الجمعة , نوفمبر 15 2019
الرئيسية / بحوث و مؤلفات / نظرة جديدة في فقه الأقليّات الدينيّة وقاعدة المواطنة
السيد علي الأمين

نظرة جديدة في فقه الأقليّات الدينيّة وقاعدة المواطنة

نظرة جديدة

في فقه الأقليّات الدينيّة وقاعدة المواطنة

 العلاّمة السيد علي الأمين

  • الهوية الدينية والهوية الوطنية

يكتسب الإنسان هويّة دينيّة بسبب إيمانه برسالة من الرسالات السَماوية أو من خلال معتقدات يعتبرها ديناً له، وتأتي هذه الهويّة الدينيّة عادة في رتبة متأخرة عن اكتسابه للهوية الوطنيَّة التي يحصل عليها من خلال انتمائه إلى شعب وأمة جمعت بين أفرادها روابط التاريخ التي جرت على الأرض التي يعيشون معاً عليها، وهي جزء من ثقافتهم المشتركة التي تشمل اللغة والعادات والتقاليد والتجارب.

وهذه الروابط التي تلتقي فيها أفراد وجماعات من الناس، تجعل منهم شعباً واحداً وأمَّة واحدة، وتجعل من الأرض التي يعيشون عليها وطناً لهم، ولأجل ذلك يدخل الشعب في تعريف الوطن، ويدخل الوطن  في تعريف الشعب، وهذا يكشف لنا عن العلاقة الوثيقة القائمة  بين الوطن والشعب، فلا وطن بدون شعب، ولا شعب بدون وطن، فالوطن بدون شعب هو قطعة من الأرض فاقدة لمظاهر العمران    البشري.

والشعب بدون وطن يعيش فيه يتحول الى مجموعات من المهاجرين واللاجئين الفاقدين للهوية الوطنية والتابعين لغيرهم من الشعوب التي هاجروا إليها.

وهذه الدرجة من الإلتصاق بين الشعب والوطن والدخيلة في اكتساب الفرد للهوية الوطنية، تفسر لنا في بعض وجوهها مدى ارتباط الإنسان بشعبه ووطنه، وحبّه لهما، والتّضحية في سبيلهما، حتى ليبدو أن حبّ الشعب والوطن في طليعة الفضائل التي يسعى العقلاء للتَّحلي بها والحصول عليها ولذا تراهم يفخرون بأوطانهم وتاريخ شعوبهم.

وهذه العلاقة مع الوطن والقوم تتفق مع القول بأنّ حبَّ الإنسان لشعبه ووطنه هو حبٌّ غريزي يولد مع الإنسان ذي الفطرة السليمة التي تشترك فيها الأمم والشعوب على اختلاف أعراقها ولغاتها وعاداتها، وهذا المعنى ورد في بعض النصوص المأثورة التي تحثّ على حبّ الأوطان والتمسك بها والدفاع عنها ،

-منها: ” حبّ الأوطان من الإيمان”

-ومنها :” إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل فانظر حنينه الى وطنه”

-ومنها: في حبِّ شعبه وارتباطه بقومه ” ليس من العصبيَّة أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبيَّة أن يرى شرار قومه خيراً من خيار قومٍ آخرين ”

وفي هذا ما يدلنا على عدم تنافي روابط الإنسان مع وطنه وشعبه ومع روابط الدين والعقيدة أو ما يسمى بالهويَّة الدينيَّة، لأن في الدين من التّعاليم ما يأمر الإنسان بالمحافظة على تلك الروابط التي تتشكل منها الهويَّة الوطنيَّة.

ويؤيد هذا الإنسجام بين الهويتين الوطنية والدينية، أن الشريعة قد أوجبت الجهاد الدفاعي عن الوطن والشعب واعتبرت من يقتل في سبيل الدفاع عنهما شهيداً .

