المصالحة بين الزوجين في الطلاق الرجعي على سقوط حق الرجوع
مسائل فقهية
العلاّمة السيد علي الأمين
في مسألة المصالحة على سقوط الرجعة بين الزوجين في الطلاق الرجعي اختلفت الآراء،فمن العلماء من ذهب إلى صحة وقوع المصالحة المذكورة،ويترتب عليها سقوط حق رجوع الزوج في العدة الرجعية إلى زوجته.
وقال بعضهم إذا كان الإبراء من الزوجة مبنياً على المصالحة بينهما بإسقاط حق الرجوع صح ذلك وعليه الإلتزام بعدم الرجوع،وإذا خالف المصالحة ورجع لم يترتب الأثر على رجوعه.
والمنقول عن بعض أساتذتنا-أعلى الله مقامه- في هذه المسألة ما يشبه الجمع بين العوض والمعوض،وهو القول بصحة وقوع المصالحة،ولكنه إذا خالفها وقام بالرجوع إلى زوجته يأثم ويصح منه الرجوع.والذي نميل إليه في هذه المسألة هو القول بعدم ترتب الأثر على هذه المصالحة لفسادها.
والوجه في فسادها على سبيل الإجمال أن المصالحة المذكورة مخالفة لحكم الله في جواز الرجوع،كما ورد في قوله تعالى (…وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ…).
وبيان ذلك : أن ما يطلق عليه الحق في المقام على نحوين، الأول: أن يكون قائماً بين طرفين، بامتلاك أحدهما له على غيره بعقد أو بغيره،كحق الزوجة للنفقة على زوجها،وكحق الدائن على المدين،وكحق الضمان على من أتلف مال غيره، وكحقّ الخيار في فسخ البيع لمن اشترطه.
-الثاني:أن يكون ثبوت الحق له بمعنى امتلاكه لشرعية التصرف بفعل ما تعلّق به الحق،كحق الطلاق وحق الزواج،وحق البيع لما يملك ونحو ذلك،فيقال عنه:له الحق في الطلاق، وله الحق في الزواج،وله الحق في بيع ماله،و…وهذا يعني الحكم بجواز هذه التصرفات شرعاً لصاحب الحق فيها.
وتجري المصالحة في النحو الأول لإسقاط الحق بالإبراء وبالمعاوضة عليه بلا إشكال،لعدم مخالفة ذلك لما ورد من جواز الصلح إلا ما أحل حراماً أو حرّم حلالاً.
وأما المصالحة في النحو الثاني من الحق فلا تقع صحيحة لأنها تخالف الحق المشروع له في القيام بتلك الأفعال والمنبثق عن جوازها شرعاً،وبذلك يكون إسقاط حقه فيها بشرط أو غيره مخالفاً للحكم الشرعي الوارد في الكتاب،وقد ورد في بعض النصوص (شرط الله قبل شرطكم) فيمن شرطت على زوجها عدم الزواج عليها، وبذلك يخرج الشرط عن قاعدة (المؤمنون عند شروطهم).
ومثله ما لو صالحته الزوجة على إسقاط حقه في الطلاق بإسقاط ما لها من المهر في ذمّته، فإن حقه في الطلاق ناشئ من جوازه له شرعاً،فلا يسقط بصلح وغيره،لمخالفته للكتاب كما تقدم.
وبتوجيه آخر يقال إنّ الحقّ المبحوث عن جواز إسقاطه بالمصالحة وغيرها ،تارة يكون جوازه من الجواز الحقّي الذي يرجع إلى سنخ الحقوق القابلة للإسقاط والمعاوضة،وهو ما نعبر عنه بالقول: من كان له حق فيجوز له إسقاطه والمصالحة عليه، كإسقاط الدين من ذمة الآخر، ومثله من له حق الفسخ،والزوجة لها حق النفقة على زوجها…ونحو ذلك مما يترتب فيه الجواز على ثبوت الحقّ،فيقال يجوز له الفسخ،ويجوز له إسقاط حقّه في الدين من ذمّة المدين،ويجوز للزوجة إسقاط حقها بالنفقة .
وتارة أخرى يكون من الجواز الحُكمي،وهو ما نعبّر عنه بالقول(من حقّه أن يقوم به لجوازه) كقولنا : التّعدّد حقّ له لجوازه شرعاً ، ويحق له الطلاق لجوازه شرعاً،فثبوت الحق فيهما مترتب على ثبوت الجواز المعدود من سنخ الأحكام التي لا تسقط بمعاوضة وغيرها ويسقط ما خالفها.
وبعد الذي تقدم يقع الكلام في اندراج المصالحة على إسقاط حق رجوع الزوج في عدة الطلاق الرجعي إلى زوجته في النحو الأول أو النحو الثاني.
والذي يظهر من الآية المباركة ( وبعولتهنّ أحقُّ بردّهنّ في ذلك ) أنّ حقّ الردّ في عدّة الطلاق الرجعي هو بمعنى جواز رجوع الزوج شرعاً إلى زوجته بدون عقد جديد،وهذا يعني أنه من الجواز الحكمي الذي يترتب عليه حقّ التّصرّف والقيام بفعل ما تعلّق به الجواز.
واعلم أنّ التّعبير في الآية الكريمة( أحقُّ بردِّهِنّ ) ليس للدلالة على التفضيل بل فيه الدلالة على الحصر والتعيين،وقد ورد هذ المعنى في عدة آيات،منها قوله تعالى (وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) ومنها(وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ)ومنها (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)،فتدبّر.
فالآية(وبعولتهنّ أحقُّ بردّهنّ)هي في مقام بيان حصر تشريع جواز الرّجوع إليهنّ ببعولتهنّ قبل انتهاء العدّة.وهذا يعني أن البعولة لم تزل قائمة بين الطرفين،وأن الزوجة لم تخرج بهذا النحو من الطلاق عن دائرة الزوجية،ولذا ينحصر جواز الرجوع إليها ببعلها قبل انتهاء العدّة،فهو تشريع بين الذين لم تنقطع العلاقة بينهم.وهذا خلافاً لما يحصل في الطلاق البائن.
وبما ذكرناه يتبين لك أن جواز الرجوع في الطلاق الرجعي هو من النحو الثاني من الحق الذي يرجع إلى الجواز الحكمي الذي تقدم الكلام في بطلان إسقاطه بصلح وغيره.وعليه فيبقى حق الرجوع قائماً بيد الزوج ولا يستحق المال الذي أخذه على إسقاطه.
وبالجملة،فإن الطلاق الرجعي بكل ما يترتب عليه من عدة ومن جواز الرجوع للزوج فيها قبل انتهائها هو من التشريعات الواردة في الكتاب،فيكون ما يؤدي إلى إسقاطها بصلح وغيره باطلاً لمخالفته لما ورد في القرآن وللقواعد المستفادة من الأخبار التي تقدمت الإشارة إليها.والله سبحانه وتعالى هو الأعلم.
الأمين الأمين | موقع العلاّمة السيد علي الأمين