الجمعة , نوفمبر 16 2018
الرئيسية / مفاهيم / دعوة لتنظيم المرجعية الدينية وتحديث مناهج التعليم في الحوزة العلمية
دعوة لتنظيم المرجعية الدينية وتحديث مناهج التعليم في الحوزة العلمية الأمين | موقع المرجع الديني السيد علي الأمين ، لبنان

دعوة لتنظيم المرجعية الدينية وتحديث مناهج التعليم في الحوزة العلمية

المرجعية الدينية و الحوزة العلمية

دعوة لتنظيم المرجعية الدينية وتحديث مناهج التعليم في الحوزة العلمية

جسور:  ماهو دور المرجعية الدينية والحوزة ؟ وما هي مناهج التعليم الديني فيها؟
العلاّمة السيد علي الأمين: 
عندما نريد الحديث عن الحوزة العلمية أو عن  المرجعية الدينية بشكل عام نرى أن الحوزة العلمية منذ تأسيسها قد خطت خطوات كبيرة على صعيد الإنتاج العلمي منذ عصر الغيبة الكبرى وإلى زماننا هذا ولكن هذا الإنتاج العلمي يتميز بالحالة الفردية.المرجعية الدينية والحوزة - السيد علي الأمين
ونرى أن هذا الإنتاج العلمي الذي حصل في عمر الحوزة الطويل قد تقدم بنا خطوات الى الأمام نحو معالجة كثير من المستجدات في حياة المسلمين من خلال حركة الإجتهاد التي واكبت المتطلبات المستجدة ، ولكننا نرى أن هذا الإنتاج رغم ضخامته ودقته لا ينسجم مع عمر الحوزة العلمية ومع الأعداد الهائلة التي انتسبت الى الحوزة العلمية منذ ولادتها والى يومنا هذا حيث نجد أن هذا الإنتاج مقصور على نسبة ضئيلة من العلماء والمجتهدين ! فقد تكون نسبتهم الى باقي المنتسبين الى الحوزة العلمية أقل من العشر بكثير.
 
وأعتقد أن السبب في ذلك يعود الى نقص وخلل في المنهج العلمي والبرنامج المعد للدراسة إن لم نقل بأن هناك غيابا حقيقيا للمنهج وانعداماً لنظام الدروس والدخول الى الحوزات العلمية والتخرج منها لعوامل غير موضوعية، ولذلك نرى أنها تتبدل بين حوزة وأخرى وبين مدرس وآخر فليس لدينا منهج دراسي محدد مدروس ، وليس لدينا نظام تعليمي يجعل من الطالب عالما أو مجتهدا بعد فترة زمنية محددة ، وتبقى الحالة الفردية هي المسيطرة.
 
ولذلك نرى أنه بدل أن يتخرج خمسون عالما يشار إليهم بالبنان وينتفع بعلمهم من دورة علمية واحدة قد لا يتخرج إلا عالم واحد أو إثنان من هذه المجموعة الكبيرة ! وهذا خلل كبير لا بد من إصلاحه حتى تتمكن الحوزة العلمية من مواكبة تطورات المرحلة . هذا على مستوى الإنتاج العلمي والعلمائي.
 
وأما على مستوى الإدارة والتنظيم فإن المرجعية الدينية والحوزات العلمية لم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام على هذا المستوى فما زالت تعتمد الطرق البدائية في النشر والتبليغ وارتباط الناس بها ولم تتجاوز في تطوير هذه العلاقات مستوى الإعتماد على وكيل ليس لها عليه سيطرة وولاية .
 
وقد ظهرت المرجعية الدينية منذ عشرة قرون تقريبا وبقيت على حالها ولم تتحول الى مؤسسة مرجعية، بل بقيت مرجعية للفرد تذهب الإمكانات التي حصل عليها خلال مرجعيته غالبا بذهابه ، ويبتدىء المرجع الجديد من مرحلة الصفر وهكذا دواليك …
وفي الحقيقة لا يوجد لدينا مرجعية وإنما يوجد لدينا مرجع أو مراجع دينيون. وقد أخذت مرجعية الفرد الكثير من الإمكانات التي يمكن أن تجعل من الشيعة طائفة متقدمة في مختلف الميادين العلمية والحيايتة لأن المرجعية في الحقيقة هي إمتداد للإمامة في حياة المسلمين في قيادتهم وإرشادهم وتعليمهم وتوعيتهم وسد حاجاتهم على اختلافها في حين أن القضية لا تزال كما هي منذ ولادتها يأتي المرجع فإذا مات لا تنتقل الإمكانات الموجودة لديه الى مرجع آخر ويبقى الشيعة فترة من الزمن حائرين في تحديد المرجع الجديد لعدم وجود المؤسسة التي تحدد ضوابط المرجع الجديد.
ويحق لنا أن نلاحظ ونقول ان رئيس الجمهورية في أي بلد من بلدان العالم إذا مات لا يموت وزير المالية وإذا مات وزير المالية لا تموت وزارة المالية كمؤسسة ولا ينهار النظام الذي يحفظ الثروات والإمكانات ويوظف الطاقات، ونحن نلاحظ أن الطائفة الشيعية من خلال نظام الحقوق الشرعية يمكن أن تكون من أغنى طوائف العالم ولكن فقراءها قد يكونون من أكثر فقراء الدنيا عددا لعدم تنظيم الحقوق المالية ولوجود الهدر الكثير في هذه الأموال حيث تصرف في غير مواضع الحاجة إليها. فقد ترى عالما يبني مسجدا بعشرة ملايين دولار في الوقت الذي لا يتمكن فقراء الشيعة من تسجيل أبنائهم في المدارس ولا يتمكنون من مداواة مرضاهم ! فمن هي الجهة التي تعطي رخصة في صرف المال على الحجر في الوقت الذي يحتاج فيه البشر الى هذا المال ، وكلنا يعلم أن الدين لا يقدس الحجر وإنما يقدس البشر ويحافظ عليه ، إذن فالسؤال يطرح نفسه أين هي المؤسسات وأين الجامعات وأين المستشفيات وأين المصانع ؟
 