 

  • الوطن

وقد وصف أمير الشعراء أحمد شوقي الوطن بقوله:  ( الوطن موضع الميلاد وجامع أوطار الفؤاد ومضجع الآباء والأجداد، والدنيا الصغرى وعتبة الدار الأخرى …وهو أول هواءٍ حرك المروحتين وأول ترابٍ مسّ الراحتين وشعاع شمس اخترق العينين ، مجرى الصّبا وملعبه، عرس الشباب وموكبه، ومراد الرزق ومطلبه ، وسماء النبوغ وكوكبه وطريق المجد ومركبه … ).

وأنت اذا نظرت في كلِّ تعريفات الوطن والشعب، رأيت أن المعتَقَدات الدينية والسياسية هي من الأمور التي لا علاقة لها في اكتساب الهوية الوطنية لشعب أو لفرد، كما لا علاقة لها في اكتساب بقعة جغرافية لصفة الوطن، فالإنسان ينتسب الى شعبه ووطنه من خلال تلك الروابط الجامعة له مع غيره من بني قومه والتي نشأت معه في الغالب منذ ولادته، وتلك الروابط مع الشعب والوطن والتي تتكون منها الهوية الوطنية هي في الأصل-كما تقدّم-سابقة على الإيمان برسالة دينية يكتسب المؤمن بها هوية دينية زائدة على هويته الوطنية، فالدعوات الدينية هي الرسالة التي يأتي بها الرسول إلى بني قومه، وهم مجموعات بشرية وأمّة من الناس تجمعهم روابط الوطن والتاريخ والثقافة، وهم في وجودهم يسبقون الرسالة التي تفترض وجود المرسلة إليهم قبلها في وطن من الأوطان.

وقد يستفاد هذا المعنى من آيات عديدة كقوله تعالى:

(وما أرسلنا من رسول إلّا بلسان قومه) إبراهيم: 4.

( كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين …) البقرة: 213.

( وإن من أمّة إلاّ خلا فيها نذير ) فاطر: 24.

( وإنّه لذكر لك ولقومك ) الزخرف: 44.

فإن الروابط التي كانت موجودة بين أفراد تلك الجماعات، هي التي جعلت منهم أمّة، وهي التي جعلت منهم قوماً وشعباً في المرحلة السابقة على دعوة الأنبياء والرسل. وقبل اكتسابهم لهويَّة دينيَّة معينة كانت توجد لديهم حتماً من خلال تلك الروابط هوية وطنية وقوميّة سابقة  على الدعوة الدينية واكتساب هويّتها.

 

  • الهوية الوطنيّة وتعدّد الهويّة الدينيّة

والدعوات الدينية كسائر الدعوات كان يؤمن بها بعض القوم ويرفضها البعض الآخر، وفي أغلب الأحيان كان الذين يرفضون الرسالة أكثر عدداً من المؤمنين بها كما يشير الى ذلك قوله تعالى في عدة آيات منها:

(وأوحي الى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) هود: 36.

(ولكنَّ أكثر الناس لا يؤمنون ) غافر: 59.

(ولقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ) الزخرف: 78.

ورغم هذا الإختلاف في الهوية الدينية بين مؤمنين بالرسالة وبين رافضين لها إلاَّ أنّ ذلك لم يحدث انقساماً على مستوى الهوية الوطنية والإنتساب الى القوم والوطن، فلم يقل فريق المؤمنين لفريق الرافضين لستم من قومنا ووطننا، وكذلك العكس. ولم يكن بإمكان فريق أن يسلخ الهوية الوطنية عن الفريق الآخر مع أنَّ الإختلاف كان يصل الى حد التضييق والمقاطعة وصولاً إلى الحرب المعلنة بينهما، وهذا ما جرى للنبي عليه أفضل الصلاة والسلام عندما أمره الوحي أن يقول لقومه الرافضين لدعوته:

( لكم دينكم ولي دين ) أو عندما قال لقومه في الطائف: ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) فهو لم يقل لهم : لكم وطنكم ولي وطني، ولكم قومكم ولي قومي !

