السبت , ديسمبر 14 2019
الرئيسية / رأي وقلم / العلامة السيد علي الأمين عراب التقريب بين المذاهب- جريدة الإنشاء – مصطفى العويك –

العلامة السيد علي الأمين عراب التقريب بين المذاهب- جريدة الإنشاء – مصطفى العويك –

 

تحت قسم الدّراسات في جريدة الإنشاء يتحدّث الأستاذ مصطفى العويك عن الكتاب الجديد لسماحة العلامة المجتهد السيد علي الأمين : السنة والشيعة أمة واحدة (اسلام واحد واجتهادات متعدّدة) قائلاً:

 

إختلف المسلمون تاريخياً، في بعض الأمور الفقهية، لكن هذه الاختلافات لم تمس يوماً جوهر الدين الاسلامي، لذا كان الاختلاف يتركز في أمور لا تشكل البنية الرئيسة للدين الاسلامي.
ويرجع الكثير من المفكرين والعلماء اختلاف المسلمين الى أمور سياسية صرف، لها علاقة بالسلطة والحكم لا أكثر، منذ ان توفى الرسول محمد[ وما مر من أحداث على الخلافة أيام أبي بكر وعمر وصولاً الى مقتل الخليفة عثمان بن عفان، ثم ظهور الخوارج ضد الامام علي، انتهاء بالمعركة السياسة العسكرية بين يزيد بن معاوية والحسين، والتي قضى فيها الحسين عليه السلام شهيداً.
وبعد ذلك بدأت تتبلور الفرق الاسلامية وتظهر الى العلن حيث تشكل أبرزها السنّة والشيعة، وهي تسمية لم تكن موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.
كان الخلاف الأهم بين السنّة والشيعة على مدى التاريخ، هو مسألة الإمامة، ففي الوقت الذي ينظر اليها الشيعة على أنها «رئاسة في الدين والدنيا»، وأنها «ليست قضية مصلحية تناط باختيار العامة، بل هي قضية أصولية وركن من أركان الدين»، يرى أهل السنّة والجماعة ان الإمامة تعني «حراسة الدين وسياسة الدنيا» على حد وصف الإمام الماوردي، ليست من أركان الدين، بل من الواجبات. وبهذا يكون الطرفان متفقين على وجوب الإمامة، وأن على الأمة ان تنقاد لإمام عادل يقيم حكم الله. إلاّ ان الخلاف ينصب حول مصدر هذه الإمامة، هل هي إمامة ربانية كما يقول الشيعة أي الإمام مختار من الله؟ أم إمامة دنيوية؟ حيث ينصب الإمام لعلمه ومعرفته وورعه وهو رأي أهل السنّة؟.
هذا الاختلاف في القراءة لمنطوق الحكم في الاسلام، يعتبر أمراً بديهياً يؤكده حديث الرسول: «اختلاف أمتي رحمة»، شرط ان يبقى الاختلاف في إطاره الحواري والمعرفي ليعطي صورة ناصعة عن رحابة صدر الاسلام، ويدل على حيوية الدين، ويوجد حراكاً فكرياً. والتمذهب يجب ألاّ يطغى على الالتزام بالثوابت الاسلامية والشريعة القرآنية.
إنطلاقاً من هذه الرؤية التوحيدية بين المسلمين، جاء العلامة السيد علي الأمين بكتابه الأخير الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت، بدراسة فقهية وكلامية في مسألة الخلافة والإمامة تُسقط أسباب الخلاف وتثبت حق الاختلاف، حيث يؤكد ان الكثير من أهل السياسة يعيشون على استنفار العصبية الدينية والمذهبية لتعزيز مواقعهم عند طوائفهم، ولذلك لا يريدون خطاب الاعتدال والوسطية الذي يجمع الناس ويلغي الفوارق بينهم نتيجة لحوارات جادة بين المذاهب الاسلامية هادفة للتقريب بينها.
