الخميس , أكتوبر 1 2020
السيد علي الأمين - جنيف

السيد علي الأمين من الأمم المتحدة جنيف: لكتاب مدرسي موحَّد تنشره منظمة الأمم المتحدة

مقر الأمم المتحدة في جنيف، سويسرا

كلمة سماحة العلاّمة السيد علي الأمين، عضو مجلس حكماء المسلمين،

خلال المؤتمر الدولي في مبادرات الأمم المتحدة و رابطة العالم الإسلامي:

(التعدّد الديني والثقافي وثقافة التسامح)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسل الله أجمعين وعلى خاتمهم الرّسول الأمين وعلى آله الطّاهرين وصحبه الميامين وجميع عباد الله الصالحين.
إن التعدد الديني والثقافي هما في عداد السمات الحقيقية القائمة في المجتمع البشري، ولعلّه لم يخلُ منها مجتمع من المجتمعات البشريّة على امتداد التّاريخ منذ أن بعث الله الرسل والأنبياء إلى البشر ، فدعوات الرسل والأنبياء كانت تأتي إلى مجتمعات يمكن أن يكون فيها ثقافات وديانات أخرى سابقة، وكان يؤمن بتلك الدعوات الدينيّة بعض من الناس وكان يرفضها بعض آخر منهم، فكان يحصل بذلك التعدّد الديني والثقافي في المجتمع الواحد فضلاً عن المجتمعات والشعوب الأخرى التي لم يصل إليها صوت الدعوة.
وهذا المعنى من التّعدّد مما يشير إليه قول الله تعالى: (وما كان الناس إلّا أمّة واحدة فاختلفوا) (كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه) فالإختلاف يعني التّعدّد في المختلفين.
وهذه #التعدّدية القائمة في مجتمع الإنسان والمرتبطة بفكره، لم يعمل الفكر الديني على إلغائها، وإنّما سعى ليتمّ التعاطي معها كحقيقة موجودة في العائلة البشرية، فعندما يرفض الدين الإكراه على الإيمان لأنه متروك لإرادة الإنسان واختياره كما جاء في قوله تعالى: (أفأنت تٌكره الناس على أن يكونوا مؤمنين) (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) فهذا يعني تعدّد الإختيارات بين البشر، وهو يعني أيضاً عدم رفض هذا التّعدّد الدّيني الناشئ عن اختلاف البشر في اختياراتهم وأفكارهم، بل يمكن القول بأنّ التّعدّد الديني هو سنّة من سنن الله في خلقه، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ( لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون).
فالله تعالى لم يشأ أن يجعلنا نحن البشر أمّة واحدة، وإنما جعلنا متعدّدين، فلا استنساخ في عالم الأفكار والآراء والإرادات، فالتعدد فيها إذن هو سنّة إلهيّة، والغاية من هذه السنّة الإلهية كما يظهر من الآية هو الإختبار الذي يظهر محاسنها من خلال قيام البشر بالحفاظ على ذلك التّعدّد القائم بالعمل الصالح الذي يعود على المجتمع البشري بالخير وهو المتمثل ب( استباق الخيرات ) الوارد في الآية، وهذا ما تدعو إليه كلّ الشرائع، فالآية تقول لنا: إنّ تعدّدكم في الشريعة والمنهاج أمر طبيعي، ولكن لا تجعلوا من نقاط الإختلاف في الشريعة ومنهج الحياة، عائقاً أمام استباق الخيرات التي تجمعكم على الرّغم من تعدّدكم، فالله الذي خلقكم وبعث إليكم الرسل والأنبياء إليه مرجعكم جميعاً فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون.
إنّها ترسم لنا منهجاً في الحفاظ على التعدّدية الدّينية الثقافيّة، وتقول لنا: إعملوا بالخير الّذي يجمعكم واتركوا ما تختلفون فيه. فإنّ الغاية من جعلكم شعوباً وقبائل هو التّعارف وليس التّصادم كما ورد في الآية : ( يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) وليس هناك من تمايز فيما بينكم على أساس الإنتماءات الدينية والعرقيّة : ( إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ).