فقد بقيت تلك الهوية التي تجمعه مع قومه رغم إختلاف العقيدة بينه وبينهم. وهذا يدلُّ على أن الهوية الوطنية التي يكتسبها الإنسان من قومه ووطنه لا تلغيها هوية أخرى دينيَّة يكتسبها من الإيمان برسالة معينة. كما لا ينقص من قدرها وواقعها عدم اكتساب الهوية الدينيَّة المتأخرة عنها في رتبة الوجود والولادة مع غضِّ النظر عن شرف مكانتها وعلو منزلتها في نفسها عند الله وعند المؤمنين بها .

ولذلك يقع التساؤل عن هذا الواقع الجديد الذي نشأ من خلال إيمان بعض القوم بالرسالة ورفض البعض الآخر لها وقد اكتسب بعضهم الهوية الدينية باعتناقه للرسالة، والآخرون الرافضون لها لم يكتسبوا الهويّة الدينية، وقد حصل الإنقسام العقائدي والفكري بين أبناء الأمة الواحدة والجماعة التي كانت متَّحدة ووقع الإختلاف كما أشار الله الى ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى:(وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا)يونس-19وقوله تعالى (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر …) البقرة253.

   

  • العلاقة بين الهوية الوطنية والهوية الدينية

والتساؤل المطروح في ظلّ اختلاف المواطنين في الهوية الدينية هو :ما هي الصِّيغة العمليَّة التي يمكن الإعتماد عليها في الجمع بين هذه الجماعات والأفراد الذين اختلفوا في الهوية الدينية الجديدة التي ينشأ منها تغاير في المعتقدات يتفرع عنه الإختلاف في الآراء والأفكار ؟.

فهل تتوقف دورة الحياة الإجتماعية على وفاق غير موجود؟

أم يستمر الصراع بين الهوية الدينية وغيرها من الهويَّات والثقافات حتى تحصل الغلبة لواحدة على ما عداها من هويَّات وثقافات ؟!

إقرأ أيضاً  العلامة السيد علي الأمين - اذاعة الفجر- برنامج بروفايل - عمر الفاروق النخال

أم أنه بالإمكان إيجاد صيغة من العيش الواحد بين هذه الجماعات رغم اختلافها في الهويَّات الدينية وتعدد مصادر الثقافات لديها؟

وبعبارة أخرى: هل من قاسم مشترك يجتمعون اليه ويأوون الى كنفه يحفظ لهم وحدتهم وجماعتهم ويعطيهم الحق في الإحتفاظ بخصوصيَّات التعددية الدينية والثقافية ؟

هذا هو التساؤل الذي حاول الكثيرون من علماء الإجتماع والسياسة والقادة المصلحين الإجابة عليه مستفيدين في ذلك من تجارب الحكم وأشكاله المتعدِّدة التي مرَّت على المجتمعات البشرية التعددية حيث لا يكاد يخلو وطن من الأوطان، ولا شعب من الشعوب، ولا أمَّة من الأمم من خصوصيَّة التعدُّد في الثقافات والأديان والآراء والأفكار وغيرها من الأمور.

وقد يشير الى هذا الإختلاف بمعنى التغاير والتفاوت والتعدد قوله تعالى: ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمَّةً واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربُّك ولذلك خلقهم. . )هود: 119.

 

  • -فقه الأقليّات الدينيّة وقاعدة المواطنة في الكتاب والسنّة

والذي يبدو من ظاهر جملة من الآيات القرآنية ومن السنة النبوية الشريفة وسيرتها أنّ بناء المجتمعات والأوطان يعتمد على الأمور التي تشترك فيها جميع المكوّنات في المجتمع والوطن وهي التي تكون منشأً لحقوق الأفراد والجماعات المتواجدة فيه وهذا ما ينسجم مع اعتماد الهوية الوطنية التي يحملها الفرد بصفته مواطناً يشترك معه في هذه الصّفة كلُّ الأفراد والجماعات ذات الروابط المشتركة غير الدينية المختلفين فيها، وهي التي تكون منشأً لثبوت الواجبات والحقوق له ولهم وعليه وعليهم تجاه الوطن والمجتمع.

