الخميس , أبريل 27 2017
عناوين
الرئيسية / دين ورسالات / حوار الأديان والثقافات – فيينا 18-11-2013

حوار الأديان والثقافات – فيينا 18-11-2013

– نص كلمة العلامة السيد علي الأمين إلى مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين الأديان والثقافات

الذي انعقد في فيينا في Vienna-18/11/2013

حوار الأديان والثقافات*

العلاّمة السيد علي الأمين

 دعوة الأمم المتحدة لتبني الحوار وإصدار كتاب مدرسيّ عن الحوار بين الشعوب

النظرة إلى الآخر وصدام الحضارات

موضوعات الحوار

المصدر : جريدة اللواء اللبنانية – الجمعة,29 تشرين الثاني 2013 

أرحّب بكم جميعاً شاكراً مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لحوار الأديان والثقافات على دعوته وجهود رئيسه الدكتور فيصل بن معمّر وإدارته لإنجاح المؤتمر، آملاً أن يحقق هذا اللقاء بعض ما نصبو إليه من نشر لثقافة التفاهم والتسامح والتعايش بين الشعوب باحترام وتعاون وسلام . وبعد…

فإن الدعوة إلى الحوار بين الشعوب والأمم على اختلاف الديانات والثقافات بين بني البشر هي من علامات وسمات عصر الحضارة الحديث ورقيّ الفكر الإنساني، فالحوار هو النموذج والمثال الذي يجب أن يحتذى في علاقات الأمم والشعوب، ونحن نعتقد أن جوهر الرسالات السماوية يهدف إلى تكريم الإنسان وتعزيز روابط الأخوة الإنسانية بين أفراده وإبعادهم عن الظلم والعدوان، وقد كان المحور للرسالات السماوية ودعوة الرسل فيها هو الإنسان الذي كرّمه الله وجعل محبته محبة لله كما جاء في القرآن {وكرّمنا بني آدم} وفي الإنجيل (لا يجتمع حبّ الله مع كره الإنسان)، فلولا وجود الإنسان ما كان هذا الكون محتاجاً إلى بعث الرسل بالشرائع والأديان.

وبتطوّر الأنظمة السياسية في عصرنا وتقدّم الدول وامتلاكها لأسباب القوّة – خصوصاً العسكرية منها – تشتد الحاجة إلى الحوار الجاد الذي يجنّب البشرية مخاطر التطوّر في آلة الحرب التي تهدد وجود الإنسان وكل إنجازاته، والحوار الجاد وحده هو الذي يفتح الطريق أمامنا لتبديد المخاوف بين الدول والشعوب.

ونحن نعتقد أن فكرة الحوار بين أهل الأديان والثقافات والحضارات يجب أن تبتعد عن مسائل أصبحت في ذمة التاريخ، فالبشرية قبل ظهور الرسالات الدينية عاشت قروناً لم تخلُ من الإختلافات والنزاعات الدموية، وحصل ذلك أيضاً بعد ظهور الدين في حياة البشر، فكانت تقع الصراعات باسم الدين تارة، وبمسمّيات غير دينية تارة أخرى، وهي خلافات وقعت ولا يمكن إنكارها، ولكن الذي يمكن إنكاره هو علاقة الدين بذلك، لأن الكتب التي تمثل الدين ترفض كل تلك الصراعات الدموية بين أفراد المجتمع البشري، فالكتب السماوية التي تمثّل نظرة الدين تقول (لا تقتل) كما يحكي لنا ذلك الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، والقرآن الكريم يحكي لنا ذلك أيضاً ويقول أن الله كتب في الشرائع السابقة واللاحقة حرمة القتل والظلم والعدوان كما في قوله تعالى {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} وقال أيضاً {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} إنها مسؤولية الإنسان وحده الذي فهم الدين فهماً خاطئاً، ومسؤولية الإنسان الذي استغل مقدّسات الدين لمآربهِ، وجعل منها شعاراً لاستقطاب الجمهور وأداة من أدوات تعبئة النفوس بالكراهية والبغضاء ليصل إلى أهدافه غير المقدسة من حبّ السيطرة والتسلط على الآخرين. لقد كانت تلك الحروب التي جلبت المآسي على مجتمعات البشر تعبيراً عن طموحات لأشخاص القيادات التي امتلأت نفوسها بحب الزعامة والسلطة والتوسع على حساب الآخرين، وقد غلّفها بعضهم بغلاف الدين المقدس لإخفاء الأهداف غير المقدسة التي كانوا يسعون إلى تحقيقها والوصول إليها.