وقد أكّدت على هذا المعنى الجامع بين الناس على اختلاف انتماءاتهم نصوص دينيّة أخرى، تؤكّد على أصل المساواة الإنسانيّة بين بني البشر، وهي التي تشكل مصدرا للمساواة في الحقوق بينهم. فهم شركاء في العيش والوجود على هذا الكوكب، ويرجعون إلى نسب واحد كما في الحديث : ( كلّكم لآدم، وآدم من تراب) وقد ورد في العهد القديم: (خَلَقَ الرَّبُّ الإِنْسَانَ مِنَ الأَرْضِ) وأشار إلى ذلك أيضاً القرآن الكريم: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}.
وإذا كنّا مع هذه التّعدّديّة شركاء في العيش والوجود والمنشأ، مع غضّ النظر عن تعدّد الإنتماءات الأخرى الطّارئة علينا كبشر فلا بدّ من صيغة للعيش مع هذه التعدّديّة.
وقد جاءت التعاليم الدّينيّة لتنشر ثقافة التّسامح التي تشكل دعامة أساسيّة لاستمرار التعدّد والتّنوُّع والعيش بسلام، فهي تعلّمنا كيف نتعامل مع الغير أفراداً وجماعات، كما في الحديث: ( أحبب لغيرك ما تحبُّ لنفسك، واكره لغيرك ما تكره لنفسك) وتقول لنا بأنّ الدّين هو المعاملة وأنّ الناس سواسية كأسنان المشط، وأن المسلم من سلم النّاس من يده ولسانه وأن الخلق كلهم عيال الله وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله. إنها تعاليم الشريعة والأنبياء، كما جاء في الإنجيل ( كلّ ما تريدون أن يعاملكم به الناس فعاملوهم به أنتم به أيضاً، هذه خلاصة تعليم الشريعة والأنبياء).
فعندما نريد أن يعاملنا الناس المختلفون عنا بالحسنى، فيجب أن نعاملهم نحن بمثلها، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان. والدين ليس طقوساً فارغة وأشكالاً مختلفة في اللباس وأبنية العبادة، بل هو في السلوك الصالح والمعاملة الحسنة مع الناس.
إنّ ثقافة التسامح هي الّتي تزرع المودّة وتطرد التعصّب من النفوس. وحتّى تصبح ثقافةً تحكمُ السلوك، نحتاح إلى تدوين تلك التعاليم في كتاب مدرسي تنشره منظمة الأمم المتحدة في كل الدول والشعوب، نربّي عليه أبناءنا وأجيالنا في كلّ مدارس العالم وبكلّ اللغات، فالتربية هي أساس البنيان الثقافي الذي يصنع التعارف والتقارب بين الأمم والشعوب، فعندما نربّي أبناءنا على تلك القيم الروحية والإنسانية ونعلّمهم في المدارس أن الأخوّة تتجاوز أفراد الأسرة والعائلة الخاصّة لتشمل كلّ العائلة البشريّة، فنحن بذلك نغرس في نفوسهم الغرسة الصّالحة التي تتحوّل إلى شجرة تثمر الإحترام للآخر المختلف عنا وتنبت الوئام والعيش بسلام.
وبذلك نجنّب شبابنا الوقوع في مصايد التطرّف والإرهاب، ونُبعد عن مجتمعاتنا وشعوبنا عوامل الفرقة والإنقسام، ونعمل على التقارب بين كل الشعوب والأمم وإبعاد شبح الحروب والنزاعات من العالم. ويشملنا حينئذٍ قول السيد المسيح عليه السلام: (طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون).
وفي الختام نقدّم الشكر الجزيل إلى الحكومة السويسريّة على استضافة هذا المؤتمر وإلى رابطة العالم الإسلامي وأمينها العام سماحة الشيخ محمد بن عبد الكريم العيسى على جهوده المتواصلة لنشر ثقافة السلم والإعتدال بين الأمم والشعوب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من مقر الأمم المتحدة في جنيف، سويسرا، كلمة سماحة العلاّمة السيد علي الأمين، عضو مجلس حكماء المسلمين، خلال المؤتمر الدولي…

Posted by ‎Sayyed Ali El-Amine العلاَّمة السيد علي الأمين‎ on Wednesday, February 19, 2020