الأربعاء , مايو 24 2017
عناوين
الرئيسية / Uncategorized / كلمة العلاّمة السيد علي الأمين : مملكة البحرين – وثيقة المدينة-عقد المواطنة الأول

كلمة العلاّمة السيد علي الأمين : مملكة البحرين – وثيقة المدينة-عقد المواطنة الأول

كلمة سماحة العلاّمة السيد علي الأمين في منتدى
“وثيقة المدينة-عقد المواطنة الأول”

الذي أقامته وزارة العدل والشؤون الأسلامية
في مملكة البحرين

 

إنّ السؤال الذي يطرح نفسه عندما تعدد الجماعات والأفراد،وعندما تتعدد الثقافات والأديان هو عن الصِّيغة العمليَّة التي يمكن الإعتماد عليها في الجمع بين هذه الأفراد والجماعات التي اختلفت في الهوية الدينية والثقافية،لأن التّعدديّة هي مظنّة للخلاف والصراع،ودفعاً لأضرار الخلاف وأخطار الصراع وقع البحث عن السبل التي تؤدي إلى انتظام هذه المجموعات في إطار واحد يجمعها ويشكل مرجعية لها لفض ما يمكن أن يقع من نزاعات فيما بينها، تحفظ حقوقها وتضمن استمراريتها.
فهل من قاسم مشترك يجتمعون اليه ويأوون إلى كنفه،يصون لهم وحدتهم وجماعتهم ويعطيهم الحق في الإحتفاظ بخصوصيَّات التعددية الدينية والثقافية والقبلية والعرقية؟
هذا هو التساؤل الذي حاول الكثيرون من علماء الإجتماع والسياسة والقادة المصلحين الإجابة عليه، مستفيدين في ذلك من تجارب الحكم وأشكاله المتعدِّدة التي مرَّت على المجتمعات البشرية التعددية حيث لا يكاد يخلو وطن من الأوطان، ولا شعب من الشعوب، ولا أمَّة من الأمم من خصوصيَّة التعدُّد في الثقافات والقبائل والأديان والآراء والأفكار وغيرها من الأمور.
والصيغة التي توصل إليها جمع من العلماء والمفكرين وطبقتها دول عديدة في العصر الحديث هي الصيغة المعتمدة على عقد المواطنة التي يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات بعيداً عن الإنتماءات الدينية والثقافية وغيرها من موجبات التعددّد والإختلاف بين الافراد والجماعات.
وقد يرى البعض أن صيغة العيش القائمة على عقد المواطنة هي من إنتاج الفكر المعاصر،وقد ينظر آخرون إلى أن القول بها هو تقليد للغرب، فلا تصح الدعوة إليها ولا العمل بها!

ولكن الناظر بإنصاف إلى تجربة الإسلام الأولى يرى أن هذه القاعدة كانت موجودة فيها بمضمونها،وإن لم يكن التعبير عنها بالألفاظ المتداولة اليوم،فإن وثيقة المدينة المنوّرة التي حصلت بعد وصول الرسول إلى المدينة وبروز ظاهرة التعددّية الدينيّة فيها من خلال المهاجرين والانصار الذين آمنوا بالإسلام الرسالة الجديدة مع وجود مؤمنين بالديانة اليهودية السابقة على الإسلام وغيرها إلى جانب التركيبة القبليّة التي كانت قائمة، تدلّنا- هذه الوثيقة- من خلال بنودها على بداية ولادة جديدة لصيغة ينتظم فيها المجتمع التّعدّدي تقوم على أساس التعاون بين مكوّناته المختلفة.
وقد ورد في بنودها أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب(المدينة) ومن تبعهم على اختلاف انتماءاتهم القبلية والمناطقية هم أمة واحدة،وأن مرجعيتهم فيما يختلفون فيه إلى الله ورسوله،وإن اليهود على تعدد قبائلهم ومواليهم هم أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم،إلا من ظَلَم وأَثِم، وأنه لا يكسب كاسب إلا على نفسه.وإن على اليهود نفقتهم،وعلى المسلمين نفقتهم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محَارَبين،وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة،وإن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم،وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه،وان النصر للمظلوم،وإن النصر بينهم على من دهم يثرب،وأن الجار كالنّفس غير مضارّ ولا آثم،وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم،وأنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه،وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة.
ومن الواضح أن هذه البنود تشكل منطلقاً وقاعدة للعيش المشترك في ظل التّعددّية والتنوّع،وهذا ما ينطبق على المعنى المعاصر المقصود من المواطنة والهويّة الوطنية الجامعة لكل المواطنين.
ويضاف إلى هذه الوثيقة التعاقدية بين مكونات المجتمع أن المستفاد من ظاهر جملة من الآيات القرآنية ومن السنة النبوية الشريفة وسيرتها أنّ بناء المجتمعات والأوطان يعتمد على الأمور التي تشترك فيها جميع المكوّنات في المجتمع والوطن وهي التي تكون منشأً لحقوق الأفراد والجماعات المتواجدة فيه، وهذا ما ينسجم مع اعتماد الهوية الوطنية التي يحملها الفرد بصفته مواطناً يشترك معه غيره من الأفراد والجماعات في هذه الصّفة، وهذه الأمور تكون منشأً لثبوت الواجبات عليه وعليهم تجاه الوطن والمجتمع.

