السبت , نوفمبر 17 2018
الرئيسية / رأي وقلم / الاستاذحسن صبرا رسائل رئيس التحرير: المجلس الاسلامي الشيعي ينقلب على مبادىء الإمام موسى الصدر

الاستاذحسن صبرا رسائل رئيس التحرير: المجلس الاسلامي الشيعي ينقلب على مبادىء الإمام موسى الصدر

السنة السابعة و العشرون العدد 1342 – الاثنين 26 آيار 2008-05-26

رحم الله الإمام السيد موسى الصدر حياً أو ميتاً، فقد كان من سعة الصدر، وهي آية الحكم كما قال الإمام علي، بحيث ان أول مجلس شيعي مدني منتخب عام 1975، ضم 90% من خصومه الذين كان بعضهم في تطاوله عليه يتهمه بأنه عميل (سافاك) الشاه.. ومع هذا فقد قال في اول اجتماع للمجلس كما يقول شهوده وأكثرهم احياء حتى الآن: اهنىء الذين فازوا والذين خسروا، وأعدكم بأن اكون رئيساً للجميع وان يكون لكل منكم صوت في ضميري وفي خطاباتي  وفي توجهاتي.

قال الإمام موسى الصدر والوثائق في المجلس (اذا كانت ما تـزال محفوظة ومنها محاضر الجلسات..) لقد اختاركم الشيعة وأنا رئيس هذا المجلس باسم الشيعة وملتـزم بما يختارونه بملء حريتهم وأنا احترم هذا الاختيار.

كان هذا الإمام موسى الصدر.. ولو كان حياً ووجد ان مفتي صور وجبل عامل السيد علي الأمين مخالفاً لرأيه، لما تغير موقفه شعرة واحدة.

 الصدر، ويصدر هذا القرار الخاطىء بحق السيد علي الامين؟فكيف يمكن للمجلس الشيعي الأعلى ان يرتكب هذه الخطيئة بحق الإمام موسى

نحن اذ نتوجه اول الأمر الى الانسان الضمير الطيب والآدمي الشيخ عبدالامير قبلان، فإننا بتنا نخشى عليه من هذا الظلم الذي يصدر عن المجلس بحق انسان سيد مؤمن له وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر المجلس.. ولن نبالغ لنقول ان هناك كثيرين داخل المجلس وداخل الطائفة الشيعية حتى ممن يختلفون مع السيد علي الامين لا يوافقون على هذا القرار الخاطىء بحق الرجل، فحرية الرأي اذا اردنا ان ننطق بلسان شيعي ملتـزم كلام الإمام علي، هي احدى خصائص الانسان وبدونها، يفقد الكثير من انسانيته، فكيف نعاقب انساناً على ممارسة حقه الانساني!

ونحن لن ندخل في جدال اداري – تنظيمي حول حق المجلس في الغاء تكليف احد ابرز قياداته الداعية المستنير السيد علي الامين بمهمته التي تحتاج الى موافقة مجلس الوزراء، حسب قانون انشاء المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى عام 1967، كما في حق تعيينه، فالمسألة أبعد من هذه المخالفة الادارية، لأنها مخالفة بالأصول وأولها اصول الفقه الشيعي القائم على حق الاجتهاد وتعدد المرجعية، بما يتضمنه هذان الحقان من حق الاختلاف.. وهو اختلاف يبدو أحد اطرافه متمسكاً بالكلام ولا يملك إلاه بينما يبدو خصومه متمتعين بكل انواع الاسلحة بدءاً من

المدافع والرشاشات ومجموعات تقتحم المكاتب والمنازل الى مجموعات تجلس خلف المكاتب وتصدر قراراتها ضد الاختلاف وحرية الرأي.

هذه هي القضية،

 ان من حقكم ان تقولوا ان ما يعلنه ويتخذه السيد علي الامين من مواقف هي مواقف واقوال

شخصية لا تلـزم المجلس ولا تلـزم دار الافتاء، وهو ما يحرص على إعلانه بنفسه دون ان يكلفكم حرج الاعلان.

وكان الإمام موسى الصدر لا يوافق ابداً على ما يقوله ويعلنه

اعضاء المجلس ومنهم الشيوعي ومنهم البعثي ومنهم الاشتراكي خاصة خلال الحرب الاهلية التي بدأت عام 1975.. ولكنه لم يعلن مرة واحدة تسفيه احدهم علناً، ولا رفضه مباشرة، بل في احسن الاحوال كان ينتظر فرصة انفراده بأحدهم او بأكثر كي يناقشهم فيما يعلنونه.. ان كان خطأ او كان صواباً.. وفي ديموقراطية فريدة فإن الإمام موسى الصدر كان يعلن موافقته او اقتناعه بما يقوله الشيوعي او البعثي او الاشتراكي اذا وجد فيه جزءاً كبيراً من الصحة او الموضوعية او الصواب.

سقط المجلس الشيعي الاعلى وهو مؤسسة لبنانية لكل الشيعة في لبنان تحت حراب حزب الله وحركة أمل، فإذا كان هؤلاء يمثلون 75% من رأي وجمهور

الشيعة، فإن من حق السيد علي الامين ان يحتفظ بموقعه لأنه يمثل على الأقل 25% من رأي وجمهور الشيعة.. الا يحق لـ 25% من الشيعة ان يكون لهم صوت واحد داخل مجلسهم؟

كان الإمام موسى الصدر يتغنى بحق وقناعة بالتنوع ليس في لبنان فحسب، بل داخل الطائفة الشيعية، وأكثر من هذا انه كان يعتـز بالتنوع داخل المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، واسمعوا من اول مجلس شكله او اول مكتب  سياسي شكله لحركة امل كيف كان التنوع سيد المجلس بتشجيع بل باختيار من السيد موسى نفسه فهو الذي جاء بمن كان صديقاً لبشير الجميل وكان يصغي له ليسأله الموقف هناك وهو الذي اتى بمن كان قريباً من المنظمات الفلسطينية الى المكتب السياسي ليسأله الرأي او الموقف في المقلب الثاني، وهو الذي جاء بالبعثي السابق الى المكتب وهو الذي جاء بمن كان الى جانب مؤسسات الدولة والكيان والميثاق الوطني الى اول مكتب سياسي لحركة المحرومين الأم الشرعي لحركة امل..

