الثلاثاء , فبراير 17 2026
عناوين

لتنظيم السلك الديني بالشكل الذي يعزز الولاء للوطن

لتنظيم السلك الديني بالشكل الذي يعزز الولاء للوطن

العلاّمة السيد علي الأمين

إننا من خلال التدقيق في كلمة “الدين” ومن خلال الرجوع إلى مواطن استعمالها في النصوص الدينية، يظهر أن كلمة الدين ذات مدلول واحد غير قابل للجمع والتعدد الذي يستدعي التغاير. وذلك لأن الدين في مقابل الإلحاد الذي ينفي وجود الخالق للكون والحياة، وينفي بالتالي بعث الرسل والأنبياء. والإلحاد بهذا المعنى هو نقيض للدين الذي يعني إيماناً واعترافاً بوجود الخالق لهذا الكون والحياة، لأن العدم لا يصلح منشأ لهذا الوجود الزاخر بكل معاني الحياة، فإن فاقد الشيء لا يعطيه. وبما أن النفي الإلحادي أمر واحد، فيكون الإثبات الذي هو الدين أمراً واحداًلأن نقيض الواحد واحد كما هو مقرر في علمي الفلسفة والمنطق.

إن هناك نظرتين إلى هذا العالم: إحداها تنظر إلى هذا العالم نظرة فيها اعتقاد وتسليم بوجود المبدأ الخالق له وهو الله تعالى، وهذه رؤية الدين ورأيه. والنظرة الأخرى فيها إنكار لهذا الاعتقاد، وهذه نظرة الإلحاد ورأيه. ومن الواضح أنه لا يوجد رأيان للدين في هذه المسألة، ولا توجد له نظرتان تختلفان في مبدأ الكون والحياة. والدين يعني الاعتقاد بهذه المسائل. ولذلك نرى أن لا تعدد في الدين بهذا اللحاظ، وإنما هو أمر واحد وهو الإذعان والتسليم بأن الكون والحياة لم يخلقهما العدم، وإنما خلقهما الله تعالى وهو الذي أخرجهما من ظلمة العدم إلى نور الوجود.

الدين بهذا المعنى هو ما أرشدت إليه الفطرة السليمة ودل عليه العقل المستقيم وتعزز وتأكد بوحي السماء، وقد انبثق عن هذا الدين العقيدة، شرائع ورسالات سماوية واكبت مرحلة الوعي البشري. وهذه الشرائع وإن تعددت، إلا أنها واحدة في المصدر وواحدة في الهدف، أي أنها واحدة في الله وفي الإنسان. وعلى هذا فجمع كلمة (الدّين) على (أديان) هو بلحاظ تعدّد الرّسلات وليس بلحاظ وحدة المعتقد الأساسي الّذي يقابل الإلحاد.

وهذا الرأي في وحدة الدين يتعزز من خلال مراجعة جملة من النصوص الدينية التي تركز على وحدة دين الله، وهي كلمة (الدين) لم ترد في القرآن الكريم إلا بصيغة المفرد ولم أجدها في الكتاب المقدس بصيغة الجمع في حدود ما اطلعت عليه.

وقد ورد في سورة آل عمران أن دين الله هو المعنى الذي أشرنا إليه من الإذعان والتسليم بأن لهذا الكون مبدئاً وخالقاً وهو الله تعالى، والآية في قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، وقوله: ﴿أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون﴾. فإن الإسلام في الآيتين هو بمعنى التسليم والإذعان والإيمان بالله الخالق السموات والأرض ولكل مظاهر الحياة. وهذا المعنى هو المقصود أيضاً من قوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. والمعنى نفسه هو ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد من رسله ونحن له مسلمون﴾، فإن قوله تعالى ﴿ونحن له مسلمون﴾ يعني التسليم لله تعالى بأنه الخالق وبأنه منزل الوحي وباعث الأنبياء.

