السبت , نوفمبر 28 2020

الهيئات الشيعية اللبنانية المستقلة تكرّم العلامة المجتهد السيد علي الأمين: نريد للمصالحات أن تبحث السلاح غير الشرعي وغير المنضبط ومرجعية الدولة

هل كان يريد الامام زين العابدين من الصحيفة السجّادية وأدعيتها سلطةً ووزارةً؟ وهل كان الامام جعفر الصادق يريد الملك والحكم عندما قال لشيعته كونوا دعاة لنا بأعمالكم وقال: شيعتنا بركة على من جاوروا وسلم لمن خالطوا وإذا غضبوا لم يظلموا؟. والاحزاب الشيعية الدينية اليوم تقول نحن دعاة لكم بأسلحتنا وإذا غضبنا نحتلّ الساحات ونغلق الشوارع ونظلم ذوي القربى”

السيد الأمين: نريد للمصالحات أن تبحث السلاح غير الشرعي وغير المنضبط ومرجعية الدولة

منصور بو داغر ، الثلاثاء 30 أيلول 2008

أقام تجمّع الهيئات الشيعيّة اللبنانيّة المستقلّة حفل إفطار في 29 أيلول 2008 على شرف العلاّمة السيّد علي الأمين حضره حشد كبير تقدّمه ممثّلين عن الجهات الحزبيّة والدينيّة والاجتماعيّة المختلفة. فشارك كل من الوزير ابراهيم شمس الدين والنائب صالح الحركه والنائب غازي يوسف ممثّلا تيّار المستقبل، في حين مثّل الحزب التقدمي الاشتراكي والنائب وليد جنبلاط نائب رئيس الحزب دريد ياغي ومفوض الإعلام في الحزب رامي يالريّس. حزب القوّات اللبنانيّة مثّله الدكتور جورج سعاده. وحضر عن حركة التجدّد الديمقراطي الدكتور أنطوان حداد. ومثّل مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ محمّد دالي بلطا، أما شيخ عقل الطائفة الدرزيّة فقد مثّله الشيخ سامي أبو المنى. ومثّلت بروجيت والكر السفارة الاميركيّة، وعن السفارة العراقيّة حضر القائم بأعمالها منهل الصافي. كما شارك في الافطار نقيب الصحافة محمّد البعلبكي وصاحب جريدة السفير فيصل سلمان.

العلاّمة السيّد علي الأمين ألقى كلمة شكر فيها تجمّع الهيئات الشيعيّة مقدرًا “مواقفهم الجريئة التي عبّروا من خلالها رفضهم الاصطفافات المذهبيّة التي ظهرت خلال السنوات الفائتة نتيجة السياسات الخاطئة التي اعتمدتها بعض الاحزاب الدينيّة والقوى السياسيّة”. وأشار إلى أنّ هذه الهيئات “قد عبّرت بأشخاصها وجماعاتها وتجمّعاتها عن وعي عميق لمخاطر الفتن الطائفيّة والمذهبيّة وعن إبرازها الرفيع المستوى لمصلحة الوطن والفهم الحضاري للدين وأبعاده الانسانية التي ترفض الانحياز للقبيلة والعشيرة على حساب الوطن الجامع والحق الساطع وروابط العيش المشترك”. ورأى السيّد الامين في مواقف التجمّع “رفضا لقيمٍ جاهليّة تقوم على روابط المذهب والحزب والطائفة وكانت تقوم في الماضي على المذهب والعصب العشائري حيث شكّلت العشيرة والقبيلة المدرسة الوحيدة له في المعرفة كما عبّر عن ذلك الشاعر الجاهلي بقوله “وما انا إلا من غزيّة إن غوت غويت وإن ترشد غزيّة أرشدِ” وقد رفضها النبي الاكرم المبعوث ليتمّم مكارم الاخلاق فساوى بين الناس وقال “الناس سواسية كأسنان المشط، ولا فضل لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”. فالانسان الذي لم يكن موجودا خارج القبيلة والعشيرة في تلك القيم الجاهليّة أصبح أخا في الوطن وفي الانسانيّة. وقال تعبيرا عن رفض تلك القيم الجاهليّة “أنصر أخاك ظالما كان أو مظلوما” فقالوا يا رسول الله ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما، قال بنهيه عن الظلم”.