– العدالة والمساواة

وليس في الإسلام ما يتنافى مع اعتماد المواطنة قاعدة في نظام الحكم والإدارة وتوزيع الحقوق والواجبات بعدالة ومساواة بين المواطنين مع اختلاف هويّاتهم الدينيّة والثقافية بل يعدُّ اعتماد هذا الأمر موافقاً لقاعدة العدل والإنصاف المستفادة من آيات عديدة منها قوله تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وقوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)
ولا شك بأن العدالة المأمور بها في الآيات القرآنية منبثقة عن المساواة التي ينظر إليها القرآن الكريم على أنها موجودة بين جميع بني البشر الذين كرّمهم الله تعالى بقوله : (ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا).
وقد عبّر عن المساواة فيما بينهم بقوله تعالى :
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم)،
وقوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة).
ويبدو أيضاً أن هذه المساواة في منشأ الخلق كانت مصدراً للمساواة في الحقوق الإنسانية التي ارتكزت عليها أحكام العدالة.
وإذا كانت المواطنية تعني المساواة بين المواطنين في اكتساب الهوية الوطنية التي كانت مصدراً للحقوق الوطنية، فهي تقع مورداً لتطبيق الآيات عليها،وهذا ما قامت عليه وثيقة المدينة المنورة التي تقدمت الإشارة إليها، وقد كانت المدينة موطناً للأوس والخزرج واليهود والمهاجرين والأنصار، وقد كانت الهوية الدينية مختلفة بين هؤلاء ولكنّ عقد المواطنة جعل الوحدة الوطنية هي الجامع المشترك فيما بينهم، وقد نظرت هذه الوثيقة إلى الجميع على أنهم متساوون بما في ذلك اليهود وقد تضمنت وثيقة العهد الجديد عقداً إجتماعياً أرسى قواعد الأخوّة بين المهاجرين والأنصار وحافظ على العيش المشترك بين المسلمين واليهود وغيرهم من العرب الذين لم يؤمنوا بالرسالة بعد. وأعطتهم الوثيقة المساواة مع المسلمين في المصالح العامة وكفلت لهم حقوقهم على قاعدة التعايش مع الشريك في الوطن المستفادة من قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين).
وقد جعل النبي من التعدد الديني والإنقسام القبلي بالوثيقة مناخاً للوحدة والإنسجام،وكان التحدي الأكبر أمام تكوين المجتمع يتمثل في تحقيق هذه الوحدة التي تشكل الاساس لقيامة المجتمع ونهوضه واستمراره،وقد عبر القرآن الكريم عن النجاح في هذا التحدي بأنه نعمة الله التي يجب أن يذكروها وأن يبقوا متمسكين بها،كما في قول الله تعالى(واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءاً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا).
وبالعدالة في المجتمع زرعت المحبة والإلفة بين أبنائه وهذا ما يعزز الوحدة الوطنية التي تقوم على المحبة والأخوّة، كما فعل النبيّ (ص) الذي صنع الأخوة بين المهاجرين والأنصار وصنع المحبة بين المسلمين وغيرهم من خلال العدالة، قال الشاعر :

