الأربعاء , يونيو 10 2026

الدولة اللبنانية وشعار الحرية والديموقراطية بين الأمس واليوم

 الدولة اللبنانية وشعار الحرية والديموقراطية بين الأمس واليوم 

من كلمة العلاّمة السيد علي الأمين ، لبنان الجنوب 1996

ملخص:
– القمع قضاء البشر لا قضاء الله

– شعار الحرية والديموقراطية في لبنان

– الخلل في اعطاء الحكومة ثقة سلفاً قبل عملها

– يتم توزير المناطق والطوائف لا أشخاصا يريدون خدمة الوطن

– لا يعنينا توزير فلان الشيعي أو الماروني أو السني نحن شعب يعنينا من يخدم لأنه سيختزل حقوق الطائفة في نفسه عندما لا يكون حصة للوطن

– المطلوب توزير الخدمة التي يجب أن تصل إلى المواطن مهما كان انتماؤه الديني أو السياسي عندها نصل إلى دولة المواطنة لا الحصص و التقسيمات هنا وهناك

– إصلاح الأنظمة والقوانين: النائب المستوزر خصم للمعارضة وحكم بين المعارضة والموالاة! معارض وموال في تفس الوقت !

– المطلوب من مؤسسة التشريع أحكاماً وقوانين تسد حاجات المجتمع ومعالجة قضاياه الملحة وليس كيف يأخذ النائب حصصاً وتقاعداً مدى الحياة!

– بأربع سنوات يتقاضى النائب تقاعداً لمدى الحياة، والموظف الجندي المسكين يحتاج أن يصبح عمره 64 سنة حتى ياخذ تقاعداً مدى الحياة و العامل بعمل من المهد إلى اللحد ولا تقاعد له !

– نحن والمعلمون والعسكر والأمن الداخلي والعمال وكل شرائح المجتمع ندفع الضرائب، ولكنك تدفع الضرائب ولا تعطى منحة لتسجل ولدك في مدرسة رسمية، بينما الموظف الذي أوجدت له الدولة مدرسة رسمية وكما يقولون تريد ان “تشجعها”، فإنها تعطيه منحة لتسجيل ولده في المدارس الخاصة!

– الموظف القادر على تسجيل أولاده في أرقى الجامعات والمدارس كنوابنا الكرام بل يرسلونهم إلى الخارج، بينما المواطن العادي الكادح لا يستحق ان يعفى من تسجيل ولده في المدارس الرسمية! أي عدالة هذه ؟ أين هي القوانين والإشتغال بالقوانين والتشريعات التي تلامس جروح المجتمع؟

– اين ضمان الشيخوخة؟
– بعض المسؤولين الكبار يُسأل فيجيب “بأن العاطلين عن العمل أعمارهم من الأربعين فصاعداً! ” نقول له : هذا الذي عمره أربعون سنة ألا يحتاج إلى فرصة عمل؟! أليست هذه مشكلة فكيف تواجهها الدولة؟!
أليس هو ابن هذا الوطن؟! أربعين عاماً قضاها في خدمة هذا الوطن فأين يذهب إبن الأربعين؟ وأين يذهب إبن الستين؟ أين يذهب إبن السبعين؟! أليست مشكلة يجب أن تعالجها الدولة؟!
ابن الأربعين أليس لبنانياً؟ ابن الخمسين أليس مواطناً؟

– الدولة بالأصل وجدت ليس لتوظيف فئة محددة من المجتمع. الدولة مؤسسة مبرر وجودها خدمة المجتمع بكل فئاته وشرائحه والدفاع عنه والمحافظة عليه.

– الذي ينبغي أن ننظر ليس إلى كل تلك الساعات وعيداً وتنديداً بين الحكومة والنواب بل الجلسات التي تؤدي لتشريعات تحقق عدالة اجتماعية لمختلف طبقات الشعب.

– الإمام علي عليه السلام طرح ضمان الشيخوخة قبل ألف وأربعمئة عام فبأي شيء يفتخر هؤلاء؟ بالديموقراطية والانتخابات؟ وكأن فخرنا في أن يصل فلان ويصل فلان! الفخر كل الفخر فيما يحققه الواصلون من انجازات وما يقدمونه من خدمات للشعب.