لماذا هذا الخروج على خط الإمام الصدر من اهم مؤسساته وهي اهم انجازاته قبل انشائه حركة المحرومين عام 1972 ثم افواج المقاومة اللبنانية (امل) عام 1975؟

ماذا سيبقى من الإمام الصدر اذا طعنت مبادؤه ومواقفه وخياراته والتـزاماته من قلب بيته ومن قلب مؤسساته سواء في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى أو في حركة امل؟

ثم ان هذا الاستسلام من المجلس الشيعي ومن قيادته للحزبيين داخله الذين دخلوه بالتبعية والولاء الحزبي دون أي خيار شعبي حر، يعني ان يتحول المجلس الذي انشىء لخدمة الشيعة في لبنان الى خلية حزبية تتلقى التعليمات من المكتب السياسي لهذا الحزب او ذاك، وهي سابقة خطيرة في عمل المؤسسات الجامعة التي تمثل طائفة وهي ركن اساسي في هذا الوطن.. فماذا لو تحوّل المناخ الشعبي الشيعي يوماً نحو تأييد حزب آخر، فهل هذا يعني ان المجلس سيطرد ممثلي امل وحزب الله لمصلحة الحزب الآخر؟.

 لو كانت هذه السابقة سليمة لكان اقدم عليها الإمام موسى الصدر، اما وانه كان ديموقراطياً حتى العظم فإنها لم تحدث في عهده ولا في عهد خليفته الإمام العظيم الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله.

إنها اخضاع للشيعة لأسوأ حالة عارضها الشيعة في تاريخهم منذ الأزل.. ومنذ ان ثاروا على الظلم في دولة الامويين او على الظلم في دولة العباسيين والتـزموا فيها التقية بناء على فتوى واجتهاد من الإمام جعفر الصادق لحفظ النفس والروح والجسد.. فإذا الآن الفجور في العداء ليس فقط ضد اللبنانيين الآخرين ابناء الوطن، بل وأيضاً ضد الشيعة الآخرين ابناء المذهب!!.

وخضوع المجلس لارادة الحزبيين تبطل عنه صفة التمثيل الشاملة، لكأنه هو الذي يخرج عن الاجماع الشيعي، حتى لو كان الآن

بإخضاعه لحزب الله وحركة امل يمثل 75% من الشيعة.

وليدرك عقلاء المجلس انها مرحلة استثنائية تسود فيها لغة السلاح والتهديد، ولا يجوز له ان يخضع لهذه اللغة الا اذا اراد العقلاء إما حمل السلاح مع حامليه – وطبعاً لم يحملوه حين كان القتال ضد اسرائيل قائماً – وإما الى اعطاء شرعية لحملة السلاح ليس في قتال لبنانيين آخرين بعد ان توقف قتال اسرائيل، انما يضاً لقتال الشيعة انفسهم، وماذا تفسرون ان يعمد المجلس الاسلامي الشيعي الى اصدار قراره الخطيئة ضد السيد علي الامين كمفتٍ لجبل عامل وصور بعد ايام وتحت ضغط مجموعات مسلحة احتلت منـزل السيد ومكتبه؟

من الذي يسيّر المجلس: العناصر المسلحة ام الرؤوس المعممة؟

هذا هو الانقلاب الفعلي الذي يحصل في لبنان.. انه داخل الطائفة الشيعية ومؤسساتها ضد العقول الشيعية المستنيرة والتوحيدية، والتي تعمل العقل وتتجنب الغرائز. تخاطب الضمائر الحية لانقاذ الشيعة وسمعتهم، ولا ترضخ لغرائز الفتية المطلوقين في الشارع للانتقام للإمام الحسين ممن يحبونه ويقدرونه، كأن هؤلاء الفتية الجهلة والمغرر بهم يريدون ان يفرضوا على محبي الإمام الحسين والإمام علي والإمام الحسن من المسلمين السنة ان يكرهوهم، كما يكره غلاة الشيعة خليفتي رسول الله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ويشتمونهما.

انه انقلاب ضد الفكر الشيعي الداعي دائماً الى التنوع والاجتهاد وحفظ حق الاختلاف، وكلها عناوين تراثية اصيلة لدعوة الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان الحديثة.

بدأ حزب الله هذا الانقلاب منذ نشأته وتقليده الايراني تعبيراً عن هذه النشأة، ولكن الخطورة ان هذا الانقلاب بات يشمل حركة امل وجمهورها وهي الوفية حقاً للإمام موسى الصدر انساناً وعليها ان تكون وفية له مبادىء وسلوكاً وأخلاقاً ومواقف ولبنانية وعروبة..

أما ان يصل هذا الانقلاب الى داخل المجلس الاسلامي الشيعي فإننا نربأ بالعقلاء فيه وعلى رأسهم الإمام العاقل الشيخ عبدالأمير قبلان ان يتحول المجلس في عهده الى خلية حزبية تتلقى تعليماتها الأولية من أحد أقبية الضاحية بعد ان يصلها التعميم من سفارة ايران في بيروت وهي بدورها تتلقاها من مكتب التعبئة والتنسيق للحرس الثوري الايراني في أحد أقبية طهران.