الخميس , أبريل 27 2017
عناوين
الرئيسية / رأي وقلم / انقسام الأمة بين هلالين

انقسام الأمة بين هلالين

انقسام الأمة بين هلالين

العلاّمة السيد علي الأمين

بالإمكان أن تُقلص دائرة الخلاف إلى درجة الزوال، من خلال تشكيل غرفة موحدة لاستكشاف هلال شهر رمضان الذي يحدّد بداية الصوم وهلال شهر شوال الذي يحدد يوم عيد الفطر وسائر المناسبات الدينيّة

يعتبر شهر رمضان المبارك محطة سنوية لتطهير النفس وشحذ العزيمة وتقوية الإرادة وتربية الإنسان على الأخلاق الفاضلة وإضعاف نوازع الشر الموجودة فيه وإظهار عوامل الخير الكامنة في نفسه وتغليب النزعة الاجتماعية المتفاعلة مع الآخرين والمتحسسة لآلامهم وحاجاتهم على نزعة التفرد والاستئثار، لأن الصائم هو الذي صام لسانه عن الشر وامتنعت جوارحه عن المعاصي ليستخدمها في إصلاح نفسه وصلاح مجتمعه، وهذه الأمور من التقوى التي جعلها الله ثمرة للصيام كما جاء في قوله تعالى عن الصوم: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
فلم تكن كتابة الصيام للامتناع عن الطعام والشراب، بل كانت لأجل الحصول على التقوى وهي أم الفضائل ومجمعها.
فالتقيُّ لا يكذب وكذلك الصائم، والتقي لا يخون وكذلك يجب أن يكون الصائم والتقي هو الذي لا يغش ولا يخدع ولا يفعل الشر، والتقي هو الذي يتحلى بالسلوك المستقيم، وهو الذي يعدل في حكمه ومعاملاته، وهو الذي ينصف الآخرين، وهكذا يجب أن يكون الصائم.
وما الامتناع عن الطعام والشراب وبعض الشّهوات والرّغبات، إلا محاولة لتدريب الإنسان على أن يصل إلى تلك الأخلاق الفاضلة التي تشكل دعامات المجتمع الصالح والسعيد، وهكذا نعرف أن الصوم مدرسة تعلم الفرد الصبر الجميل والإرادة القوية والأخلاق الفاضلة التي تساعد على تحقيق أهداف الخير للفرد والجماعة.
وهذه الغايات النبيلة والشريفة يساهم شهر رمضان في إيجادها من خلال تهذيب النفس ووقايتها من حالات الضعف والسقوط أمام المغريات، وهذا يؤهل الإنسان للقيام بدوره خارج إطار ذاته في المجتمع الذي ينتمي إليه والذي لا يكتمل بناؤه إلا بتضافر الإرادات الخيرة التي يحملها أبناؤه. فعندما ينتصر الفرد والأفراد على ذواتهم وعلى أنانياتهم، يكون بإمكانهم أن يحققوا الانتصار في معركة بناء المجتمع الصالح الذي يتكافل أبناؤه بعضهم مع البعض الآخر.
ومن خلال الحكمة التي يهدف إليها تشريع الصوم في شهر رمضان المبارك، يتبيّن لنا وينكشف، أنه ليس شهر التنافس على الطيبات ليلاً، بعد الامتناع عنها نهاراً.
وإذا كانت القاعدة العامة في الشريعة التي تحكم الطعام والشراب هي قوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين)، فإن تطبيقها في هذا الشهر يكون أكثر تأكيداً من بقية الأشهر لأنه الشهر الذي تتضاعف فيه الطاعات في أجرها وثوابها والسيئات في جرمها وعقابها.
وقد ورد في بعض الأخبار أن الإمام علي عليه السلام قد أفطر عند إحدى بناته فجاءت له بصنفين من الطعام فطلب منها أن ترفع أحدهما وقال لها: أتريدين أن يطول وقوف أبيك بين يدي الله تعالى.
وإذا رجعنا إلى سيرة المسلمين في الصدر الأول من الإسلام وعلى عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، نجد أن شهر رمضان ما كان له عندهم برنامج غذائي مخصوص، بل كان دون بقية الأيام والأشهر في المسألة الغذائية، وكانوا يعتبرونه شهراً يحصلون فيه على الغذاء الروحي الذي يساعدهم على تحقيق الأهداف الكبرى لدينهم وأمتهم، ولذا تحققت في هذا الشهر المبارك جملة من الانتصارات خارج إطار الذّات عادت بالخير على المجتمع عموماً.
ففي شهر رمضان، تحقق الانتصار في معركة بدر الكبرى، وتحقق فتح مكة وتحرير أهلها من الظلم والعدوان. وهذا يكشف عن أن المسلمين الأوائل فهموا الصوم على أنه مدرسة لمجاهدة النفس وإعدادها للجهاد الأكبر في سبيل الدين والإنسانية المعذبة والمقهورة.
ومن هنا فإننا نرى أن الكثير من الأمور التي تجري في أيامنا تحت شعار (رمضان كريم) من المآدب والاحتفالات تتناقض مع الجوهر المطلوب من تشريع الصوم.