– الإمام علي إنتفض غاضباً لرجل يتسول في دولته وسأل أصحابه ما هذا ؟ قالوا: نصراني يا امير المؤمنين! فغضب الإمام قائلاً : سألتكم ما هذا وليس من هذا ، استعملتموه حتى إذا عجز منعتموه! أعطوه من بيت المال.

أيقبل الإمام علي أن يتسول أحد في دولته وهو القائل: “لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع، لا طمع له بالرغيف”.

– فرض الإمام علي ضريبة ضمان الشيخوخة للعجزة والمساكين من دون ان ينظر إلى سياسة أو دين.

-أما الآن فأنت يجب ان تكون من جماعة الزعيم حتى تصل لبعض الحقّ أو بعض العظام! ثم يأتون ويصعدون المنابر ويتكلمون عن الكفاءة! أليس النظام أقر أن يصل كل مواطن إلى حقه من دون تمسيح اجواخ ومن دون تقبيل ليد الزعيم على الظهر والقفا! متى نصل إلى هذا؟!

-عندما نصل إلى هذا نكون قد حققنا أهداف الأنبياء والإمام علي وورثها الإمام الصدر. اما الآن ملزم ان تسمع دولة الرئيس ورئيس الدولة والى اخره القاب ما انزل الله بها من سلطان ثم لا تجد عملا على الأرض! الألقاب مسؤولية ، الألقاب تحتاج لثمن . عندما يقال لفلان رئيس أو لفلان قائد أو لفلان إمام أو عقيد أو عظيم إلخ … هذه ألقاب ذات مضامين تحمل أصحابها مسؤولية وأمانة كبرى في أعناقهم. الامام علي يقول :” أأرضى أن يقال هذا أمير المؤمنين! ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون لهم أسوة في جشوبة العيش!” يقولون له رئيس ويعيش في القصور وغيره يكاد يصل إلى حافة القبور !
على الأقل إذا لا يمكنك أن تساعد كن لهم أسوة في جشوبة العيش. أما أن تحدثني عن زهد علي وشجاعة علي وعدالة علي ثم لا تحصي لسياراتهم وشققهم ودورهم وثرواتهم عددا .

– الازمات تعالج بمزيد من الوعي والتضامن والتآلف حتى نضطر الحاكم ان يحقق لنا الحقوق.
– بعضهم يقول طالبنا ولم يحصل شيء: لم ننتخبك للبرلمان لتقرأ لنا (دعاء كُميل) هناك ولا لتقرأ لنا عزاء على المنبر وتشكوا لنا إنما لانتزاع حقوق الشعب في البرلمان. نحن على المنبر نطرح قضايا الشعب وانت كممثل للشعب اوصلناك مهمتك ان تنتزع الحقوق للشعب. أما إذا غير قادر فلماذا ناضلنا كل هذا النضال كله؟ أكان النضال لأجل أن يقال سعادة النائب ودولة الرئيس؟ لم يكن الجهاد الذي كان ومتواصلاً من أجل ألقاب وإنما من أجل إصلاحات حقيقية في النظام.
– ستبقى طويلاً هذه الأزمات ُ
إذا لم تقصر عمرها الصدماتُ

إذا لم ينلها مصلحون بواسلٌ
جريئون فيما يدّعون كفاةُ

ألم تر أن الشعب جُلُّ حقوقه
هي اليوم للأفراد ممتلكاتُ

ومن عجبٍ أن الذين تكفلوا
بإنقاذ أهليهِ همُ العثراتُ

– لا يصح أن يكون من يتكفل بإنقاذ الشعب، أن يكون هو العثرة أمام الإصلاح.

– أنا لا أفهم موالاة عمياء للنظام خصوصاً ممن هو مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخصوصاً ممن هو مكلف أن يقول قول الإمام علي:” إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان أجلاً ولا يقطعان رزقاً.

– المعارضة ضرورية. الامام علي كان يقول : ( فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل) الامام علي يمنح الحق للمعارضة، فكيف لا يمنحها أتباع علي للمعارضة والذين يرثون علياً فيما حدده من أهداف؟! ( وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم)، يستطيع أن يسكت الانسان على سغب المظلوم فيستطيع أن يجد ديناً آخر. الدين دائماً هو مع الفقراء ومع المظلومين.

