٍ ولا إماء،وليس هناك من جزية سوى الضرائب التي يدفعها المواطنون للدولة.

وهنا وجهة نظر في أصل ثبوت الجزية، وهي القول بعدم ثبوتها على أهل الكتاب الذين لم يدخلوا في الحرب، وإنما هي على الفئة التي دخلت الحرب وطلبت بعدها الصلح فتفرض عليها الجزية، ولا تشمل الذين لم يدخلوا في الحرب استناداً لقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحبّ المقسطين).

وهذه الآية مضافاً إلى قوله تعالى(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) تدل على أن الدعوة إلى القتال ليست عامة لكل من رفض الدعوة الإسلامية من أهل الكتاب وغيرهم خلافاً لما يذكره الفقهاء في أبحاثهم الفقهية التي لم تأخذ بنظر الإعتبار ظروف الحرب وأسبابها الموضوعية وأطرافها ومقاصدها التي يظهر منها انحصارها بالدفاعية.

والحاصل أن قوانين الحرب ينبغي أن نفهمها على ضوء آيات القرآن الكريم التي تشكل المرجع الأساس لأخبار السيرة وغيرها.

وقد تطورت النظرة إلى مواطني الدولة الإسلامية واعتبارهم رعايا متساوين تجب المحافظة عليهم كما جاء في عهد الإمام علي عليه السلام إلى مالك الأشتر عندما ولّاه على مصر التي كانت تجمع بين المسلمين والمسيحيين حيث جاء فيه: (…وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة والمحبّة لهم والعطف عليهم واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان، إمّا أخ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق) والله أعلم بحقائق الأحكام عليه التوكّل وبه الإعتصام.وللمزيد يمكن الرجوع في هذه الموضوعات وغيرها إلى كتابنا(زبدة التفكير في رفض السبّ والتكفير)ص-٥٣-٠

 

3 –  هل يجوز للوالد تزويج إبنته من رجل قبل بلوغها السن الشرعي بمقتضى ولايته عليها ؟ كما هو متفق عليه بين فقهاء المسلمين ؟

4 – وهل يجوز للوالد تزويج إبنته قبل بلوغها سن الرشد – ( وهو فوق سن البلوغ الشرعي بسنوات ) – بمقتضى ولايته عليها من دون موافقتها ؟

 

جواب ٣و٤ المستفاد من النصوص الدينية أن ولاية الأب على أبنائه الصغار إناثاً وذكوراً هي ولاية حفظ وصيانة تتضمّن رعاية المصلحة التي تعود إليهم في أنفسهم وأموالهم، وحيث لا تكون في التصرّف الأبوي مصلحة تعود على الصغير تنتفي الولاية ويبطل التّصرّف شرعاً. ومنه تزويج الأب لابنته الصغيرة قبل البلوغ من صغير أو كبير،وكذلك هو الكلام في تزويج ابنته البالغة، فإن كانت راشدة توقف تزويجها على موافقتها،وإن لم تكن راشدة لم يصح ولو حصل ذلك بإذنها.

 

5وهل يجب قطع يد السارق حين القدرة على ذلك ؟

6 وكم يجب أن تكون قيمة المسروق حتى تُقْطَع يده ؟

 

جواب ٥و٦- في كتابنا سلسلة الدروس في علم الأصول ذكرت في بحث المجمل والمبيّن أنه وقع الكلام في أفراد مشتبهة منهما،كآية السرقة (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما )وقد قيل بإجمالها باعتبارين:الأول، لعدم وضوح المراد من القطع،فهل هو بمعنى البتر والفصل،أو هو بمعنى الجرح،كما ورد في آيةٍ أخرى(وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)،والإعتبار الثاني:لعدم وضوح المقدار المطلوب الذي تعلق به القطع،فهل هو تمام الطرف أو بعضه؟،وتمام الكلام في محله. ولكن المقصود من ذكره هنا الإشارة إلى القول بأن كلمة القطع لا تعني البتر والفصل بالنسبة إلى يد السارق،وهذا المعنى هو ما يتفق مع الواقع التاريخي الماضي حيث لم ينقل فيه على طوله حصول البتر لليد في المجتمع الإسلامي إلا في حالات نادرة ومعدودة.

فالغاية من العقوبات هو حصول الردع، وهو لا ينحصر بتلك الكيفية ولا بتلك الأدوات التي اعتمدت في تطبيق تلك العقوبات.

ولذلك قلنا بأن العقوبات التي لم ترد في القرآن الكريم كحدّ الرجم وحدّ المرتدّ يقع الكلام في أنها هل هي من التشريع الثابت لهذه العقوبة؟ أم أنها كانت من باب التدبير المؤقت الذي اختاره الحاكم لظروف وأسباب خاصّة ينتهي بانتهائها؟ وتندرج حينئذٍ تحت باب التعزيرات التي يترك فيها الأمر للحاكم كما تقدّم.

وكذلك يقع الكلام في الآليات والكيفيات التي ذكرت في تنفيذها من حيث لزوم الإعتماد عليها أو تركها واعتماد غيرها مما تتحقق به الغاية.

ولذلك فقد بحث بعض الفقهاء في كتاب الحدود ونظام العقوبات في أمرين:

الأول:في انحصار العقوبة بالمنصوص عليها وعدمه.