هو الحبّ بين الناس يجمع بينهم:
وتزدهرُ الدّنيا به وتقومُ

فما بُنيت إلاّ على الحبّ أمّةٌ
ولا عزّ إلاّ بالحنان زعيمُ

وما بعد نعماء المحبة جنةٌ
وما بعد شحناء النفوس جحيمُ

فأنت عندما تقول (الإنسان الآخر)أو (غيري) فهذا يعني وجود المختلف عنك وهو ليس بالضرورة المختلف معك وإن اختلفت الآراء والأفكار والمعتقدات فأحدكما يساويه الآخر في الإنسانية التي كانت مصدراً للمساواة في الحقوق وقاعدة للعدالة كما تقدّم ذلك من الآيات السابقة الذكر.
وعندما تقول أعيش مع غيري أو غيري يعيش معي فهذا يعني وجود شريك لك في العيش والوطن وفيما يستتبعه ذلك من حقوق و واجبات، وعندئذٍ يخاطبك الحديث: (أحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره لغيرك ما تكره لنفسك).
ولذلك يمكن القول أن وثيقة المدينة المنورة كانت عقداً اجتماعياً نظر إلى الذين يعيشون معاً على أنهم متساوون في المواطنية ومستلزماتها بعيداً عن خصائص الدين والمعتقد. ويؤيد هذا المعنى الذي تقدم من المساواة ما ورد في السنة النبوية الشريفة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (الناس سواسية كأسنان المشط) و (الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله) و (لا فضل لأحمر على أصفر ولا لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). فإن المواطنين قد يختلفون في أصول أعراقهم وأديانهم وانتماءاتهم لكن المشترك بينهم في الوطن الواحد هي المواطنية وهم فيها على حدٍ سواء.
وبعبارة أخرى إنّ هذه النصوص وأمثالها مع شمولها لإزالة الفوارق بين شعب وآخر لا يعيشان معاً وبين أمّة وأخرى بعيدة عنها ولا توجد بينهما علاقات فكيف بالشعب الواحد والأمّة الواحدة التي يعيش أبناؤها بعضهم مع البعض الآخر في وطن واحد؟ فإنّ اعتماد ما يجمعهم في هذه الحالة يكون هو الأولى بالاعتماد والاتّباع في نظام الحياة معاً والعلاقات المشتركة .
والمواطنون هم المعبر عنهم في الفقه السياسي بالرعية كما جاء في جملة من النصوص الدينية منها: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته…) و (كل سائس إمام).. ومما يكشف عن إطلاق كلمة الرعية على المواطنين على حدٍ سواء وإن اختلفت انتماءاتهم الدينية ما ورد في كتاب الإمام علي إلى مالك الأشتر عندما ولّاه على أهل مصر وفيهم المسيحيون الأقباط من غير المسلمين (أشعر قلبك المحبة للرعية واللطف بهم والعطف عليهم ولا تكوننّ سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان (أي الرعية، المواطنون) إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) وقوله: (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية). ولا شك بأن العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات الوطنية هي الأجمع لرضى الرعية (المواطنين)، وهذا يعني أن الحقوق المنبثقة عن الشراكة في العيش والوطن لا يتم توزيعها على أساس ديني وطائفي وإنما على أساس من الإنسانية التي يتساوى فيها الجميع وعلى أساس من الشراكة الوطنية التي جعلت منهم رعية واحدة يستحقون الرعاية والحماية بلا تفاوت وهذا ما نعنيه ونقصده بالمواطنية التي يقوم عليها النظام السياسي الذي يساوي في تشريعاته وأحكامه وقوانينه بين المواطنين مع حق احتفاظ كل فرد أو جماعة بالخصوصيات الدينية والسياسية التي لا تتنافى مع العقد الإجتماعي الذي قامت عليه قواعد النظام،
وهذا ما تضمنه ميثاق العمل الوطني الذي قدمه جلالة الملك حمد للإصلاح فهو يشتمل على المبادئ الداعية لترسيخ الوحدة الوطنية إنطلاقاً من العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

شاهد أيضاً

ولاية الدّولة والحاكميّة: كلمة العلاّمة السيد علي الأمين في منتدى تعزيز السلم – أبو ظبي

كلمة العلاّمة السيد علي الأمين في مؤتمر منتدى تعزيز السلم حول الدولة الوطنية – أبو …