-لعلّ أوّل حاكم عارض الموالاة ووالى المعارضة هو الامام علي.

– كان الامام علي يوالي المعارضة وينحاز للفقراء وكان سيفاً صارماً على الموالاة وعلى مسحة الأجواخ.

– البعض يقول أنه مع المعارضة ولكن ليس للأمور الخاصة، يريد بذلك أن يقول للسامع أن كل من يعارض في الوطن أنه يريد أمراً خاصاً. قل ما هي الأمور الخاصة؟! هل لقمة العيش وتخفيض اسعار المحروقات وحقوق المعلمين هي مطلب خاص؟! دلّونا على المطالب العامّة!
هذه في الحقيقة ضرب للمعارضة واتهامها بكل شرائحها بأنها تسعى من أجل مصالح خاصة. دلونا ما هي المصالح الخاصة مولانا أو رئيسنا؟ فيقول انهم يريدون السلطة. هل هذه السلطة ملك لك؟ لماذا أنت كافحت من أجل أن تصل إليها؟! ما هذا المنطق؟

– إذا قلت لهم مدارس ، مستشفيات مجانية، تعليم مجاني، فيقولون إن وراء ذلك مطالب خاصة!
– إذا قلت لهم مساجد تشاد بملايين الدولارات، والناس حفاة عُراة.. فيقولون إن وراء ذلك مطالب خاصة! دلونا ما هو المطلب العام حتى نعرفه! أتعرفون ما هو المطلب المسموح به؟ أن تسبح بحمد السلطان بكرة وأصيلا!

 

كلمة العلامة السيد علي الأمين

مناسبة عامة – لبنان – الجنوب – سنة 1996

الدولة اللبنانية وشعار الحرية والديموقراطية بين الأمس واليوم

دولة المؤسسات المعاصرة ومسؤوليات الحاكم في منظور الإمام علي عليه السلام


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:
“وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد”
“رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني”

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والصديقين وجميع عباد الله الصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

أصحاب السماحة والفضيلة، أهلي الكرام، السلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.

الفاتحة

في هذه المناسبة التي يجللنا فيها الخطب، والتي يعتصر فيها الألم القلوب، والتي يجلل فيها السواد بفقد البرعم، وذلك الغصن الندي الذي افتقدناه في مقتبل العمر وريحان الصبا (بشرى).

هذه التي كانت معقدًا للآمال، قد غيّب القدر شجرة أحلامها واقتلع آمالها، وإننا إزاء هذا المصاب الجلل لا يسعنا إلا أن نعود إلى بليغ الموعظة وأحسن الكلام الذي نجد فيه العزاء والسلوان، وهو قوله سبحانه وتعالى:

“ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون.”

نبشّر أبا بشرى على صبره وحسن تسليمه للقضاء، ورضائه بحكمه سبحانه وتعالى، الذي أدّى إلى اختطاف هذه الفتاة اليافعة والطاهرة. وهذا الصبر، الذي اعتبره الله سبحانه وتعالى علاجًا، نتغلب به على المصاب، ونذلل من خلاله الصعاب، ليس عاملًا سلبيًا في حياتنا، بل هو الذي يخرجنا من طور اليأس والقنوط، لنتغلب على مصاعب الحياة، ونقف أمام قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، مسلّمين بحكمه وحكمته.

ولذلك، من خلال الصبر الجميل، يمكننا أن نعيد دورة الحياة مجددًا إلى الفرد والمجتمع، لأن الصبر هو الأداة التي تخرجنا من طور الجزع واليأس والقنوط، الذي يحول الفرد إلى عنصر غير فعّال في الحياة.

ولذلك ورد أن الجزع يجمع على المرء مصيبتين: مصيبة فقد من أحب، وعدم إمكانه أن يعيد ذلك الحبيب أو يغير من الواقع شيئًا.

لذلك اعتبرت الآية المباركة أن الصبر هو العامل المهم الذي نتخطى به المصاعب، والذي يعيد الأمور إلى مواقعها الطبيعية، خصوصًا إذا كان الأمر الذي حلّ لا يمكننا أن نبدّل فيه أو نغيّر من الواقع شيئًا. وكما هو حال الموت، فإن أعظم علاج لمصيبة الموت هو أن نتسلح بسلاح الصبر، الذي هو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، كما في بعض النصوص الدينية.