النظرة إلى الآخر وصدام الحضارات!

إن تعددّ الأمم والشعوب حقيقة قائمة كالتعدّد في الأفراد والجماعات، ولكن هذا التعدّد منبثق أيضاً عن حقيقة واحدة جامعة لكل هذه التّعدّدية على اختلاف الألوان واللغات والثقافات والديانات، وهذه الحقيقة هي الإنسانية التي ننتمي إليها جميعاً، وقد أشارت إلى هذه الحقيقة المشتركة الشرائع السماوية كما ورد في الإنجيل (أن الخالق جعل الإنسان منذ البدء ذكراً وأنثى) [متى/19]. وفي القرآن {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات/13]، ولا شك بأن التعدّد يلازمه التغاير والإختلاف في الآراء والأفكار والمعتقدات بين الشعوب والأفراد والجماعات، ولا يكاد يخلو وطن من الأوطان، ولا شعب من الشعوب، ولا أمَّة من الأمم من خصوصيَّة التعدُّد في الثقافات والديانات والتقاليد والعادات، وهذا لا يعني بالضرورة حصول الخلافات والنزاعات لوجود الكثير من المشتركات التي تؤسس لبناء أفضل العلاقات من خلال ثقافة الحوار التي تؤدي إلى التفاهم الذي يجنّب المجتمعات في العالم آفة النزاعات والحروب والصراعات. فالقول بأن هناك (الآخر) أو (غيري) هو اعتراف بحقيقة التّعدّد، وهذا يعني وجود المختلف عنك، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون هوالمختلف معك وإن اختلفت الآراء والأفكار والمعتقدات، فالواحد منا يساويه الآخر في الإنسانية الموجودة فينا بالتساوي والتي تشكل مصدراً للمساواة في الحقوق. وعندما تقول: أعيش مع غيري أو غيري يعيش معي، أو أنا موجود وغيري موجود آخر، فهذا يعني وجود شريك لك في العيش والوجود، وعندئذٍ تخاطبنا التعاليم الدينية الداعية للمساواة الإنسانية كما جاء في الحديث: (أحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره لغيرك ما تكره لنفسك) و(كل ما تريدون أن يعاملكم الناس به، فعاملوهم أنتم به أيضاً:هذه خلاصة تعليم الشريعة والأنبياء) [متى/7].  ولذلك يمكن القول أن هذه التعاليم تعتبر عقداً اجتماعياً بين بني البشر عامّة، ينظم العلاقة مع الأخر، الفرد مع الفرد، والجماعة مع الجماعة، والشعب مع الشعب، والأمّة مع غيرها من الأمم بعيداً عن خصائص الدين والمعتقد واللغة والثقافة واللون.
ويؤيد هذا المعنى الذي تقدّم من المساواة في الحقوق نصوص دينية عديدة، منها: (الناس سواسية كأسنان المشط) و(الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله) و(لا فضل لأحمر على أصفر ولا لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). فإن البشر وإن اختلفوا في أصول أعراقهم وأديانهم وانتماءاتهم لكن المشترك بينهم وهي الإنسانية، هم فيها على حدٍّ سواء. ولذلك فإننا نرفض تفسير الحروب والصراعات التي وقعت في الماضي، والتبشير بوقوعها في المستقبل إنطلاقاً من القول بحتمية التصادم بين الحضارات والأديان والثقافات المتعدّدة، لأن الأديان في جوهرها واحدة، وهي التي ساهمت إلى حدٍّ كبير في ترشيد الإنسان وإيصاله إلى مجموعة من القيم الإنسانية التي تعمل على التقارب بين الأمم والشعوب وتوحّد النظرة إلى الإنسان وحقوقه على اختلاف الأعراق والألوان. وقد كانت الأديان جزءاً لا يتجزّأ من تكوين الحضارة البشرية، وهي في أصل وجودها جاءت لإطفاء نار الإختلافات التي حدثت في المجتمع البشري ونشأت بعد تلوّث الفطرة السليمة بأوحال الأرض من جشع وطمع في التسلّط والإستئثار بالقدرات والثروات كما جاء في القرآن الكريم في الحديث عن بعثة الأنبياء {… وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا}.
وهذه الحقيقة يؤكدها الواقع، فقد وقعت الحروب الكثيرة في التاريخ القديم والحديث بين أنظمة ودول من الحضارة الواحدة ومن الدين الواحد، وهذا يكشف لنا عن بطلان النظرية القائلة بحتمية تصادم الحضارات والأديان والثقافات. ولذلك فإننا نرى أن الدين بكل رسالاته السماوية كان ضحية تلك الصراعات السياسية والعسكرية التي تسبّبت بها قيادات الدول والأنظمة الحاكمة الباحثة عن الغلبة والتوسع بكل ثمن من الأثمان خلافاً لما دعت إليه الأديان والثقافات المحترمة لحقوق الإنسان.

