الأحد , ديسمبر 9 2018
الرئيسية / مفاهيم / حريّة التفكير بين التعصّب والتكفير

حريّة التفكير بين التعصّب والتكفير

جسور: هناك في الطائفة من يتهم الآخرين بالخروج منها لمجرد الإختلاف معه في الرأي والإلتزام ! فما هو رأي الدين في ذلك؟ وأين ذلك من الحرية الفكرية والدينية ؟

العلاّمة السيد علي الأمين: هذه المسألة ليست في إطارها الطائفي بل هي تندرج في إطار الدين الأوسع والأشمل ونحن نعتقد من خلال القرآن الكريم أن الدين هو الذي أعطى المساحة الواسعة التي تشمل مختلف التيارات الفكرية من دون إخراج بعضها عن الإطار الديني الواسع وإذا عدنا الى القرآن الكريم نرى أن هناك خطوطا عديدة ودائرة وسيعة يدخل فيها الجميع ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى ( لا إكراه في الدين ) وقوله تعالى ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) وقوله تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ) وغير ذلك من الآيات الدالة على عدم جواز قمع الآخرين وإرهابهم . وإذا عدنا إلى تاريخ الأنبياء والصالحين نرى أن سيرتهم كانت قائمة على استيعاب الآخرين ومناقشة آرائهم وأفكارهم . وقد كان الإمام الصادق (ع) يناقش الملحدين أمثال إبن أبي العوجاء والديصاني وحماد عجرد وأمثالهم ممن اشتهر إلحادهم وكان يبعث إليهم أحيانا من يجادلهم في أفكارهم لإقناعهم وإرشادهم إلى مواطن الضعف والخلل في معتقداتهم وكانوا يعيشون مع المجتمع المسلم من دون أن يواجهوا قمعا لأفكارهم ، وفي حياة الإمام علي(ع) بعض الشواهد على ذلك ، ومنها أن جماعة الخوارج كانت تروج لأفكار تنسف الأسس الفكرية التي تقوم عليها حكومة الإمام علي ولكن الإمام عليا لم يمنع تلك الجماعة من إظهار أفكارها وآرائها بل كان يتصدى للكشف عن بطلانها.واللغة السائدة معهم كانت لغة الفكر والجدل الذي لا يتعدى الكلام ، ولم يواجه الإمام علي تلك الجماعة عسكريا إلا بعد أن حاولت أن تفرض أفكارها بقوة السلاح و بعدما عرّضت سلامة المجتمع الى الخطر و هددت الامن و الاستقرار بأعمالها المسلحة. وأنقل لكم هنا حادثة وقعت في زمن خلافة الإمام علي تكشف عما ذكرناه من الانفتاح و النقاش الفكري مع المعارضين ، وهي أن الامام علي كان يخطب ذات يوم في مسجد الكوفة بالناس و أثناء الخطاب قاطعه بعض الخوارج بقوله ( الحكم لله ! ليس لك يا علي ) و أصبح هذا شعارا سياسيا و مبدءاً فكريا للخوارج يعتمدونه في رفض حكومة الامام علي والترويج لأنفسهم . و قد تصدى الامام علي لإبطال هذه الفكرة و قال ( كلمة حق يراد بها باطل . نعم لا حكم إلا لله و لكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، و إنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر…) إن الامام عليا بهذا الكلام حاول أن يبطل إدعاءهم بالفكر والحوار وليس بالسلاح والوعيد والتهديد فهو يقول: نعم، الله هو المشرع للحكم ولكن الناس تحتاج إلى الأمير الذي ينفذ حكم الله تعالى . تحتاج إلى حاكم من البشر يعاقب المسيء و يثيب المحسن و يدير شؤون البلاد و العباد و هذه أمور يقوم بها البشر . و في حادثة أخرى كان الامام علي مع مجموعة من أصحابه و كان هناك خارجي يعتقد كفر الامام علي، و قد مرت إمرأة أمامهم فنظر إليها أصحابه فقال الإمام في مقام التوجيه لأصحابه إن أبصار القوم طامحة فإذا رأى أحدكم إمرأة أعجبته فليذهب إلى زوجته فإنها مشابهة لها، هذا مضمون الحادثة والحديث ،وقد سمع الخارجي هذا الكلام من الإمام علي فأعجبه ذلك، وقال بصوت مسموع : قاتله الله كافراً ما أفقهه !. وحينئذ قام بعض أصحاب الإمام علي وأرادوا أن يضربوا الرجل الخارجي بالسيف لأنه تجرأ على الإمام وحكم بكفره ، ولكن الإمام عليا قال لهم ( مهلا إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب !) وعفا عن الرجل الخارجي . وهناك شواهد عديدة من حياة المسلمين السياسية التي تدل بوضوح على عدم جواز إرهاب الآخرين وقمعهم لمجرد أفكار وصلوا إليها أو لآراء أظهروها، ولدينا قاعدة دينية واضحة في هذا المجال وهي الحديث المشهور ( الحدود تدرأ بالشبهات ) أي أن العقوبات لا تثبت على إنسان دخلت عليه شبهة من الشبهات جعلته يطرح أفكاراً تخالف السائد العام ويعلن عن آراء مرفوضة من الناحية الدينية، بل اللازم مناقشته لإزالة الشبهة التي دخلت عليه من خلال إبطالها وإظهار فسادها. وهذه تعتبر من الشواهد على عدم الحكم بالكفر والإرتداد على من لم يؤمن بإمام زمانه ، فالإمام علي لم يقل عن الذين لم يؤمنوا بإمامته أنهم مرتدون عن الدين ! ولم يعاقبهم على ذلك . وكل هذه الحوادث التي ذكرناها تتفق مع الحرية الفكرية والدينية وهي موافقة لقول الله (لا إكراه في الدين) وقوله تعالى (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).وفي كل الأحوال لا يكون عدم الإلتزام منافيا للإيمان ولا منافيا للإسلام لأنه دون الإرتداد والإلحاد في الحكم ، فإذا قبل الإمام علي بالخارجي الذي حكم بكفره ولم يرض بمعاقبته ! وقبل الإمام الصادق الحوار مع الملحدين الذين كانوا يجاهرون بآرائهم! فكيف لا تقبل جماعة المسلمين وبعض الأحزاب الدينية بالرأي الآخر الذي لا يلتزم بآرائهم وأفكارهم ؟! ولذلك أعتقد أن المرجعية الدينية سواء بقيت على حالها أم تحولت إلى مؤسسات يفترض أن يصدر منها توجيه وتعميم مستقل يؤكد على إستيعاب أبناء الإسلام والمحافظة عليهم وعدم جواز التعرض لهم بالأذى لمجرد فكرة طرحوها أو إعتقدوها لأن في ذلك مجافاة وإبتعادا عن سماحة الإسلام ورحابة أرجائه ولأن في ذلك إطفاءً لسراج العقل وخنقاً لروح الإبداع.

ما أطفأت أمم سراج عقولها = إلا وعاشت في ظلام دامسِ

إن قمع الفكر فيه تعطيل لحركة العقل وهو من الأمور المستنكرة التي تتنافى مع حقوق الإنسان وهو كذلك من الأمور المستنكرة أشد الإستنكار والمرفوضة بنظر الإسلام .

العلامة السيد علي الأمين

مجلة جسور الأسترالية -سدني- ١٩٩٥