إذا عدنا إلى الأحداث التي تنتاب الإنسان فردًا ومجتمعًا وشعبًا ووطنًا، فلا شك بأن الصبر يشكل أعظم دعامة من دعائم التغيير.

ولكنه على نحوين:

1. الصبر على قضاء الله وقدره، يعني تسليمًا لحكم الله سبحانه وتعالى.

2. الصبر على ما يصيب الإنسان من ظلم واضطهاد، لا يعني الصبر السلبي، ولا يعني خنوعًا واستسلامًا، وإنما يعني مصابرة ومرابطة من أجل تغيير الواقع السيئ إلى واقع حسن.

ليس معنى صبرنا على الاحتلال أن نقبل بالاحتلال، وإنما معنى صبرنا على الاحتلال أن نتحمل الآثار من أجل أن نحرر الأرض، ومن أجل أن نتشبث بها. وهكذا صبرنا في حركة الداخل التي يقوم بها النظام، والتي لم يكن آخرها بالأمس الذي رأيناه وسمعناه من قمع.

ليس معنى صبرنا على الذي رأيناه أن نستسلم لما جرى، ولا لما هو حاصل، لأن ما جرى ليس قضاءً وقدرًا إلهيًّا، بل هو قضاء البشر، ومن واجبنا أن نتحرك لتغيير القضاء غير الصالح الذي يصنعه البشر.

بالأمس رأينا قمعًا ورأينا قهرًا من خلال حكومة تدّعي أنها منبثقة عن الشعب، ويتغنى مسؤولوها بحرية غير موجودة في العالم إلا في لبنان، وبديمقراطية غير موجودة في العالم العربي، بل حتى في فرنسا العريقة في الديمقراطية، إلا في ديمقراطية حكومتنا في لبنان.

أنا لست أدري كيف يحق لحكومة تدّعي أنها منبثقة عن الشعب، وأنها منبثقة عن مؤسسات تنبثق عن الشعب، وأن الشعب في النظام الديمقراطي هو مصدر السلطات، وإذا بها تمنع الشعب من التعبير!

لم يكن الذين قُهروا عندما خرجوا إلى الشارع، والذين بقوا في ديارهم، يريدون ثورة على النظام، ولا يريدون إسقاط الحاكم، بل كانوا يقولون للحاكم: “ابقَ مكانك، لأن كل المؤسسات معك أيها الحاكم.”

لقد سمعنا على ثلاثة أيام متواليات جعجعة ولم نرَ طحينًا! سمعنا جعجعة ولم نرَ تغييرًا في كلمة واحدة من البيان الوزاري. بل كانت ثلاثة أيام من كلمات النواب، انتهت بعشر دقائق من الأجوبة، من دون تعديل ولا تغيير. ثلاثة أيام من جعجعة الطاحونة التي كنا ننتظر منها طحينًا وخبزًا يصل إلى الشعب، وإذا بثلاثة أيام من النقاش تنتهي برفع الأيدي، فرفع جلّهم أيديهم تأييدًا لحكومة، لا ندري إلى أين ستأخذ البلاد!

ولا أدري كيف يمكننا أن نمنح حكومة ثقةً من دون أن نجرب هذه الحكومة. أنا لا أرى أن الخلل في الإدارة، والخلل في الاقتصاد، والخلل في الاختلاسات، إنما هي مظاهر وتعبير عن الخلل الأعمق في النظام.

لاحظوا أن نظامًا لا يزال تتقاسمه أركان السلطة والحكم، ولا تتشكل حكومة قبل أن يوافق عليها أركان الحكم. وأنتم قد منحتموها الثقة سلفًا! لماذا هذا؟

إذا كانت الحكومة لا تتشكل بكل أعضائها إلا إذا رضي عليها أركان الحكم، وأركان الحكم هم المسيطرون على المجلس النيابي، فبمجرد أن تشكلت الحكومة، لا داعي لعقد جلسات لمنح الثقة، لأن الثقة قد مُنحت مسبقًا من خلال موافقة أركان الحكم عليها.

