الجمعة , أكتوبر 18 2019
الرئيسية / رأي وقلم / السيد علي الأمين والحقيقة الناصعة – الدكتور حسان بيضون

السيد علي الأمين والحقيقة الناصعة – الدكتور حسان بيضون

 

السيد علي الأمين والحقيقة الناصعة
سمعنا كلامك المنقوش على حدّ السيف، وقرأنا الكلمات المنحوتة على جبين الحق أمام عيون السماء، وإذا بالحقيقة تفتك بالنظريات والتجلّيات، وكلامك في ارتفاعه واتّساعه يرسم الحركة الداخلية للعقيدة، تلك الحقيقة الناصعة التي نثرت نوراً في دهاليز الظلمات، وفتحت طريقاً إلى التحجر الذي كسرته على مداميكها.
الحقيقة أدخلتنا إلى حيث لم ندخل من قبل، بالكلمة الحرّة التي أزاحت الحجاب عن وجه الحقيقة من خلال صوتك الأبي المغسول بالإيمان وصرختك المدوية التي لملمت بقايا حرام أحلّوه عمداً وحلال حرّموه ظلماً.فهل أدركوا ما تبقّى حقّاً؟ سؤال يقلب صفحات لم يدركوها بعد في الكتاب، سؤال يبدي فتحاً جديداً فيرالذاكرة، غير إن الحقيقة ناصعة كبياض ساحتك وأنت البياض في التاريخ وأنت البياض في المرحلة.
انبثقت كلماتك من ثوب تشبثهم وقلقهم على المشروع السياسي الذي ارتفع نعشه على الهامات وإذا بالحقيقة لديهم مشلولة الخطى أمام غشاوة العيون، لكن لا شيء أوضح من الحقيقة والزمن وحده كفيل بكشف الحقائق كلها.
وانتظرنا ما يتبع من أخ العروبة، فتمخض القلم الذي كنت أكبره لو عفّ منتقداً ولكنها استباحة للأسف وحشر للفجيعة فلم يبق للقلب غير النزيف والدهشة في زمن بات فيه الضماد أشد إيلاماً من الجرح.
وانتظرنا ما يتبع فإذا بالأصابع غير كافية للإختباء خلفها، وندوة الأمين على الدين تستقطب الجميع سوى أخ العروبة الغائب عن سعير النفوس وثورة الوجدان ولغة الضمائر وانقلاب الحق على الباطل الذي أشعل في الضلوع جبال النار وأثار في شرايين القلب العواصف.
قف في محراب الكتابة أيها اليراع حتى يتفجّر الوجع الكامن في كبدي وتدوّي القصيدة الصارخة التي تنبجس من النفس، قف أيها اليراع لتنبش قبور الحقيقة المدفونة في طي الصمت بين أشباه الرجال التي على رؤوسها الطير وأناس شبه محذوفة في لحظات التنائي والتداني تقول :
إذا قالت حذام فصدقوها / فإن القول ما قالت حذامِ
وأنت أيها الثمرة الجميلة التي بقيت وحدها بين الأغصان والأوراق اليابسة، أيها الصفوة الخالدة من تراثنا العاملي الأصيل، أيها الأمين على التاريخ المجبول بالكرامة، هذا التاريخ الذي علمنا أن نقف معتزّين ممتدّي القامة شامخين، ندّخر العنفوان زاداً للمواقف ونختزن الصواعق وقوداً لبناء الكلمة، إن عيونك تستلهم الحقيقة من نور الشمس فقد كبلت رمق الأفق البعيد بصمتها الذي هو أشدّ بلاغة من الكلام ، إنك الهدف المنتظر ، إنك الهدف المنتظر.
إن الحقائق المدفونة في طي الصمت لديك قادرة على قلب المقاييس في كل لحظة، والقيم التي تعلمناها منك علَّمَتنا كيف نحبّ ونصفح، القيم التي تعلمناها منك ألزمتنا أن نترفع عن مباذل الحزازات ونبش مدافن الأحقاد سيّما في عيد الرحمة والتوبة والغفران فلا نريد التعالي هنا ولا التباهي ولكن لا يجتمع الإباء والطمع لأننا نرفض شراء الضمائر ومقايضة الكرامة.
وأخيراً يتوجب على المرء هنا أن يقف برهة ليفكر كيف يجب أن تصان الحقيقة بصدق وأمانة كما تقتضيه الحقيقة نفسها.
فالله سبحانه وتعالى أرسل نوحاً ليعلم قومه رسالات ربه فقال قوم نوح لنوح إنّا لنراك في ضلال مبين.
وأرسل الله هوداً إلى عاد ليعبدوا الله فقال الملأ الذين كفروا من قومه إنّا لنظنّك من الكاذبين، وصالح أُرسل إلى ثمود فقال الذين استكبروا إنّا بالذي آمن به كافرون، وأرسل الله شعيباً إلى مدين فقال الملأ الذين كذبوه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون، لا أقول التقى التاريخ ثانية ولكن على من تقرأ مزاميرك ، على من تقرأ مزاميرك ع، على من تقرأ مزاميرك يا داوود ؟
الدكتور حسّان بيضون
١٩٩٥/٣/١٧/- جريدة التلغراف-أستراليا-