ويوضح العلامة الأمين كيفية توظيف الدين في السياسة لصالح الفئات الدينية، ويصحح بعض المفاهيم المغلوطة لناحية التمذهب حيث يقول: «الإمام علي لم يكن جعفرياً، وأبا بكر لم يكن مالكياً، والحالة المذهبية ليست لازمة للإنسان فهو يكون مسلماً وفقط، لأن المذهبية حالة طارئة على الوضع الاسلامي»، ويضيف: «لا أفهم الانتماء المذهبي بحالة تعصبية، بل بالدور الذي لعبه أئمة أهل البيت عليهم السلام في توجيه المسلمين».
بهذا الكلام العابر للعصبية الاسلامية، والمتجاوز لكل الحواجز المذهبية التي يضعها المتضررون من التقارب الاسلامي – الاسلامي، يؤكد السيد علي الأمين عن جدارة مقولة الكاتب السعودي تركي الدخيل بأنه «إطفائي حرائق الطائفية».
السيد علي الأمين الذي لطالما ردّد أنه لا يجب ان يكون للشيعة مشروعهم الخاص في أوطانهم، بل ان يكون ولاؤهم للدولة التي يحملون هويتها، يؤكد في أكثر من مناسبة ان ولاية الفقيه حدودها إيران، وهو قول فصل مجابه لفلسفة تصدير الثورة الاسلامية في إيران على اعتبار أنها الحدث الذي غيّر وجه العالم الاسلامي في السنوات الأخيرة.
ومشكلة السيد علي الأمين في لبنان أنه متحرر من سطوة ولاية الفقيه على فكره واعتقاده، ومنظر في بناء الدولة اللبنانية وتحويل الفرد اللبناني الى مواطن تحميه الدولة، بدلاً من تركه تابعاً لمذهب هنا ومديناً بالولاء لدولة هناك. لذا كان الثمن الذي دفعه غالياً جداً لدرجة أنه اتّهم بالخيانة على المستوى الشيعي، وقيل بحقه الكثير، وهو المؤمن بدولة لبنانية عادلة تلغي عبارات «الجماعات، المذاهب والطوائف»، وتؤمن الانصهار الوطني الذي يعد المرتكز الأساس لقيام دولة القانون التي تشكل المواطنة عمودها الفقري.
الكتاب يمثل مجموعة حوارات جادة بين المذاهب الاسلامية هادفة للتقريب فيما بينها، تنطلق من مبدأ أساسي وهو ان الاسلام عقيدة وشريعة من آمن بهما صار مسلماً. وفي موضوع الإمامة، يميز العلامة علي الأمين في مفهوم الامامة بين الدين والسياسة ويعتبر ان مفهوم الإمامة بعيد كل البعد عن معنى القيادة السياسية، وهو يشير الى معنى التقدم في الرتبة الدينية ولا يعني مطلقاً الولاية السياسية. والإمامة بهذا المعنى تكون ضرورة اجتماعية، وهي مرتبطة باختيار الناس، أي ان الإمامة الدينية لا تعطي الحق بالإمامة السياسية.
وفي تعريج له حول اختلاف المناهج في الاجتهادات يقول الأمين: «عندما تكون الشريعة التي يجب التقيد بأحكامها واحدة، ومع ذلك يقع الاختلاف في النتائج التي يتم التوصل اليها من قبل الفقهاء والمجتهدين، فإن هذا الاختلاف يعني اختلافاً في المنهج المعتمد لتحديد وسائل الإثبات وسبل الوصول الى الأحكام واختلافاً في طرق الاستدلال وليس اختلافاً في الأهداف الواحدة التي يسعى الجميع للوصول اليها وهي أحكام الله تعالى التي استودعها الله القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأصابه على حد تعبير الإمام علي عليه السلام، فكل من بذل وسعه من أجل الوصول الى الحكم الشرعي الواقعي كان معذوراً على تقدير الخطأ، مأجوراً على تقدير الصواب.
العلامة الأمين يشكل حالة متقدمة تسعى للتقريب ين المذاهب، والتحرر من الاختلافات التاريخية التي تعيق الوحدة الاسلامية وتشكل عائقاً أمامها، وهو صادق في تجرده من أية خلفيات دينية او سياسية، أمين على مرجعية القرآن والسنّة ولا شيء دون ذلك إذ هما فقط ما يحدد الصواب من الخطأ.

 

إقرأ أيضاً  على ماذا يُلام السيد علي الأمين ؟

اضغط للمصدر