الاختلاف ليس على توزير زيد أو عبيد، وإنما لا يزال الاختلاف على التوزير المناطقي والطائفي. ألم تستمعوا إلى كلمات وزراء هنا ونواب هناك؟ هذا يقول: “حصة الشمال من الوزارة منقوصة”، وذاك يقول: “حصة البقاع منقوصة”، وآخر يقول: “حصة الجنوب تحتاج إلى مزيد.” وكأن المسألة هي توزير لمناطق وطوائف، وليس توزيرًا لأشخاص يريدون أن يخدموا هذا الوطن!

نحن كشعب، ماذا يعنينا توزير زيد أو عبيد؟ وماذا يعنينا أن يكون الوزير فلانًا الشيعي أو فلانًا الماروني أو السني؟ نحن شعب تعنينا الخدمة، ولا يعنينا من يخدم. نحن نحتاج إلى خدمات، لا نحتاج إلى أشخاص يُحسبون على هذه الطائفة أو تلك، لأنهم سيختزلون حقوق الطائفة في شخصهم عندما يكونون حصصًا للطوائف، وليس للوطن.

نحن كشعب، ماذا يعنينا توزير زيد أو عبيد؟ وماذا يعنينا من توزير فلان الشيعي أو فلان الماروني أو السني؟ نحن شعب تعنينا الخدمة، ولا يعنينا من يخدم. نحن نحتاج إلى خدمات، لا نحتاج إلى فلان يُحسب على هذه الطائفة أو فلان يُحسب على تلك، لأنه سيختزل حقوق الطائفة في شخصه عندما يكون حصة للطائفة وليس حصة للوطن.

أنا لا يعنيني توزير هذا أو ذاك، وإنما يعنينا توزير الخدمة. الخدمة يجب أن تصل إلى المواطن مهما كان انتماؤه المناطقي والسياسي والمذهبي والديني، وعندئذ نصل إلى دولة المؤسسة، لا إلى دولة الحصص ولا إلى دولة التقسيمات هنا وهناك.

ولذلك، ما شاهدناه بالأمس وقد نشاهده كثيرًا: جلسات متكررة لطرح الثقة بحكومة أخذتها مسبقًا، وتهديد هنا وجعجعة هناك، ولكن في نهاية المطاف، ارفعوا أيديكم وامنحوا الحكومة الثقة وقد أخذتها قبل أن تُسأل النواب ثقتهم.

لاحظوا الآن: النائب الذي يُستوزر هو في نفس الوقت خصم وحكم. حكم يقبل صوته في منح الثقة لنفسه ولحكومته، فكيف تكون هذه المعارضة؟ كيف يكون إنسان وزيرًا يقبل صوته في تأييد نفسه وتأييد الحكومة التي هو جزء منها، وذاك الشخص خارج الوزارة أيضًا يعتبر صوتًا من الأصوات؟

نرجع إلى النائب الوزير، حكمًا، لأنه هو الحكم بين المعارضة والموالاة، وفي نفس الوقت أيضًا هو خصم للمعارضة. كيف يكون خصمًا للمعارضة ويكون أيضًا حكمًا في نفس الوقت بين المعارضة وبين الموالاة؟ القضية تحتاج إلى إصلاح في الأنظمة والقوانين.

لا تعنينا أبدًا كل تلك الشعارات وكل تلك الأقاويل، وإنما يعنينا العمل على الأرض، وتعنينا الأحكام والقوانين التي تعود لتلامس جروح الشعب وتداوي قروحه.

تعالوا معي إلى القوانين التي تشرّعها مؤسسة التشريع من أجل النواب. فلنترك مسألة ثلاثة أيام، الثقة مُنحت للحكومة منذ تشكيلها، فلماذا نبقى ثلاثة أيام نستمع إلى جلسات وكلمات مكررة؟ فالحريري لا يمكنه أن يعلن عن حكومته إلا إذا وافق رئيس الجمهورية ووافق رئيس مجلس النواب. حسنًا، فإذا وافق الثلاثة، فالثقة قد حصلت. إذن، ثلاثة أيام، اشتغلوا بتشريعات تسد حاجات المجتمع.

