الإثنين , أكتوبر 21 2019
الرئيسية / بحوث و مؤلفات / الإرهاب بين الدين والسياسة
الامين | الإرهاب بين الدين والسياسة 2

الإرهاب بين الدين والسياسة

الإرهاب بين الدين والسياسة

العلامة السيد علي الأمين

صحيفة الدياركثر الحديث في هذه الأيام عن الإرهاب وتوالت التساؤلات عن موقف الدين وخصوصاً الإسلام من هذه الظاهرة الخطيرة التي ألحقت الأضرار الكبيرة في حياة الناس وأثرت بشكل سيء ومباشر على علاقات الشعوب بعضها مع البعض الآخر وأساءت أيضاً إلى علاقات الدول والأنظمة فيما بينها وأصبحت سبباً لإشعال نار الحرب بين دولة وأخرى مما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى حروب مدمرة في مناطق عديدة من العالم إن لم توضع الضوابط والقوانين التي تحدد الإرهاب وتحدد الأساليب والطرق التي تؤدي للقضاء عليه.

وقد حاولت بعض وسائل الإعلام في غير بلدٍ أن تعطي الإرهاب صفة دينية أو صفة لمنطقة معينة باعتبار أنها تدين بالإسلام مع أن الإرهاب هو فعل ينتسب إلى فاعله الإنسان مع غض الّنظر عن لونه ومعتقده وهو فعل ناشيء عن إرادة واختيار وهما من الصفات الإنسانية العامة والمشتركة بين الأفراد والجماعات.
وفي اعتقادي أن هذه المحاولة تسيء إلى سبل مكافحة الإرهاب وتعطل الوصول إلى النتيجة المقصودة من محاربته لعدم إمكان مكافحة كل مظاهر الإرهاب من حياة المجتمع الدولي إذا حاولنا إدخال عامل الدين أو اللون أو المنطقة في انطباق عنوان الإرهاب على الفعل والفاعل.

إن محاربة الإرهاب مسؤولية جماعية تحتاج إلى تجميع الأفكار والقدرات المتوفرة لدى المجتمع الدولي للقضاء على هذا الشر المستطير ولا يكون ذلك بمحاولات التمييز في وصف الفعل بالإرهاب من خلال هوية الفاعل وانتمائه الديني أو الجغرافي كما يرى ذلك واضحاً في الاستعمالات المتداولة في وسائل الإعلام الغربية والأمثلة على ذلك كثيرة فمنها على سبيل المثال لا الحصر ما جرى في سويسرا مؤخراً عندما قام شخص باقتحام البرلمان وقتل بعض الوزراء والنواب لم تصفه وسائل الإعلام بأنه عمل إرهابي مع ما فيه من القتل البشع للأبرياء والمدنيين بل قالت عنه بأنه إنسان مجنون أو كان مخموراً أو كان مريضاً نفسياً , بينما نرى أن هذا العمل إذا وقع في الجزائر مثلاً فهو عمل إرهابي بل نفس العمل الذي وقع في سويسرا لو كان القائم به غير سويسري بأن كان من الشرق الأوسط مثلاً لكان هذا العمل من الإرهاب البشع عند وسائل الإعلام الغربية، وقيام طالب مدرسة في أميركا بارتكاب مجزرة في الطلاب أو باختطاف حافلة للركاب هو عمل غير إرهابي إذا كان القائم به أميركيا لأن الطالب الفاعل عندهم يكون مختلاً عقلياً أو مريضاً نفسياً.

وقيام بعضهم بتزيين الموت لمئات الأفراد والانتحار الجماعي ليس عملاً إرهابياً وقد ظهر هذا التمييز في انطباق عنوان الإرهاب واضحاً بين عملية التفجير التي جرت في أكلاهوما في المبنى التجاري وبين ما جرى في نيويورك فالأول لم يوصف فاعله المعلوم بالإرهاب والثاني وصف فاعله المفترض والمجهول بالإرهاب وأنه من صنع الأشرار مع أن كل هذه الأفعال هي من صنع الأشرار الذين يقتلون الأبرياء ظلماً وعدواناً .

ومن الأمثلة على ذلك في إيرلندا الحرب بين البروتستانت والكاثوليك هي في وسائل الإعلام الغربية ليست حرباً طائفية أو دينية لكنها إن وقعت الحرب في أندونيسيا فهي حرب طائفية والأعمال التي تجري في إيرلندا من تفجيرات تنال الأبرياء الآمنين لا توصف عندهم بالأعمال الإرهابية بينما التفجيرات التي تقع في الشرق الأوسط أو من شرق أوسطي هي أعمال إرهابية .