وقد تحصل أن دين الله واحد لا تعدد فيه، وأنه الإسلام لله بمعنى التسليم والاعتراف بالله تعالى والاعتقاد أنه هو خالق العالم وعلة هذا الوجود. وهذا لا يعني إنكاراً للمسيحية ولا لليهودية، لأن الدين بهذا المعنى هو دين الرسالات السماوية جميعاً التي انبثقت عن اعتقاد واحد في مسألة الكون والحياة.

وهذه الشرائع والرسالات ليس اختلافها بنحو التباين والتباعد، وإنما بنحو التكافل والتعاضد يكمل بعضها البعض الآخر، كما في قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾. وفي الكتاب المقدس ما يشير إلى تكامل الرسالات وهو قول السيد المسيح عليه السلام: “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس (أهدم) بل جئت لأكمله”.

ومن خلال التعرف على أهداف الرسالات السماوية، نتمكن أن نتعرف على الدور الذي يقوم به الدين في بناء الأوطان والإنسان. والهدف واحد كما يشير إليه قول الله تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾.

وقد دلت هذه الآية على أن الهدف هو إقامة العدل بين الناس وإعادة الوحدة التي تصدعت بالاختلاف فيما بينهم. وإقامة العدل وتوحيد الناس من الكمال المطلوب في رسالة السيد المسيح عليه السلام: “كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل”. ومن خلال هذين النصين الدينيين نفهم وحدة الرسالات السماوية في الهدف بعد أن كانت واحدة في المصدر وفي الرؤية الفلسفية لهذا الكون.

وبعد معرفة الهدف، لا يمكن أن يكون الدين إلا عاملاً من عوامل استقرار المجتمع، لأنه يدعو إلى الوحدة والعدالة، وهما الأساس في استقرار المجتمع البشري وتطوره. وقد كانت حركة الأنبياء عبر التاريخ لتغيير الواقع الفاسد وإصلاحه على أسس من العدالة الإلهية التي حمل مشعلها الأنبياء والمرسلون، وواصل مسيرتها الصالحون والمصلحون من بني البشر المؤمنين برسالات ربهم.

وبعد أن عرفنا تكامل الرسالات في أهدافها، يمكننا الإطلالة على الواقع في وطننا لبنان وعلى الدور الذي يمكن أن يقوم به الدين في هذا الإطار. فنقول إن الدين هو من عوامل بقاء هذا الوطن، لأن الدين من خلال الشرائع المنبثقة عنه يدعو إلى المحافظة على الوطن وإلى تعزيز الارتباط به وبإنسانه. وقد ورد في الحديث الديني: “إن حب الوطن من الإيمان، إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل فانظر حنينه إلى وطنه”.

ولا يجوز أن تكون روابط الدين والعقيدة على حساب روابط الإنسان بوطنه وشعبه، لأن الدين، كما عرفنا من أهدافه أن يعزز ارتباط الإنسان بوطنه وشعبه، وهي ارتباطات تسبق رابطة الدين الذي جاء ليؤكدها ويعززها بالتواصل والتعاضد. ومن هنا، فإننا نؤكد على أن المتهاون في وطنه هو متهاون في دينه، لأن الوطن من المقدسات التي لا يجوز الاستهانة بها ولا التفريط بها تحت أي شعار.

وقد أثبتت الأحداث التي جرت على الأرض اللبنانية طيلة خمسة عشر عاماً ونيف، أن لبنان لا يمكن أن يكتب له البقاء والاستمرار كوطن لجميع أبنائه إلا من خلال صيغة العيش المشترك بين الطوائف الإسلامية والمسيحية. وقد رأينا اهتزاز الكيان اللبناني كله عندما اهتزت صيغة العيش المشترك في بعض المناطق، ورأينا كيف بدأت العافية تعود إلى لبنان وطناً واحداً موحداً ودولة واحدة عندما أزيلت الفواصل المصطنعة بين اللبنانيين وسرعان ما عاد اللبنانيون عائلة واحدة كما أراده الله تعالى بقوله: ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. فهو خلقنا للتعارف والتواصل والتفاعل في العيش معاً.