نريد أحكامًا وقوانين تصدرها تلك المؤسسات لتعالج القضايا الملحة التي يعاني منها الشعب، وليس أن يشرّعوا لنا قوانينَ عن كيفية حصول النائب على حصص وتقاعد مدى الحياة. النائب، إذا حالفه الحظ وركب في “بوسطة” إحدى اللوائح، فقد قبر الفقر مدى العمر، لأنه عندما يأتي مرة واحدة، يصبح يتقاضى راتبًا من الدولة مدى الحياة.

يعني في أربع سنوات، هذا النائب يتقاضى تقاعدًا مدى الحياة، والموظف الجندي المسكين يجب أن يصل عمره إلى 64 سنة في الخدمة حتى يأخذ تقاعدًا مدى الحياة، والعامل في خطوط التماس في الزوطرين الصامدتين والصابرتين يعمل من المهد إلى اللحد، ولا يوجد له تقاعد.

مثلًا: السلع التموينية، والسلع التي نشتريها للبناء، والمحروقات، وأي شيء آخر… نحن جميع أفراد الشعب شركاء في دفع الضرائب، ولكنك عندما تأتي إلى غنائم الدولة ومنحها، تجد أنها مخصصة لفئة محددة وهم الموظفون. لاحظوا المنح المدرسية، نحن كلنا ندفع الضرائب، الدولة تفرض ضرائب على المحروقات، نحن والموظفون ندفع الضرائب، نحن والمعلمون ندفع الضرائب، نحن والعسكر ندفع الضرائب، نحن وقوى الأمن الداخلي ندفع الضرائب… كلنا كأفراد شعب، العمال وبقية شرائح المجتمع، لكن أنت تدفع الضرائب ولا تُعطى منحة لتسجيل ولدك في مدرسة رسمية، بينما الموظف الذي أوجدت له الدولة مدرسة رسمية تريد أن تشجعها -كما يقولون- تُعطيه منحة لتسجيل ولده في المدارس الخاصة!
حسنًا، الموظف قادر على تسجيل أبنائه في أرقى الجامعات والمدارس، مثل نوابنا الكرام. نوابنا الكرام قادرون على تسجيل أبنائهم في أرقى الجامعات، بل يرسلونهم إلى الخارج، وهذا يأخذ منحة مدرسية، بينما المواطن العادي الكادح لا يستحق أن يُعفى من تسجيل ولده في المدارس الرسمية! أي عدالة هذه؟ أين هي القوانين؟ فلتشتغل حكومتنا ونوابنا في التشريعات التي تلامس جروح المجتمع.

أين ضمان الشيخوخة؟ الآن، بعض المسؤولين يُسأل فيقول: “نعم، هناك عاطلون عن العمل لأن عمرهم فوق الأربعين سنة وصعودًا…” حسنًا، هذا الذي عمره 40 سنة، ألا يحتاج إلى فرصة عمل؟ فهذه مشكلة، كيف تواجهها الدولة؟ إنه، لأنه ابن الأربعين سنة، ليس له مجال يتوظف، فإذا به يصبح قاعدًا عن العمل! كيف هذا المنطق؟ أليس هذا ابن هذا الوطن؟ أربعون عامًا قضاها في خدمة هذا الوطن، أين يذهب؟ ابن الأربعين، ابن الستين، ابن السبعين، أليست هذه مشكلة يجب أن تعالجها الدولة؟

الدولة، كمؤسسة، وُجدت ليس لتوظيف فئة محددة من المجتمع، بل وُجدت لخدمة المجتمع بكل فئاته وشرائحه، والدفاع عنه والمحافظة عليه، هذا هو مبرر وجودها. أما مسؤول يقول: “هؤلاء القاعدون بلا عمل وشغل، هؤلاء عمرهم 40 سنة”… حسنًا، عمرهم 40 سنة، أليسوا لبنانيين؟ أليسوا مواطنين؟ ابن الخمسين سنة، أليس مواطنًا؟ ما هو العلاج لمشكلته؟

ما ينبغي أن ننظر إليه ليس كل تلك الساعات التي تُقضى وعيدًا وتنديدًا وتهديدًا، وإنما نريد الجلسات الحامية التي تتوصل إلى تشريعات تحقق عدالة اجتماعية لمختلف طبقات الشعب، وتحقق ضمان الشيخوخة.