وخذ أمثلة أخرى من لبنان وفلسطين وهي تكشف لنا عن التمييز المتعمّد بين فعل وآخر فهو إرهابي بحسب هوية الفاعل لا بحسب قبح الفعل وشناعته فمثلاً تفجير عبوة بدورية للإحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان هو عند إسرائيل عمل إرهابي واغتيال الوزير الإسرائيلي بالرصاص هو عمل إرهابي ولكن قيام إسرائيل باغتيال الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي بطائرات الهليكوبتر مع إبنه (أربع سنوات) وزوجته هو عمل حربي وليس عملاً إرهابياً وقيامها باغتيال حسام الأمين بطائرات الآباتشي وهو بسيارته المدنية هو عمل حربي عند إسرائيل وليس عملاً إرهابياً ،وقيامها بإغتيال أبي علي مصطفى في مكتبه في رام الله بطائرات الآباتشي هو عمل حربي عند إسرائيل وليس عملاً إرهابياً في نظر إسرائيل وأعوانها وهناك الكثير من الأمثلة كاغتيال إسرائيل للكثير من القيادات الفلسطينية في تونس ولبنان وغيرهما .

إقرأ أيضاً  أضواء فقهية على وحدة المناسبات الدينية: اشكالية الحج الواحد وعيد الأضحى المتعدد

-لجنة من علماء الدين والقانون

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل هذه المفارقات الموجودة في الإطلاقات المتقدمة هل الإغتيال بصاروخ ليس إرهاباً والإغتيال بالرصاصة والتفجير هو إرهاب أم أن ما يمارسه الفرد أو المجموعة هو الإرهاب وما تقوم به الدولة من قتل للأفراد وتدمير للممتلكات وتهجير للشعوب ليس إرهاباً !!
فمع وجود هذه المعايير المزدوجة في تسمية الإرهاب ومع وجود هذا التمييز بين الفعلين القبيحين بحسب هوية الفاعل ومنطقته لن يتمكن المجتمع الدولي من محاربة الإرهاب والقضاء عليه.
ولذلك فإننا نرى أن العمل الجاد لمكافحة الإرهاب واستئصال جذوره من هذا العالم يكون بتشكيل لجنة من كبار علماء الأديان السماوية وخبراء الشرائع والقوانين الوضعية لتحديد معنى الإرهاب الذي تعتبر مقاومته غاية لكل الشرائع والأنظمة وتكون هذه اللجنة بإشراف منظمة الأمم المتحدة وعلى أساس التحديد لمعنى الإرهاب تحدد الوسائل والأدوات التي يمكن استخدامها في سبيل إقامة مجتمع دولي نظيف من الإرهاب وعلى كل حال فإن موقف الإسلام من الأعمال الإرهابية ينظر إليها من خلال قبح الفعل الذي لا يتبدل ولا يتغير بتغيُّر الفاعل كما لا يتغّير بتغّير من وقع عليه الفعل فلا فرق في نظر الإسلام في قبح قتل الأبرياء ومصادرة حرياتهم وممتلكاتهم بين أن يكونوا مسلمين أو غير مسلمين كما لا فرق في الإسلام بين أن يكون الفاعل مسلماً أو غير مسلم فإن هذا العمل قبيح بحد نفسه وهولا يختلف باختلاف الوجوه والإعتبارات لأنه من الظلم الذي لا ينطبق عليه غير عنوان القبح ولا يستحق إلا الذم والإدانة وقد جاء في القرآن الكريم الحديث عن هذا المبدأ وهو التجرد عن الكراهية عند إصدار الأحكام على الناس {ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}سورة المائدة-8-{وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}النساء-58-وكل عمل يؤدي إلى زعزعة التواصل بين الشعوب والأمم يكون مخالفاً للغاية من تعدد الشعوب وتنوعها كما جاء في القرآن الكريم{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا}.الحجرات-13-

ومزيدا من التوضيح نقول أن كلمة الإرهاب وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوالله وعدوكم ..}الأنفال-60-