وقد تحول هذا الشهر بفعل تلك الاحتفالات، إلى شهر الراحة والطرب، وإلى شهر المآكل والمآدب التي يُبعد عنها الفقراء الصائمون، ويدعى إليها الأغنياء المفطرون، لأنهم للأموال يدفعون!
وبدلاً من كونه شهر التضامن والتكافل مع الفقراء، وشهر توزيع الحقوق والمساعدات عليهم، أصبح شهر جمع الأموال باسمهم ومن دون وكالة منهم! وحولوه إلى شهر للملاهي والأغاني كالخيم الرمضانية، التي كانت في الزمن السابق لتعليم القرآن وتدريس الأحكام. وفي كل هذه الأمور وأشباهها كالحزازير والفوازير، ابتعاد كلي عن الأهداف المقدسة من الصوم، وأرى في ذلك محاولة عن قصد أو غير قصد لتجويف شهر رمضان وتفريغه من محتواه الحقيقي وإبعاد المسلمين عن المدرسة السنوية الهادفة إلى توحيدهم وتقوية إيمانهم وتسليحهم بالوعي الذي يشدهم إلى تاريخهم المجيد المليء بمواقف العزة والكرامة.
ومن جملة المظاهر التي تشوه معاني الشهر المبارك ما يسمى بحفلات عيد الفطر مع أن هذا اليوم قد جعله الله يوم شكر وتكبير على ما وفقنا فيه من الطاعة كما قال: (ولتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون)، هو يوم احتفال بإنجاز الواجب لمواصلة الدرب على طريق الطاعة والخير، وهو فرصة لمن أتم صيامه وخرج من هذا الشهر كيوم ولدته أمه طاهرا من الذنوب، ليستأنف مسيرة العمل الصالح. وقد قيل: (ليس العيد لمن لبس الجديد ولكن العيد لمن أمن نار الوعيد)، هو يوم زكاة الأبدان الذي يتواصل فيه مع الفقراء فتؤدى إليهم زكاة الفطرة التي تدفع عن صاحبها البلاء وتطفئ غضب الرب.
ويبقى الحديث عن هلال شهر رمضان وشهر شوال الذي يكون عيد الفطر في يومه الأول. ولا شك أن الاختلاف الذي يحصل في تحديد أول شهر رمضان وتحديد يوم عيد الفطر هو من المظاهر التي ينبغي التخلص منها لأنه من مظاهر الانقسام ويؤدي إلى وقوع الصائمين في الحرج. ويجب أن ننظر إلى مسألة توحيد يوم الصوم ويوم العيد من زاوية التكليف الإلهي الخالي من الحرج والتعقيد لأن الله سبحانه وتعالى يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر والحرج والمشقة كما في قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وفي الحديث: (يسّروا ولا تعسّروا).
ولا شك في أن الوصول إلى يوم موحد فيه الكثير من اليسر الذي يتناسب مع أهداف الشرع المبين ولعل الكثير من أسباب الخلاف في أوجه تحديد الهلال ناشئ عن النظر إليه من زاوية من يكون مرجعاً للناس في تحديد الصوم وتحديد الفطر حتى يكون مرجعاً للناس فيما عدا ذلك من الأمور الدّينيّة والسياسيّة. وبالإمكان أن تُقلص دائرة الخلاف إلى درجة الزوال، من خلال تشكيل غرفة موحدة لاستكشاف هلال شهر رمضان الذي يحدّد بداية الصوم وهلال شهر شوال الذي يحدد يوم عيد الفطر وسائر المناسبات الدينيّة التي تهمّ المسلمين كمناسك الحج. ويتواجد في غرفة العمليات هذه، ممثلون لمختلف الجهات الدينية المعنية بالأمر، ويمكن تزويدها بوسائل الاتصال بمختلف البلدان وبالآلات الحديثة التي يمكن بواسطتها تحديد مكان الهلال ورؤيته وليكن موقعها في مكّة المكرّمة قبلة المسلمين وبذلك نخرج من دائرة الخلاف ونصل إلى يوم موحد لهذه المناسبات المباركة ذات الآثار الشرعية المهمة.
ولست أدري كيف يكون الاتّفاق على ذلك أمراً عسيراً على أولي الأمر في ظاهرة كونية محسوسة في الوقت الذي نسعى فيه إلى الاتحاد والاتفاق على كثير من القضايا غير المحسوسة والتي تتضارب فيها الكثير من المصالح وتختلف فيها الآراء!
وكما يقول الإمام علي عن الاختلاف (هل أمركم الله بالوحدة فعصيتموه أم أمركم بالفرقة فأطعتموه!). اللهمّ اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

صحيفة الوطن السعودية

http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleID=6823

شاهد أيضاً

العلاّمة السيد علي الأمين إلى فرنسا للمشاركة في اللقاء العالمي الثاني:الشرق والغرب نحو حوار حضاري

غادر العلاّمة السيد علي الأمين إلى باريس للمشاركة في اللقاء العالمي الثاني: الشرق والغرب نحو …