ولا نرى في الإسلام كتاباً وسنّة ما يتنافى مع اعتماد المواطنة قاعدة في نظام الحكم والإدارة وتوزيع الحقوق والواجبات بعدالة ومساواة بين المواطنين مع اختلاف هويّاتهم الدينيّة والثقافية بل يعدُّ اعتماد هذا الأمر موافقاً لقاعدة العدل والإنصاف المستفادة من آيات عديدة منها قوله تعالى:( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) النساء:85، وقوله تعالى) :ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة: 8.

ولا شك بأن العدالة المأمور بها في الآيات القرآنية منبثقة عن المساواة التي ينظر إليها القرآن الكريم على أنها موجودة بين جميع بني البشر الذين كرّمهم الله تعالى بقوله ) :ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلا) الإسراء: 70.

وعبّر عن المساواة فيما بينهم بقوله تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات13، وقوله تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) النساء:1.

ويبدو أيضاً أن هذه المساواة في منشأ الخلق كانت أساساً في تشريع المساواة في الحقوق الإنسانية التي ارتكزت عليها أحكام العدالة.

 

  • المواطنة والمساواة في وثيقة المدينة المنورة

وإذا كانت المواطنة تنطبق على المواطنين دون تفاوت بينهم فإن هذا يعني اكتساب الجميع للهوية الوطنية ، وهي تستدعي المساواة في الحقوق المنبثقة من الإنتماء الوطني باعتبارها مصدراً لها تندمج فيها الحقوق الإنسانية، وتقع مورداً لتطبيق تلك الآيات التي أقرّت عدم التفاوت بين شعب وآخر فضلاً عن فرد على آخر داخل الشعب الواحد والوطن الواحد.

وهذا ما يظهر من وثيقة المدينة المنورة التي عقدها النبي مع مكونات المجتمع المتعدّدة فيها في بداية العهد الجديد وإقامة الدولة وتنظيم الشؤون فيها وقد كانت موطناً للأوس والخزرج واليهود والمهاجرين والأنصار وغيرهم، وقد كانت الهوية الدينية مختلفة بين هؤلاء ولكنّ الهوية الوطنية كانت الجامع المشترك فيما بينهم، وقد نظرت هذه الوثيقة إلى الجميع على أنهم متساوون بما في ذلك اليهود وغيرهم ممن لم يؤمن بالرسالة الإسلامية، وقد تضمنت وثيقة العهد الجديد عقداً إجتماعياً أرسى قواعد الأخوّة بين المهاجرين والأنصار وحافظ على العيش المشترك بين المسلمين وغيرهم من المواطنين المشتركين معهم في الوطن من الذين لم يكونوا بالرسالة من المؤمنين، وقد أعطتهم الوثيقة حقّ المساواة مع المسلمين في المصالح العامة وكفلت لهم سائر حقوقهم في عباداتهم وحرياتهم الشخصيّة وعاداتهم وتقاليدهم على قاعدة التعايش مع الشريك في الوطن المستفادة من قوله تعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين) الممتحنة: 8.

فأنت عندما تقول ( الآخر) أو ( الغير) أو ( غيري) فهذا يعني وجود المختلف عنك وهو ليس بالضرورة المختلف معك وإن اختلفت الآراء والأفكار والمعتقدات، فأحدكما يساويه الآخر في المواطنة والإنسانية اللتين تترتب عليهما المساواة في الحقوق والواجبات وقاعدة العدالة كما تقدّم ذلك من الآيات السابقة الذكر.