يفتخرون الآن بديمقراطيتهم! وأمير المؤمنين (سلام الله عليه)، الذي نعيش أيام ذكرى ولادته قبل 1400 عام، طرح ضمان الشيخوخة. بأي شيء يفتخر هؤلاء؟ يفتخرون بأن لدينا ديمقراطية وانتخابات؟ وكان فخرنا بأن يصل فلان وفلان؟ الفخر كل الفخر فيما يحققه الواصلون من إنجازات وما يقدمونه من خدمات للشعب.

الإمام علي (سلام الله عليه)، قبل 1400 عام، كان يتفقد بعض أحياء الكوفة، وكان خليفة للمسلمين آنذاك، فإذا به يرى شيخًا كبيرًا قد تهدلت حاجباه على عينيه، وأثر الدهر في جبينه وخديه، فرآه يتسوّل. انتفض علي غاضبًا، وقال: “ما هذا؟” قالوا: “نصراني، يا أمير المؤمنين.” فقال: “استعملتموه حتى إذا عجز منعتموه؟ أعطوه من بيت المال!”

فرض علي (عليه السلام) ضريبة لضمان الشيخوخة للعجزة والمساكين، من دون أن ينظر إلى سياسة أو دين. هذا هو علي بن أبي طالب. أما الآن، فيجب أن تكون من جماعة هذا الزعيم أو ذاك الزعيم حتى تصل إلى بعض الحقوق وبعض العظام!

ثم بعد قليل، نصعد إلى المنبر ونتكلم عن الكفاءة! أما كان نضالكم من أجل أن يصل كل مواطن إلى حقه من دون تمسيح الجوخ ومن دون تقبيل اليد؟ متى نصل إلى هذه المرحلة؟ عندما نصل إليها، نكون قد حققنا تلك المبادئ والأهداف التي رسمها الأنبياء وورثها الإمام الصدر (أعاده الله). أما الآن، فثلاثة أيام تريد أن تسمع دولة الرئيس ورئيس الدولة، وإلى آخره من ألقاب، ما أنزل الله بها من سلطان، ثم ليس هناك شيء! الألقاب مسؤولية، وليست مجرد كلمات.

“ستبقى طويلًا هذه الأزمات،
إذا لم تُقصِّر عمرها الصدمات
إذا لم ينلها مصلحون بواسل
جريئون فيما يدّعون كُفاة
ألم ترَ أن الشعب جلَّ حقوقه
هي اليوم للأفراد ممتلكات
ومن عجبٍ أن الذين تكفّلوا
بإنقاذ أهليه هم العثرات!

لا يصحُّ أن يكون من يتكفّل إنقاذ الشعب هو العثرة أمام الإصلاح، لا يصح.
أنا لا أتمكن من فهم معنى الموالاة العمياء للنظام، خصوصًا ممّن هو مكلّف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخصوصًا ممّن هو مكلّف بأن يقول قول عليٍّ (عليه السلام):

“إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يُقرّبان أجلاً ولا يقطعان رزقًا.”

لا ينقطع رزق الواحد إذا عارض… المعارضة ضرورية.
عليٌّ (عليه السلام) كان يقول:

“لا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل.”

عليٌّ يمنح الحقّ للمعارضة، فكيف لا يمنحها أتباع عليٍّ للمعارضة، وهم الذين يرثون عليًّا فيما حدّده من أهداف؟

“وما أخذ الله على العلماء أن لا يُقارّوا على كظةِ ظالمٍ ولا سغبِ مظلوم.”

هذا كلام عليٍّ (عليه السلام).

قال:

“والله، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يُقارّوا على كظة ظالمٍ ولا سغبِ مظلوم.”

إذا أراد الإنسان أن يسكت عن سغب المظلوم، عليه أن يجد دينًا آخر!
الدين دائمًا هو مع الفقراء ومع المظلومين.

ولعلّي ذكرت قبل أسبوع بأنّ أوّل حاكم في الدنيا والى المعارضة وعارض الموالاة هو عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام).
كان عليٌّ يوالي المعارضة، وينحاز للفقراء، وكان سيفًا صارمًا على الموالاة وعلى مسحة الأجواخ.