السيد الأمين أكّد “أنّ هذا هو الموقف الذي وقفناه واتخذناه واتخذته الهيئات والشخصيّات الشيعيّة المستقلّة التي سلكت طريق الوسطيّة والاعتدال، فرفضت الانغماس في الصراعات التي جرت تحت عناوين مختلفة مدركة المخاطر المترتّبة على ذلك، عارفة بالواجب الديني والوطني الذين يدفعان المرء ويدعوانه للحفاظ على الوحدة بين أبناء الوطن الواحد وعيشه المشترك وسلمه الاهلي”. لافتًا إلى أنّ “الرأي الآخر قد عبّر داخل الطائفة الشيعيّة عن حضوره رغم الصعوبات التي فرضتها القوى الحزبيّة المهيمنة على الطائفة الشيعيّة، ورغم الاجراءات القمعيّة التي استخدمت ضدّ بعض مواقعه وأفراده. وازداد أنصار هذا الرأي وقوي حضورهم الفاعل والمؤثّر وقد تجلّى هذا الحضور بكسر الوكالة الحصريّة في السلطة التنفيذيّة بتوزير الشيخ إبراهيم شمس الدين تأكيدًا على أنّه لا يمكن لحزب أو مؤسّسة أو جماعة أن تختزل مذهبًا أو طائفة فضلا عن اختزال وطن التعدّديّة والطوائف المختلفة وبلد التنوّع والعيش المشترك بين المسيحيّة والاسلام”.

وأضاف الامين “هذا الظهور للرأي المستقل داخل الطائفة الشيعيّة لم يقتصر على الساحة اللبنانيّة بل أصبح مسموعًا في الوطن العربي رغم محاولات تغييب القوى التي قامت بها تلك القوى المتسلّطة على الساحة الشيعيّة، والتي حاولت جاهدة ولا تزال أن تعطي صورة واحدة عن الشيعة والتشيّع وهي صورة البحث عن السلطة والنفوذ والهيمنة بكل ثمن منذ عقود من الزمن حيث تمكّنوا من خلال إمكاناتهم الاعلاميّة والسلطويّة أن يخفوا التعاليم الاساسيّة والنهج الآخر الذي درج عليه الشيعة منذ عصور أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين ابتعدوا بشيعتهم عن الصراع على السلطة وأعطوا البعد الروحي والثقافي لحركة التشيّع التي قادها الامام زين العابدين بعد استشهاد أبيه الحسين عليه السلام، والتي حفظت وحدة الامّة من الانقسامات المذهبيّة الحادة وقلّلت من آثارها السلبيّة واستمرّت عليها الائمّة من بعده يحملون لواء العلم والمعرفة بعيدا عن صراعات السلطة والتنازع عليها. وقدّموا النماذج الرفيعة والصالحة في مشروع المشاركة في السلطة كـ “علي بن يقطين وصفوان الجمّال وغيرهما من أصحاب الائمّة عليهم السلام دون بحث عن نفوذ وهيمنة”.

السيد الامين شدّد في كلمته على أنّ “الاحزاب الشيعيّة الدينيّة قد أعطت صورة مغايرة لهذا العصر عن الشيعة والتشيّع وأبعدوا عنهما العالم الروحي والثقافي ليُتاح لتلك الاحزاب والقيادات التي وصلت إلى الحكم والسلطة في بعض البلدان الاستمرار في الهيمنة مستخدمين منطق القوّة بعيدا عن قوّة المنطق”. وقال: “لست أدري ما هي العلاقة بين دعاء أبي حمزة الثمالي الذي نضعه على بعض الاذاعات وبين ما جرى في شوارع بيروت والجبل وما يجري في العراق”. متسائلاً: “هل كان يريد الامام زين العابدين من الصحيفة السجّادية وأدعيتها سلطةً ووزارةً؟ وهل كان الامام جعفر الصادق يريد الملك والحكم عندما قال لشيعته كونوا دعاة لنا بأعمالكم وقال: شيعتنا بركة على من جاوروا وسلم لمن خالطوا وإذا غضبوا لم يظلموا؟.