وعندما تقول “أعيش مع غيري “أو “غيري يعيش معي” فهذا يعني وجود شريك لك في العيش والوطن وفيما يستتبعه ذلك من حقوق وواجبات، وعندئذٍ يخاطبك الحديث: ( أحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره لغيرك ما تكره لنفسك).

ولذلك يمكن القول أن وثيقة المدينة المنورة كانت عقداً اجتماعياً نظر إلى الذين يعيشون معاً على أنهم متساوون في المواطنية ومستلزماتها بعيداً عن خصائص الدين والمعتقد.

ويؤيد هذا المعنى الذي تقدم من المساواة ما ورد في السنة النبوية الشريفة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: ( الناس سواسية كأسنان المشط) و (الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله) و( لا فضل لأحمر على أصفر ولا لأبيض على أسود ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) فإن المواطنين قد يختلفون في أصول أعراقهم وأديانهم وانتماءاتهم لكن المشترك بينهم في الوطن الواحد هي المواطنية وهم فيها على حدٍ سواء.

وبعبارة أخرى إنّ هذه النصوص وأمثالها مع شمولها ودعوتها لإزالة الفوارق بين شعب وآخر لا يعيشان معاً وبين أمّة وأخرى بعيدة عنها في الجغرافيا، ولا توجد بينهما روابط التاريخ والوطن وأواصر القربى فكيف بالشعب الواحد والأمّة الواحدة التي يعيش أبناؤها بعضهم مع البعض الآخر في وطن واحد؟ فإنّ اعتماد ما يجمعهم-وهي المساواة في المواطنة-في هذه الحالة يكون هو الأولى بالاعتماد والاتّباع في نظام الحياة معاً والعلاقات المشتركة .

 

  • المواطنون والرعيّة

والمواطنون هم المعبر عنهم في الفقه السياسي بالرعية كما جاء في جملة من النصوص الدينية منها: ( كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته. . . ) و ( كل سائس إمام). .

ومما يكشف عن إطلاق كلمة الرعية على المواطنين على حدٍ سواء وإن اختلفت انتماءاتهم الدينية ما ورد في كتاب الإمام علي ( ع) إلى مالك الأشتر عندما ولّاه على أهل مصر وفيهم الأقباط غير المسلمين:

( أشعر قلبك المحبة للرعية واللطف بهم والعطف عليهم ولا تكوننّ سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان-أي الرعية، المواطنون-إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) وقوله: ( وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية).

ولا شك بأن العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات الوطنية هي الأجمع لرضى الرعية وهم المعبر عنهم بلغة العصر ب( الرعايا) و( المواطنين) وهذا الذي تقدّم يعني أن الحقوق المنبثقة عن الشراكة في العيش والوطن لا يتم توزيعها على أساس ديني وطائفي وإنما على أساس من الإنسانية التي يتساوى فيها الجميع وعلى أساس من الشراكة الوطنية التي جعلت منهم رعية واحدة يستحقون الرعاية والحماية بلا تفاوت وهذا ما نعنيه ونقصده بالمواطنة التي يقوم عليها النظام السياسي الذي يساوي في تشريعاته وأحكامه وقوانينه بين المواطنين مع حق احتفاظ كل فرد أو جماعة بالخصوصيات الدينية والثقافية، فإنها لا تتنافى مع العقد الإجتماعي الذي قام النظام على أساسه إنطلاقاً من المواطنة الضامنة  لوحدة الشعب والأمة باعتبارها قاعدة للمساواة بين جميع المواطنين على اختلاف هوياتهم الدينية والثقافية.

إقرأ أيضاً  العلامة الأمين يختتم زيارته الى مصر - طنطاوي: المبادرة فرصة لإنقاذ لبنان

 

  • التعايش السلمي بين الهويّات

ونشراً لثقافة التعايش السلمي وتعزيزاً لسلامة العلاقة داخل المجتمع فقد تعدّدت النصوص الدينية الدالة على ترسيم نهج أخلاقي يعتمد على منظومة القيم والمبادئ التي تبعد الإختلاف عن دائرة الخلاف والنزاع وتهيّء المناخ لسلامة العلاقات الداخلية في المجتمع كما جاء في بعضها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام:

( أفضل المؤمنين إسلاماً من سلم المؤمنون من لسانه ويده وأفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) و ( أفضل المؤمنين إيماناً أحاسنهم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون، ثم قال لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحبّ للناس ما يحب لنفسه وحتّى يأمن جاره بوائقه).