وصيغة العيش هذه هي تعبير عملي عن أهداف الدين الواحدة في صيانة الإنسان وحقه في العيش بسلام مع أخيه الإنسان على قاعدة العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات. وهذه العدالة الاجتماعية التي لابد منها في بناء الوطن وصهر المواطنين هي المنسجمة مع العدالة الإلهية التي بشر بها الأنبياء، وكما جاء في الإنجيل المقدس: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”.

ولذلك نرى أن في الصيغة اللبنانية للعيش المشترك التي تعني قبول بعضنا البعض الآخر ضمن عائلة واحدة اسمها الشعب اللبناني، وضمن وطن واحد اسمه لبنان المؤمن برسالات السماء، نرى فيها الرسالة الدينية التي يجب التمسك بها وتعميمها إلى كل بلاد العالم، لأنها الصيغة الوحيدة التي تبعث الأمن والاستقرار للجماعة البشرية عبر التوافق واللقاء بين أتباع الشرائع السماوية. وبذلك نستجيب لنداء الله تعالى: ﴿أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا﴾، و﴿وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون﴾. وقد حدثنا القرآن الكريم عن المحبة والمودة بين المسيحيين والمسلمين بقوله تعالى: ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون﴾.

إذن لم تكن المشكلة في الدين وأهدافه، وإنما تكمن المشكلة في الصراع السياسي، حيث يحاول البعض استخدام الدين وسيلة لتعزيز موقعه السياسي. من هنا المشكلة في من شوهوا الدين، فقد كان الدين عامل ألفة بين اللبنانيين كما رأينا ذلك في عهد الإمام الصدر أعاده الله الذي اعتبر هذا التركيب الطائفي ثروة يجب صيانتها.

إننا نطالب بالكتاب الديني الموحد وتنظيم التعليم الديني في المدارس، فكما كتاب التاريخ ينبغي أن يكون واحداً، كذلك كتاب التعليم الديني. وقد كان آباؤنا مؤمنين موحدين ولم يدرسوا الدين في المدارس.

ونحتاج إلى المعهد الديني الواحد الذي يجلس فيه الأب مع الشيخ على مقعد واحد، لأننا من خلال المقعد الواحد نضمن بقاء الوطن الواحد والشعب الواحد. إننا لا نريد أن نكتفي باللقاءات البروتوكولية على مستوى القيادات الروحية، لأنها لم تؤد إلى فهم متبادل ولم ترسخ العيش المشترك، لأنها لقاءات سياسية لم تلامس جوهر القضية التي نريدها وهي الانصهار الوطني عبر فهم ديني متبادل يعزز صيغة العيش المشترك.

إن عجز المؤسسات الدينية كان واضحاً أثناء الحروب التي قامت بعض الأحيان باسم الدين. وكذلك تبرز الحاجة الملحة لتنظيم السلك الديني بالشكل الذي يعزز الولاء للوطن ويحافظ على الوحدة بين المواطنين.

إنه إذا لم تتمكن المؤسسة الدينية من القيام بهذه الأدوار، فإننا نقترح إنشاء وزارة للشؤون الدينية لترعى هذه الأمور، لأنه لا يجوز أن تظل مراكز التربية والتوجيه في المدارس والكنائس والمساجد بمعزل عن منهاج موحّدٍ للتّعليم الدّيني يجمع بين أبناء الشعب الواحد.

جريدة الديار اللبنانية

العدد ٢٢٢٠

٢٥ تشرين الأول ١٩٩٤

من الأرشيف : جريدة الديار اللبنانية – 25 ت 1 1994 : العلامة الأمين : لتنظيم السلك الديني بالشكل الذي يعزز الولاء للوطن

العلامة السيد علي الأمين

لتنظيم السلك الديني بالشكل الذي يعزز الولاء للوطن

من الأرشيف مقال في جريدة الديار اللبنانية – 25- ت 1 -1994

العدد 2220

إضغط على PDF لتحميل الملف

مواضيع ذات صلة: إننا نقسمهم صغارا ونطلب الوحدة منهم كبارا -التعليم الديني مهمة الكنائس والمساجد :

شارك وانشر