والثاني : في أدوات التنفيذ.

ومنهم من يذهب إلى عدم الإنحصار بها إنطلاقاً من مقاصد تلك العقوبات ومن أن الأدلّة لم تكن في مقام التعيين والحصر بها عند ذكرها، وإنما كانت في مقام الإعتماد عليها بما هي من الوسائل الرادعة، وليس لانحصار الردع بها، ولذلك لم تنحصر الأفعال الموجبة للعقوبة بتلك الأسباب المنصوصة، بل كانت في مقام ذكرها باعتبارها من الموجبات البارزة، ولذلك ثبتت موجبات أخرى للعقوبات اندرجت في باب التعزيرات، ويقال هذا الكلام في نفس العقوبات الثابتة أيضاً.وعليه فإن كانت هناك عقوبة أخرى يتحقق بها الردع فلا موجب للإنحصار في المنصوص عليها.

والحاصل أن مقاصد العقوبة في الشريعة هي الردع والتّأديب كما يستفاد من مجموع أدلّتها، وليس هناك من غاية أخرى وراء تشريعها، فهي ليست نظير العبادات المعدودة عند الفقهاء من الواجبات التّعبّديّة والأمور التوقيفية التي يقتصر فيها على صيغتها الواردة عن صاحب الشرع.

والحدود لا تختلف عن التعزيرات في المقصد والغاية، فكما أن التعزيرات تُرِكَتْ لتقدير الحاكم لما يتحقق به الردع، فلماذا لا يكون ذلك في الحدود أيضاً بلحاظ تطبيقاتها ومقاصدها ووسائل تنفيذها، ومجرد التسمية لهذه بالحدود ولتلك بالتعزيرات لا يحدث فرقاً جوهريّاً بينهما في المقاصد والغايات.

 

7 وهل يجب قتل المسلم إنِ ارتد عن دين الإسلام ؟

جواب ٧ قاعدة نفي الإكراه في الدين المستفادة من آيات عديدة من القرآن الكريم،منها قول الله تعالى(لا إكراه في الدين) تشمل المسلم المرتدّ وغيره،وقد ذكرنا في كتابنا(زبدة التفكير في رفض السبّ والتّكفير) ص-٢٥-٢٦- أجواء الحوار والإنفتاح التي كانت تجري بين الإمام الصادق وبعض أهل التشكيك والزندقة في مكة ولم يطلب بإقامة حد الإرتداد عليهم ولم يصدر الفتاوى التي تستباح بها دماؤهم لأجل أفكارهم.

 

8 وهل يجب الخمس بفاضل المؤونة وأرباح التجارة ؟وإذا كان واجبا حسب اجتهادكم فالسؤال التالي :

فقهاء الشيعة قالوا بأن هذا الواجب لم يكن بعهد النبي ولا بعهد 5 من الأئمة الأوصياء ولقد تم بيان وجوبه في عهد الإمام جعفر الصادق فهل يُصْبِح حكم الإمام جعفر حكم الله كما هو حكم الرسول ؟ هذا إنْ سلمنا بأن جعفر الصادق حكم بوجوب هذا النوع من الخمس .

 

جواب ٨ إنّ البحث الفقهي عن الخمس يحتاج إلى دراسة فقهيّة مفصّلة لا يتّسع لها المجال هنا. والمعروف عند الفقهاء أنّها مسألة اجتهاديّة فرعيّة، استدلّوا عليها بالكتاب و السنّة والإجماع وفيها مناقشات عديدة ولا مانع من بقائها على بساط البحث العلميّ فهي ليست من المقدّسات الّتي لا يصحّ الإجتهاد فيها بما يخالف نصوصها الصّريحة والواضحة.وقد عاصرت في مدرسة النجف بعض كبار المجتهدين وكان يقول بسقوط وجوب الخمس في أرباح المكاسب.ولذلك نقول بأنّ النتائج الفقهيّة التي توصّل إليها الفقهاء بالبحث والنّظر ليست نتائج نهائية لا تبديل فيها فإن المقدّس عندنا هو النّص الدّيني بعد ثبوته وليس ما فهمه الفقهاء منه.

وهناك نصوص مروية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام توجب الخمس في غير غنائم الحرب ،منها ما رواه البخاري في صحيحه (..وفي الركاز الخمس ) وفي سنن أبي داود وغيره عن الكنز يجده الرجل قال النبي عليه الصلاة والسلام (..وإن وجدته في خربة جاهلية، أو في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس).

وروى أيضاً في صحيحه وصيته لوفد عبد القيس (…قال آمركم بالإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان بالله : شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا من المغنم الخمس..).

 

9 – هل تعتقدون  بشرعية الجهاد المسلح لفتح بلدان غير المسلمين وفرض الإسلام عليها بقوة السلاح حين القدرة على ذلك ؟

جواب ٩ وجهة نظرنا في الحروب التي وقعت في عهد رسول الله (ص) أنها كانت من الحروب الدفاعية، ولم تكن لهدف التوسّع وفرض الإسلام على الآخرين بقوة السلاح.

وللإطلاع على المزيد من أحكام هذه الحروب يمكن الرجوع إلى كتابنا: (زبدة التفكير في رفض السب والتكفير)ص-٥٣-.