موضوعات الحوار
ومن هنا فإنني أرى أن تبتعد مسائل الحوار عن البحث في تلك المرحلة وغيرها من المراحل التي أصبحت من الماضي وأن نعمل على إزالة رواسبها وما تركته من آثار سلبية، فنحن اليوم كمجتمعات بشرية لم تكن لنا علاقة بصنع تلك الصراعات، كما لم يكن للدين علاقة بها بالأمس، ونقول كما جاء في القرآن الكريم {تلك أمة قد خلت (مضت) لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ولا تُسألون عما كانوا يعملون}.
فالمهم في انطلاق عملية الحوار الجاد والفعال أن نرجع للبحث عن المشتركات الإنسانية وعن النصوص الدينية الجامعة في تعاليم الرسل والأنبياء للبحث عن القواسم المشتركة وهي كثيرة بالتأكيد، لأن الرسالات السماوية المرسل لها واحد هو الله تعالى وتدور حول محورٍ واحدٍ هو الإنسان وهذا يعني أن رسالات السماء واحدة في المصدر وهو الله تعالى وواحدة في الهدف وهو الإنسان، وهي ليست رسالاتٍ متصادمة بحسب أهدافها الإنسانية وغاياتها المشتركة كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قول الله تعالى: {لكلٍ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون}. لقد أعطانا الله القاسم المشترك الذي ندخل من خلاله إلى جوهر الرسالات الدينية وهو قوله {فاستبقوا الخيرات} فالتنافس على الخيرات هو ما يخرجنا بنجاح من امتحان الاختلاف في الآراء والمعتقدات بالتوجه إلى المشتركات كما تشير إليه الآية نفسها: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم (ليختبركم) فيما آتاكم إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون). فالآية المباركة تقول لنا لا تصرفوا أوقاتكم على مادة الإختلاف في الشرعة والمنهاج! فإن هذا من الجدل الذي لا ينتهي ولا يعود عليكم بالفوائد المهمّة، بل قد يؤدي إلى ما يفسد عليكم حياتكم، إبحثوا عن المهم! فإن المهم الذي يعود عليكم بالفائدة والمصلحة أن تصنعوا الخيرات للمجتمع البشري، أن تزيلوا عنه الفقر والحرمان، أن تصنعوا له أمناً وسلاماً، واستقراراً وازدهاراً، هذا هو المهم الذي يجب أن تتنافسوا فيما بينكم على تحقيقه وأما الاختلاف في تلك المسائل الفرعية فهو سيبقى، فلا تجعلوا منها سببا للفرقة والعداوة، وسوف يأتيكم الله بالخبر اليقين عما تختلفون فيه لأن مرجعكم في نهاية الأمر إليه سبحانه وتعالى فينبّئكم بما كنتم فيه تختلفون.