فإذا بهذه الاحزاب اليوم تقول نحن دعاة لكم بأسلحتنا وإذا غضبنا نحتلّ الساحات ونغلق الشوارع ونظلم ذوي القربى، ونرفض الرأي الآخر مع أنّ المذهب قام على تعدّد الآراء واختلاف الاجتهادات في الدين”، مضيفًا “فكيف لا يجوز اختلاف الرأي في السياسة. ونحن سنبقى نكافح بالكلمة والموقف رافضين أن يكون لنا سلاح آخر من أجل تظهير الرأي الشيعي الآخر ببعده الروحي والفكري والثقافي ونعمل من أجل قيام الدولة بمسؤوليّاتها تجاه جميع المواطنين حتى تصبح وحدها المرجعيّة الوحيدة في كلّ شؤون البلاد السياسيّة الدفاعيّة والامنيّة والاقتصاديّة بنظامها البرلماني الديمقراطي… هذا هو مشروعنا الذي نلتقي به مع كلّ الاطراف الداعية والساعية بجد إلى بناء دولة العدالة الاجتماعيّة والمساواة الانسانيّة بعيدا عن كل الارتباطات الخارجيّة رافضين الوكالات الحصريّة في كلّ الطوائف وعاملين على رفع الهيمنة الحزبيّة عن المؤسّسات التي يجب أن تخضع للقوانين”. وقال: “هذه قناعتنا وهذا هو رأينا الذي سنبقى عنه مدافعين رغم الظلم والاذى الذي لحق بنا وبالوطن من أبناء جلدتنا وإخواننا وليس في ذلك انتقاص لقدرنا كما قال الامام علي عليه السلام (وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكًا في دينه ولا مرتابًا في يقينه). وإيمانا منّا في الحديث المشهود والمتواتر (إنّ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان أجلا ولا يقطعان رزقا) وعملا بقوله تعالى <ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون> ولا يوجد منكر أعظم من الشقاق والانقسامات التي تؤدي إلى سفك الدماء وهدم الاوطان، وقد جاء في الذكر الحكيم <ومن قتل نفسا  بغير نفس أو فساد في الارض فكأنّما قتل الناس جميعا> لذلك وقفنا متعجّبين من بعض المرجعيّات الدينيّة التي حرّمت إحراق الدواليب ووقفت على الاقل صامتة عن الذي جرى في بيروت وفي الجبل أمام سمعها وبصرها”.

وأكّد السيّد الأمين تأييده للمصالحات الجارية بين القوى السياسية قائلًا: “دفعًا لكل تلك المفاسد ودرءًا لكل تلك الاخطار نعلن عن تأييدنا للمصالحات الجارية بين مختلف الاطراف وهي ما كنا نعمل له قبل حصول كارثة السابع من أيّار وهم يشيدون اليوم بلقاءات ومصالحات مع الأطراف التي كانوا يعيبون علينا اللقاء بها سابقاً قبل حصول الكارثة لمصلحة الوطن والشعب·. ولكن كما يقول المثل أن تأتي متأخّرا خير من أن لا تأتي أبدا”.

وختم حديثه بالقول “نريد لهذه المصالحات أن تتجاوز الصفح إلى عمق القضايا وأسباب المشكلة الحقيقيّة التي اختلفنا عليها وقد اختلفنا على السلاح غير الشرعي وغير المنضبط وعلى مرجعيّة الدولة والتزام قوانينها المقرّرة وأحكامها الصادرة وتفعيل مؤسّساتها وسيادتها آملين أن يوصل الالتزام بالقانون لجهة نزع الصور إلى الاتّفاق على كلّ تلك القضايا الاساسيّة التي كانت سببا للخلاف والاختلاف”.