أما الآن، فالبعض نسمعه يقول إنه مع المعارضة، ولكن المعارضة ليست لأمور خاصة، ويسكت عن الأمور الخاصة!
فيمكن للسامع أن يقول: إنّ كل معارض في هذا الوطن إنما يريد شيئًا خاصًا.

سبحان الله، اذكروا لنا ما هي الأمور الخاصة!

إذا طالبوا بلقمة العيش، فهذا مطلب خاص!
>إذا طالبوا بتخفيض أسعار المحروقات، فهذه مطالب خاصة!
>إذا طالبوا بحقوق المعلّمين، فهذه مطالب خاصة!

إذًا، أين هي المطالب العامة؟ دلّونا عليها!

هو يقول: “أنا مع المعارضة ولكن ليس لأمور خاصة.”
طيب، حدّد لنا ما هي الأمور الخاصة؟

هذا ليس تأييدًا للمعارضة، هذه في الحقيقة ضربة للمعارضة، واتهام لها، بكل شرائحها، بأنها تسعى من أجل مصالح خاصة.

طيب، ما هي المصالح الخاصة، مولانا أو رئيسنا؟

يجيب: “المصالح الخاصة هي أنهم يريدون الوصول إلى السلطة!”

طيب، هذه السلطة التي بين يديك، هل هي ملك لك؟ لماذا أنت كافحت من أجل أن تصل إليها؟ ما هذا المنطق؟!

إذا قلنا لهم: مدارس ومستشفيات مجانية، وتعليم مجاني، قالوا: “هذه وراءها مطالب خاصة.”

طيب، وإذا قلنا: مساجد تُشاد بملايين الدولارات والناس حفاة عراة؟ قالوا: “لا، هذا وراءه مطالب خاصة!”

كيف هذا المنطق؟!

إذًا، ما هو المطلب العام حتى نعرف بماذا نطالبكم؟

أتدرون ما هو المطلب المسموح به؟

أن تُسبِّح بحمد السلطان بكرةً وأصيلًا!

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، ونسأله أن يجعل الفقيدة الغالية طيرًا من طيور الجنة، وأن يجعلها لنا ولأبويها خَلَفًا وفَرَطًا، وأن يُلهم أهلها وذويها الصبر والسلوان.

إلى روحها الفاتحة…

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شارك وانشر
superbetinsüperbetinsuperbetin girişsüperbetinsuperbetinsuperbetin girişjojobetjojobet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişroketbetroketbet girişroketbet güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişbahislionbahislion girişbahislion güncel girişteosbetteosbet girişteosbet güncel girişkingroyalkingroyal girişkingroyal güncel girişbetplaybetplay girişbetplay güncel girişgrandpashabetgrandpashabet girişmeritbetmeritbet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişkingroyalkingroyal girişzirvebetzirvebet girişzirvebet güncel girişgrandpashabetgrandpashabet girişجلب الحبيبفك السحرjojobetjojobet girişjojobet güncelkingroyalkingroyal girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişkingroyalkingroyal girişkingroyalkingroyal girişgrandpashabetgrandpashabet girişcasibomcasibom girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet giriştarafbettarafbet girişkingroyalkingroyal girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet giriştarafbettarafbet giriştarafbettarafbet girişbetpuanbetpuan girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişmeritbetmeritbet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişkingroyalkingroyal girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişgrandpashabetgrandpashabet girişholiganbetholiganbet girişmatadorbetmatadorbet girişgalabetgalabet girişkingroyalkingroyal girişkingroyalkingroyal girişmatadorbetmatadorbet girişcasibomcasibom girişzirvebetzirvebet girişzirvebet güncel girişgrandpashabetgrandpashabet giriştophillbettophillbet girişvirüsbetvirüsbetgrandpashabetgrandpashabet girişvirüsbetvirüsbet girişmatadorbetmatadorbet girişkingroyalkingroyal girişpusulabetpusulabet girişpusulabet günceltarafbettarafbet giriştarafbettarafbet girişmeritkingmeritking girişmeritkingmeritking girişgrandpashabetgrandpashabet girişjojobetjojobet girişjojobet güncel