فالدين ذو جوهرٍ واحد وإن تعددت الرسالات في الشرعة والمنهج فهي من الإختلافات في الصيغ والأشكال، فليس المهم أشكال العبادة لله تعالى؟ بل المهم أن نعبد الله عبادة تتجلّى في المحافظة على وصاياه في عباده وبلاده، وقد يعبده كل منا على شرعة وعلى منهاج يختلف عن الآخر ولكنها في حقيقة الأمر هي عبادة لله الواحد الذي لا يختلف ولا يتعدد باختلاف طقوس العبادة وتعدد أشكالها. ومن هنا نقول أن كل دور العبادة من المسجد والكنيسة وغيرهما هي واحدة في الدعوة إلى الله وإكرام خليفته الإنسان. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح ويثير العناية والإهتمام ليس هو بما يتعلق به إيمان الآخر، بل هو كيف يتعامل مع غيره الآخر؟ لأن الدين في جانبه الآخر الذي لا ينفصل عن علاقة الإنسان بربه، هو المعاملة كما جاء في مضمون النص الديني سؤالاً عن الدين فقال: (الدين هو المحبّة) و(الدين هو المعاملة) فكما أن المحبة تحتاج في وجودها إلى الآخر، كذلك المعاملة لا تكون إلا مع طرف آخر (هو الإنسان الآخر) كذلك يكون الدين، فهو لا يعطي ثماره الطيبة إلا في المعاملة الحسنة مع الإنسان الآخر.

فما هي قيمة الإعتقاد بعدالة الله في السماء إذا لم نحقق هذه العدالة بيننا على الأرض؟! وما قيمة الاعتقاد والإيمان بأن الله هو الخير والرحمة والمحبة والسلام، إذا لم نسع لتحقيق هذه المعاني في حياتنا، فيرحم بعضنا بعضاً ويحب بعضنا بعضاً في هذه الدنيا كما جاء في إنجيل متّى (طوبى للرحماء لأنهم يرحمون وطوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله وطوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون).

ولذلك فإن الحوار بينكم يجب أن يعتمد على النصوص الدينية الموجودة في الكتب السماوية والمتضمنة للمشتركات الإنسانية التي أجمع عليها عقلاء العالم، وبذلك يصبح من السهل أن يفهم بعضنا بعضاً، وقد يكون بإمكاننا أن نغير الكثير من مسارات العنف والعداء بين أتباع الديانات وأهل الثقافات المختلفة. والحوار بين أهل الأديان والثقافات يجب أن يرتكز على قبول الآخر كما هو، وليس الحوار عملاً تبشيرياً يهدف إلى إقناع الآخر بتخليه عن دينه ومعتقداته، بل يجب أن يكون الهدف من عملية الحوار أن يفهم بعضنا البعض الآخر ليتحقق التعامل بين شعوبنا بشكلٍ سليم نابع من احترام الآخر، وبذلك نؤسس لأخوة بشرية قائمة على التعارف والتبادل والتعدد بعيداً عن منطق الخوف من الآخر والسعي إلى إلغائه أو السيطرة، ولذا قال الشاعر:
ما دمت محترماً حقي فأنت أخي
آمنت بالله أم آمنت بالحجرِ
ولذلك فإننا نرى أن الحوار بين أهل الديانات والثقافات هو أمرٌ ضروري لتبديد المخاوف وإزالة الأخطار التي تهدد المجتمعات البشرية في بقائها واستقرارها، ويعمل على إيجاد نظام عالمي أكثر أمناً وسلاماً يقوم على مبادئ الإحترام المتبادل والعدالة. 

إقتراح لنشر ثقافة الحوار
ودفعاً لهذا الحوار الجاد إلى الأمام فإننا نقترح على منظمة الأمم المتحدة دعم مثل هذه الحوارات بين الأمم والشعوب والمساهمة في وضع كتاب مدرسي بعنوان (الحوار بين الأمم والشعوب) ويكون تدريسه إلزامياً في المدارس والجامعات، كما ونقترح على مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز للحوار بين الديانات والحضارات إنشاء معهد جامعي للدراسات الحوارية من مختلف أتباع الأديان والثقافات يجلسون على مقاعد المدرسة الواحدة وهو ما يساعد على تخريج جيل من الدعاة المبشرين بثقافة التسامح والحوار ينشرونها في أوطانهم وبين شعوب العالم. ولا يسعني في آخر هذه المقالة سوى تجديد الشكر لكم والدعاء لكم بوافر النجاح والتوفيق.
نص الكلمة إلى مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين الأديان والثقافات.