الجمعة , نوفمبر 15 2019
الرئيسية / محاضرات / الاسلام وتعزيز الدور المجتمعي للمرأة
الامين | معنى الإسلام في قول الله تعالى ( إن الدّين عند الله الإسلام )

الاسلام وتعزيز الدور المجتمعي للمرأة

الاسلام و تعزيز الدور المجتمعي للمرأة

– العلامة المجتهد السيد علي الأمين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على جميع الأنبياء و المرسلين لا سيما خاتمهم سيدنا و نبينا محمد بن عبد الله و على آله الأطهار و صحابته الأخيار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

إن معرفة الموقف الإسلامي من الدور المجتمعي للمرأة ينطلق في الأساس من نظرة الإسلام الإيجابية للمرأة والتي وضع من خلالها حداً في المجتمع الإسلامي الجديد لتلك النظرة السلبية التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي الّذي كان ينظر إليها على انها انثى وكانت الأنثى عنده مصدراً للعيب و النقص و قد أخبرنا القرآن الكريم عن تلك النظرة الجائرة بقوله سبحانه و تعالى :

 ( ·  وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ·  يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) النحل :58-59

وقد وصلت الحال ببعض القبائل إلى وأد البنات و دفنهنّ وهنّ على قيد الحياة وقد هدّد القرآن و توعّد بقوله :

(·  وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ ·  بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)  التكوير: ٨ – ٩  

ووَضَعَ العقوبات الصّارمة واعتبر الإعتداء على نفس بدون نفس أو فسادٍ في الأرض ، اعتداءاً على الإنسانية وبذلك وضع حدّاً للعدوان على النّفس البشريّة بدون فرق بين الذّكر والأنثى.

وبدأ الإسلام بضخّ المفاهيم الّتي تغيّر تلك النظرة الخاطئة و تبدّلها إلى النّظرة الصّحيحة والموضوعية والّتي قامت على المساواة في الحقيقة والحقوق.

 فعلى مستوى الحقيقة ألغت الشريعة الإسلامية التمييز باعتبار أن مصدر الخلق هي النفس الواحدة لكل من الرّجال و النساء فقال سبحانه و تعالى:

( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) النساء: ١

وجاء في السنّة النبويّة التأكيد على هذه الحقيقة : ( النساء شقائق الرجال) وقد بدّل النّبي نظرة التشاؤم بولادة الأنثى الّتي كانت موجودة في المجتمع الجاهلي بقوله عندما جاؤوا يبشرونه وهم يبدون علامة الأسف بولادة انثىً له ولعلّها كانت فاطمة (ع) فقال لهم:

( الأرض تقلّها والسماء تظلّها وريحانة اشمّها ورزقها على الله) .

هذا على مستوى الحقيقة الواحدة بين الرّجل و المرأة.

وأمّا على مستوى الحقوق بينهما فلا تفاضل بحسب العنصر لأنّه واحد والأنوثة و الذّكورة ليست من أسباب التفاضل و الإمتياز لأحدهما على الآخر.

وقد جعل الميزان في الحقوق هو العمل الصالح فقال سبحانه و تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )الحجرات: ١٣

فالإعتبار في الفضل إنما هو في التقوى وهي من صفات الأفعال ولا علاقة لها بجنس الفاعل.

وقد أكد القرآن الكريم على هذا المبدأ وهو مبدأ عدم التفاضل إلاّ بالعمل الصّالح بقوله تعالى :

(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى) آل عمران: ١٩٥.

( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) النساء: ١٢٤

وجاء في مرويّات السنّة النّبويّة: ( المرأة الصّالحة خير من ألف رجل غير صالح).

 فالاعتبار إنما هو للصّلاح وليست الأنوثة مانعةً من الوصول إلى هذه الدّرجة الرّفيعة من الصّلاح وقد وصلت إليها نساء كثيرات و سقط قبل الوصول إلى تلك الدّرجة رجال كثيرون.

وقد بلغت نساء كثيرات تلك الدّرجة الرّفيعة بالعمل الصالح كما قال عنهنّ الشاعر:

ولو كان النساء كمن عرفنا        لفضّلت النساء على الرّجال

فما التأنيث لاسم الشمس عار      وما التّذكير فخرٌ للهلال

وكما قال الشريف الرّضي:

أنضيت عيشك عفّة وزهادة        وطرحت مثقلة من الأعباء

ما كان يوماً بالغبين من اشترى    رغد الجنان بعيشة خشناء

لو كان مثلك كلّ أمٍّ برّةٍ            غني البنون بها عن الآباء

هذا ما يتعلّق بتصحيح النّظرة إلى المرأة ومن خلال هذه النّظرة نعرف ان موقف الإسلام لم يميز بين الرجل و المرأة في مسألتي الحقيقة و الحقوق بمعنى العدالة في الاستحقاق على قاعدة قوله تعالى: ( وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى)النجم: ٣٩.  