و ( أفضل الإسلام من سلم المسلمون من لسانه ويده).

و ( المهاجر من هجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبدٌ لا يأمن جاره بوائقه).

( المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، والمؤمن من ائتمنه الناس على أموالهم وأنفسهم).

ومن الأحاديث التي تؤكد على اهتمام الشريعة بسلامة العلاقات الداخلية ما ورد عن النبي( ع): ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصّدقة، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة، ولا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين) .

وفي حديث آخر عن أبي أيوب الأنصاري: ( قال ألا أدلّك على صدقة خير لك من حمر النعم ؟ قال: بلى يا رسول الله.  قال: تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا) وفي نصوص أخرى ( إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام) والنصوص بهذا المعنى كثيرة.

ومن الواضح أن هذه التوجيهات والإرشادات لا تخصّ علاقات المسلمين ببعضهم، بل هي شاملة لكل مكوّنات المجتمع من المسلمين وغيرهم باعتبار ورود كلمة الناس في بعض تلك الأحاديث وكلمة الجار وهما من الكلمات التي يستفاد منها العموم والإطلاق لخلوهما من قيود الدين والمذهب وغيرهما.

وهذه الآيات المتقدمة التي أشرنا إليها مع نصوص السنّة والسيرة تؤسس إلى فقه جديد في حقوق المجتمع وواجبات أفراده، يقوم على قاعدتي الإنسانية والمواطنية ويتجاوز فقه الأقليّات الذي خضع استنباطه لظروف كانت سائدة في زمن النصوص وفي فترات لاحقة من العهود السابقة التي اكتظّت بالحروب والصراعات التي تزرع بين الناس الفرقة والإنقسامات المنافية لمقاصد الشريعة في إقامة العدل والسلم في المجتمعات، وقد ذهبت تلك الظروف كما ذهبت ظروف وأسباب أحكام سبي النساء والعبيد والإماء.

ونحن نرى أن ما ذكره الفقهاء في الأبواب الفقهية المختصة بأحكام الأقليات أصبحت بحكم المنسوخة، فلا تختلف حقوق الأقليات عن حقوق الأكثريات، وقد انتهى مفعول تلك الأحكام وأسباب البحث عنها، كما يجب أن ينتهي البحث في أحكام العبيد والإماء والسبايا لأنه لم يعد لها من موضوع في حياة المسلمين وانتهت بانتهاء ظروفها، ولذلك فإننا ندعو المرجعيات الدينية إلى التجديد وإعادة النظر في تلك الأحكام إنطلاقاً من تلك الآيات المحكمات التي تنصّ على العدل والمساواة والحاكمة على كل الفتاوى والروايات .

 

  • مسؤولية الأمراء والعلماء

وقد ورد في الحديث ( إثنان من أمّتي إذا صلحا صلحت أمّتي، الأمراء والعلماء) وهذا ما يستفاد منه أهمّيّة الدور الملقى على عواتق ولاة الأمر وأهل العلم والقلم في صلاح المجتمع والأمّة من خلال العمل على تطبيق تلك التوجيهات والتعاليم التي يتحقق بها الإصلاح  المطلوب.

وفي الحديث دلالة على أن الصلاح المطلوب يتطلب ضرورة التعاون بين السيف والقلم على البرّ والتقوى في إطار فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يستغني السيف في تطبيقه لعدالة القانون عن القلم في نشره للوعي وثقافة الإعتدال اللازمة لتحقيق الغاية المنشودة.