وكلمة الإرهاب في هذه الآية هي بالمعنى اللغوي الذي يعني تخويف الغير وهذا التخويف للآخر على قسمين باعتبار أن الآخر قد يكون عدواً كما في حالة العداء بين دولة وأخرى وقد يكون الآخر بريئاً مسالماً وإن كان في دولة معادية .
والقرآن قد استعمل كلمة الإرهاب في القسم الأول يعني ضد العدو والمقصود من إرهاب العدو هو منعه من المغامرة بشن الحرب من خلال الإعداد والإستعداد كما هو موجود في لغة اليوم بأن الإستعداد للحرب هو الذي يصنع السلم والإعداد بالمفهوم القرآني ليس استخداماً للقوة ضد العدو بل هو عمل سلمي يهدف إلى منع قيام العدو بالحرب وهذا ينسجم مع أهداف الدين في الإنتشار السلمي لدعوته كما جاء في القرآن الكريم مخاطباً المؤمنين بقوله تعالى{ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة}سورة البقرة-208-وقوله تعالى{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}سورةالنحل-125-{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن}سورة العنكبوت46-.

  • وقد تستخدم كلمة الإرهاب ويراد بها من خلال الإستعمال القسم الثاني وهو تخويف البريء المسالم وهذا المعنى تمنع الشريعة الإسلامية من القيام به منعاً باتاً وتعتبره من الكبائر التي تدخل صاحبها النار وله في الدنيا العقاب الشديد وقد عبرت الشريعة السمحاء عن الذي يشهر السلاح لإخافة الآخرين وترويعهم( بالمحارب ) (والمفسد في الأرض) واعتبرت هذا العمل حرباً على الله ورسوله وجزاؤه ما جاء في القرآن الكريم{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف..} سورةالمائدة-33-وقد عقد صاحب الوسائل باباً مستقلاً تحت عنوان( من شهر السلاح لإخافة الناس فهو محارب سواء كان في بلاد الإسلام أو بلاد الشرك)وذكر فيه جملة من الأحاديث الواردة عن الأئمة عليهم السلام بهذا الشأن -الوسائل-ج-18-.
    وذكر في باب آخر روايات تتحدث عن حكم القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه منها(لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه) ومنها (أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه)وفيها أيضاً(لو أن رجلاً ضرب رجلاً سوطاً لضربه الله سوطاً من نار)الوسائل-ج-18-
إقرأ أيضاً  نظرة جديدة في فقه الأقليّات الدينيّة وقاعدة المواطنة

-المحارب

ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الإسلام قد اعتبر من يعرِّض أمن الناس وحرياتهم للخطر ولو بالتخويف فقط محارباً متلبِّساً بفعل الحرب ويعاقب بأقصى العقوبات ، وهذا المعنى للمحارب والحرابة الموجود عند الفقهاء قد يكون هو المقصود كلاً أو بعضاً من إطلاق السياسيين لكلمة الإرهاب والإرهابي وهذا المقدار من الإتفاق في المعنى لا يغني عن البحث في المدلول المتعين من خلال كثرة الإستعمالات المتداولة في أندية السياسة ووسائل الإعلام ولا بد من الوصول إلى معنى موحد يجمع كل مفردات الحرابة أو الإرهاب حتى لا نقع في الخطأ عند القيام بمحاربة الإرهاب ومواجهته فقد يتولد من الأسلوب إرهاب من نوع آخر وعندئذٍ نفشل في مواجهة هذا الخطر وفي كل الأحوال لا يجوز أن نمارس الإرهاب على الآمنين بحجة مواجهة الذين يسلبون أمن الناس وحرياتهم فإن هذا العمل عندئذٍ يكون من باب دفع الفاسد بارتكاب الأفسد ودفع الظالم بارتكاب الأظلم فلا يمكن أن نشرد شعوباً عن أوطانها أو أن نهدم عليها ديارها من أجل معاقبة الإرهابي الذي لم نستطع الوصول إليه فإن الغاية وإن كانت صحيحة ولكنها لا تجّوز التلاعب بأرواح الناس ومصير الشعوب التي قد تتحول بفعل الظلم اللاحق لها إلى إرهاب أشد من الإرهاب الذي نحاربه ! فهل ينتظر المجتمع الدولي من الشعوب إذا هجرت وشردت وقتل أبناؤها ودمرت ديارها أن يحملوا أغصان الزيتون ؟!.

 

جريدة الدّيار – السبت – 27 ت1 – سنة 2001 – عدد 4695