واماّ على مستوى الدّور فإنّ الإسلام لم يمنع المرأة من الخوض في مختلف الحقوق الحياتية و الاجتماعية ويمكن القول على المستوى الفقهي لا توجد على المرأة محظورات بالعنوان الأوّلي في ميدان اعلم و التّعليم والعمل الّذي يحفظ لها كرامتها ومكانتها ولكن الشّريعة أعطت كلّاً من الرّجل و المرأة جملة من التّعليمات والإرشادات الّتي تربط بطبيعة العاقة بين الرّجل و المرأة لمواجهة تحديات الحياة و متطلّباتها لأن الدّور الّذي يقوم به كلّ منهما في المجتمع لا يرتبط بالإمكانات الفكريّة التي لا تفاوت بها بينهما ولا بالحقيقة الذاتية والإنسانية الواحدة الجامعة لهما فحسب وإنما يرتبط أيضاً بجملة من الوظائف الّتي أعدّ لها كل منهما للقيام بها حفظاً لبقاء النوع البشري واستمراره وهذا ما يفرض عليهما العمل على تكوين الأسرة الّتي تشكّل نواة المجتمع ولكلّ منهما دور في عمليّة البناء تفرضه طبيعة الجسد والمهمام الموكلة إليه.

لقد طرحت الشريعة جملة من القواعد العامة ،على سبيل المثال ، الإرشاد للشريكين في مؤسسة الأسرة والعائلة وقد حرص الإسلام على نجاح المؤسسة العائلية الصغيرة لنجاح العائلة الكبيرة في الوطن والشّعب من خلال قيام كل من ركنيها الأساسيين الرجل و المرأة بالواجبات الملقاة على عاتقيهما مع العدالة والإنصاف وإشاعة أجواء المودّة التي ينشأ عنها التعاون والتّراحم والخروج من دائرة المحاصصة والمحاسبة الّتي قد تفسد الرّوابط الوثيقة بينهما.

وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى إشارة إلى العدل والإنصاف ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ )البقرة: ٢٢٨ وفي المساواة في دواعي الحفظ المتبادل بين الشّريكين (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ )البقرة: ١٨٧ ومن خلال ذلك نفهم أنّ قيمومة الرّجل على المرأة في إطار تنظيم الأسرة والعلاقة الزوجية على انها قيمومة إدارة فيها الحماية و الرّعاية في اداء الأمانة الّتي استؤمن عليها وليست قيمومة تسلّط واستيلاء و قهر و تحكّم يمنعها من رفد المجتمع بقدراتها وإمكاناتها مع المحافظة على دورها الأساس في بناء الأسرة وصناعة الإنسان الصالح والمهتم.

إنّنا لا نرى من خلال النّصوص الدينيّة من سيرة النساء في عهد النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده من السلف الصالح ما يمنع من قيام المرأة بدور اجتماعيّ يتجاوز دورها في الأسرة ولكن ليس على حساب نموّ الأسرة وتماسك العائلة لأن المرأة هي مصدر السكينة لها كما جاء في قوله تعالى:

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الروم: ٢١.

وتلك المهمة العائلية النجاح فيها هو الأساس لكلّ مظاهر النجاح في المجتمع ويرجع السبب في ذلك إلى المدرسة التي تخرّج منها أفراده وهي المراة الأم كمال قال الشاعر:

(…. إذا أعددتها اعدت شعباً طيّب الأعراق…)

وقد عظّمت الشريعة من تلك المهمّة من خلال ما ورد من الأجر العظيم على دور المرأة في أسرتها وقد جاء في بعض الروايات الدينية عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام:

( أيما امرأة رفعت من بيت زوجها شيئاً من موضع إلى موضع تريد به صلاحاً – التدبير المنزلي- نظر الله إليها ومن نظر الله إليه لم يعذّبه ) فقالت أم سلمة : يا رسول الله ، ذهب الرجال بكلّ خير فأي شيء للنّساء المساكين؟ فقال صلى الله عليه وآله: ( بلى إذا حملت المرأة كانت بمنزلة الصائم القائم المجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، فإذا وضعت كان لها من الأجر ما لا يدري أحد ما هو لِعِظَمه ، فإذا أرضعت كان لها بكلّ مصّة كعِدلِ عتق محرّر من ولد إسماعيل، فإذا فرغت من رضاعه ضرب ملك كريم جنبيها وقال استأنفي العمل فقد غفر الله لك).

ومن خلال المحافظة على هذا الدّور الأساسي في بناء المجتمع والّذي لا يمنعها من القيام بأدوار أخرى تتناسب معه ولا تلغيه، تكون المراة قد حفظت نفسها وعائلتها ولا يجب أن تُغرّ المرأة عندنا بما يظهر من نجاحات للمرأة في بعض المجتمعات الغربيّة لأن المرأة هناك إذا قلنا بأنها نجحت، فقد نجحت على مستواها الشخصي ولكن المجتمعات هناك تشكو من خسارة العائلة وهي مشكلة تقلق الكثير من علماء الإجتماع والحكومات في الغرب التي بدأت تسعى جاهدة لتشريعات تعيد للعائلة تماسكها وترابطها وصدق الله تعالى حيث يقول :

( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) طه: ١٢٤.

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)المائدة:٥٠.


7-12-2011

كلمة العلامة المجتهد السيد / علي الأمين في – الشؤون الإسلامية، مملكة البحرين في مؤتمر حول المرأة