وقد يحاول البعض الفرار من هذه المسؤولية في الحياة الدنيا وكأنّه يؤجّلها إلى عالم الاخرة حيث تنتفي الحاجة إليها، ويعتذر هذا البعض عن تحمّل هذه المسؤولية في حماية المجتمع والأمّة من دعوات الفرقة والتطرّف بذريعة خوف الضرر على أنفسهم ! ولكن الهدف في الحقيقة عند هؤلاء هو المحافظة على مصالحهم الشخصية التي لن يكتب لها السلامة عندما تتعرّض المصالح العامّة للمجتمع إلى الخطر عندما تترك الساحة لثقافة التطرّف التي تتولد عنها الصراعات والنزاعات التي تعصف بالمجتمع والأمة.

وعندما يتخلّى المسؤولون والمصلحون عن دورهم المطلوب  في الإصلاح، فإنّ ذلك سيؤدي إلى الظلم وهلاك المجتمع كما قال الله تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

ولذلك لا بد من التأكيد بالدرجة الأولى على دور ولاة الأمر في هذه المسألة المهمّة وغيرها لكونهم في موقع المسؤولية الأولى، وبين أيديهم تقع إمكانات وأدوات المواجهة لثقافة التطرّف والإرهاب التي تهدد الأمن والإستقرار في أوطاننا.

وهذه المواجهة تتطلّب تظهير خطاب الإعتدال الديني القادر على إبعاد الدين عن دائرة الإستغلال في التعبئة الخاطئة التي تهدد سلامة المجتمع ووحدة الأمة.

وتبرز أهميّة هذا الدور في الوقت الراهن خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط التي بلغ فيها الشحن الطائفي مستوى خطيراً يهدد نسيج الوحدة الوطنية والتعددية الثقافية في شعوبنا ومجتمعاتنا والذي بات يشكل أيضاً المناخ الملائم لانتشار ثقافة العداء والكراهية للآخر المختلف، وهو مما يشوّه صورة الدين ويهدد بضرب العلاقات مع شعوب ودول العالم الأخرى.

وفيما يلي جملة من مقترحات ذكرناها في مناسبات أخرى نضعها بين أيدي المسؤولين لعلها تساهم في بناء ثقافة الإعتدال إنطلاقاً من الأساس المتين المتمثل بقاعدة المواطنة التي تقوم على العدل والمساواة بين المواطنين:

أ – دعم أصحاب خطاب الاعتدال الديني.

ب – إنشاء المعاهد المشتركة للدراسات الدينية.

ج – تنظيم السلك الديني وتحديث مناهج التعليم الديني .

د – تأليف الكتاب الديني الواحد لطلاب المدارس الأكاديمية يتحدث فيه عن المشتركات الدينية والفضائل الإنسانية، وأما خصوصيات المذاهب والأديان فهي مسؤولية المساجد والكنائس والمعاهد والمعابد الخاصّة بكل دين ومذهب.

هـ – اعتماد الوسائل الإعلامية والقنوات التلفزيونية التي تنشر فكر الوسطية والاعتدال في مجتمعاتنا المحلّية وعلى المستوى العالمي.

و – والمطلوب من علماء الدين التمسّك بخط الوسطية والاعتدال الذي دعت إليه الشرائع السماوية، والإبتعاد عن الانخراط في الحالات الحزبية التي تدفع أصحابها والمنتمين إليها للتعصّب لآراء أحزابهم، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء كانوا دعاة الإلفة والوئام، وما كانوا دعاة للفرقة والإنقسام.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

________________________________

نص ورقة العمل التي قدّمها العلاّمة السيد علي الأمين إلى “مؤتمر حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية، الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة ” المنعقد في مدينة مراكش بين 25و27 -2016 – إعلان مراكش .

النص المترجم إلى اللغة الإنكليزية :

A New Treatise on the Jurisprudence of Religious Minorities and the Principle of Citizenship