فليست مهمة المرجع الديني مقصورة على توزيع بعض المال الزهيد على بعض المشايخ وطلاب العلم في بعض المناسبات الدينية وليست مهمة المرجعية الدينية أن تخرج شيخا أو عالما من الحوزة العلمية، بل من مهامها أيضا أن تخرج المهندس والطبيب والمعلم من المعاهد والجامعات وغير ذلك مما يحتاج المجتمع إليه ،لأن الإمكانات المتوفرة هي ملك لكل الفقراء والمحتاجين .
وقد طالبت وأنا في لبنان بتشكيل لجنة عليا من الطائفة الشيعية في العالم كخطوة أولى على طريق التنظيم الشامل لشؤونها وتكون مهمة هذه اللجنة العليا إحصاء ثروة الطائفة وإيجاد البرنامج الملائم لاستثمارها وصرفها ،وهذه اللجنة هي التي تحدد مقدار الصرف وأولوياته وجهاته ،لأن هذه الثروة الهائلة تساوي إمكانات دولة كبيرة وهي ثروة الحاضر والمستقبل لأبنائنا وأجيالنا في مختلف البلدان والأماكن ، هذه الخطوة الأولى إلى أن تحدث حركة ناشطة من أجل إخراج المرجعية من إطار الفرد الى إطار المؤسسة التي تمنع من حدوث فراغ بوفاة المرجع الديني خصوصا وأن الشيعة يؤمنون بأن الفراغ القيادي لا يحصل بوفاة النبي أو الإمام من خلال الوصية والتعيين.
والموجود في حياتنا فعلا هو المزيد من الفراغ بعد وفاة المرجع الديني والمزيد من الحيرة والضياع في تحديد من يكون خليفة للمرجع السابق مع أن مواد الإختيار موجودة في الفقه ولكنها تحتاج الى الصياغة والتنظيم.
ونضرب لذلك مثلاً : وهو أن الذين يحددون المرجع هم أهل الخبرة من العلماء المنتشرين في الحوزات العلمية وغيرها،، فلماذا لا نجعل الضوابط والموازين لأهل الخبرة الذين يحق لهم إبداء الرأي في أعلمية مرجع وأهليته ؟ولماذا لا ننشىء لهم مقرا يكون بمثابة البرلمان لأهل الخبرة من العلماء والمجتهدين يجتمعون فيه لإصدار القرارات الحاسمة؟ فلا يخرجون قبل ملء الفراغ القيادي ويجتمعون لمواكبة تطورات العصر ومتطلباته ! وبهذا يمكن أن تصبح المرجعية الدينية مؤسسة لها أحكامها وقوانينها ولها نظامها الذي يسد الثغرات التي تحصل في حياة المجتمع والأمة .
 
ومن أهم الأمور التي لا بد من معالجتها هو تنظيم السلك الديني لأنه لا يجوز أن يبقى الأمر كما هو عليه من دون ضوابط ولا معايير فإننا نرى أن الخطاب الديني قد يختلف من شخص الى آخر وقد يتصدى غير المؤهل علميا لقضايا حياتية خطيرة فيكون إفساده أكثر من إصلاحه وضرره أكثر من نفعه . ولا توجد جهة تحاسب رجل الدين أو طالب العلم إذا أخطأ، وليس عليه طاعتها إذا أمرت ، وليس لها مراقبته أو ليس لها شروط انتماء للسلك الديني، وغير ذلك مما يجعل العشوائية هي المنتشرة في أخطر الأجهزة ذات العلاقة المباشرة بحياة الناس ومعتقداتهم !.
 
ولذلك قد دعوت الى حركة إصلاح ديني لدى الشيعة في العالم تشمل علماءها ومثقفيها وجمهورها، وهذا أمر لا بد منه للنهوض والخروج من الوضع الراهن الذي لا نحسد عليه.
يجب أن نصل الى درجة عالية من التنظيم للجهاز الديني على غرار الفاتيكان ، وأعتقد أن أول مراحل العمل هي أن ندرك المشكلة التي نعاني منها كطائفة شيعية وبعد الشعور بوجود هذه المشكلة ووعيها يمكن أن ننطلق الى خطوات أخرى حتى نصل الى ما نطمح إليه من إصلاحات تتحول المرجعية الدينية من خلالها إلى مؤسسة معترف بها تحكمها القوانين والأنظمة .
العلامة السيد علي الأمين
مجلة جسور الأسترالية -سدني -١٩٩٥