الثلاثاء , ديسمبر 10 2019
الرئيسية / الوحدة الاسلامية / الإجتهاد بوابة الإنفتاح و التجديد

الإجتهاد بوابة الإنفتاح و التجديد

الإجتهاد بوابة الإنفتاح و التجديد

العلاّمة السيد علي الأمين

الحمد لله رب العالمين والصلاة و السلام على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله وعلى آله الأطهار وصحبه المنتجبين الأخيار.

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله و بركاته.

لقد تعدّدت تعاريف الإجتهاد عند علماء الفقه و الأصول وكثر فيها النّقض والإبرام والأمر في ذلك موكول إلى علم أصول الفقه.

ولكن ما يهمّنا في البحث هنا ان ننظر إلى الجوهر والمضمون، وإن اختلفت الأغراض المقصودة من البحث.

فهناك يبحث عن التحديد المنطقي للإجتهاد حتى لا يختلط بغيره وهنا نبحث عن الفوائد المترتبة على الإجتهاد، ودوره في التنمية الثقافية، وغير ذلك من الفوائد الخارجة عن أغراض الدراسة المعهودة في علم أصول الفقه، والّذي يبدو أنّه واحد عند الجميع وإن اختلفت الكلمات و التّعابير.

وهو فيما نراه العمليّة التي يمارسها المجتهد في استنباط أحكام الموضوعات التي يواجهها بإقامة الدّليل المعتبر عليها، سواءً كانت هذه الموضوعات معهودة في عصر نزول الشريعة، أم كانت من الموضوعات المستجدّة، باعتبار أنّ المطلوب من المجتهد المعرفة التفصيلية لأحكام الشريعة، وليس له أن يكتفي بالمعرفة الإجمالية الموروثة و المنقولة في الكتب، خصوصاً في المسائل الّتي لا تعدُّ من الضروريات الدينيّة المتّفق عليها، والّتي اجتهد فيها العلماء السّابقون.

فإنّ ما وصلوا إليه فيها ليس نهاية المطاف. فهم بشرٌ قد يصيبون و يخطئون، وهم رضوان الله عليهم لم يدّعوا العصمة لأنفسهم، وإنّما بذلوا جهدهم بحسب ما توفّر لديهم من أدلّة للوصول إلى تلك النتائج الّتي لا تدخل في إطار المقدّسات و الثوابت وباعتبار أنّ الشريعة تجب متابعة أحكامها وأنّه لا بدّ ان يكون لها موقف من الحوادث المستجدّة والموضوعات المستحدثة كان لا بدّ من الرّجوع إلى نصوصها لاستنطاقها ومعرفة رأيها فيها وهذا هو الإجتهاد الّذي ينفي عن الشريعة صفة الجمود ويعطيها صفة المواكبة للعصر فهي خاتمة الشرائع والرّسالات وقد اكتمل بها الدّين وتمت بها النعمة الإلهيّة على عباده ولم تأتِ تشريعاتها بصيغ جامدة أو مغلقة وإنّما اتّسمت بالمرونة والإنفتاح وهي بذلك تتجاوز حدود المكان و الزّمان من خلال عموماتها وإطلاقاتها ومثالاً على ذلك فإنّ المجتهد عندما يعثر على حديث مفاده أنّ ( كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه فتدعه) لا يسعه إلاّ ان يتجاوز التّحليل الخاصّ الثّابت لموضوع خاصّ في الزّمن الخاصّ إلى التحليل في عموم الأزمان باعتبار جعل العلم بالتّحريم غاية للحليّة المجعولة وبإمكانه بسبب مرونة الدّلالة العبور من الموضوع الخاصّ الّذي كان مورد الشكّ في عصر نزول الشريعة إلى كلّ موضوع جديد تعلّق الشكّ بحرمته لانطباق عنوان الشيء المشكوك بحرمته بلا فرق بين الموضوعات الّتي كانت والّتي ستكون. فهذه الجهة في نصوص الشريعة هي التي تعطيها صفة المرونة من خلال اعتمادها لصيغ لفظية تستخرج منها القواعد العامّة الّتي يمكن تطبيقها على الأمور المستجدّة والإجتهاد هو الّذي يظهر هذه المزيّة في الشريعة السمحاء.

وفي رأينا أنّ البحث عن جواز الإجتهاد وعدمه أصبح من الماضي الّذي تجاوزته الأمّة بعلمائها الّذين اثروا المكتبة الفقهيّة باجتهاداتهم وآرائهم وبحوثهم الّتي لا تزال متواصلة تجيب على مختلف التّساؤلات فترفع الشّبهات وتواجه التّحديات وهذا دليل عمليّ على مدى الحاجة إلى الإجتهاد الّذي تفرضه طبيعة الشريعة الخاتمة من خلال أحكامها الثابتة كأحكام الطاعة لله ورسوله والتي تعني عدم انقطاع التّكليف ومن خلال عموم الخطابات الموجهة في الكتاب والسنّة إلى عموم النّاس ومن خلال دعوتهما للتمسّك بالكتاب والسنّة كما جاء في قوله تعالى ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) الحشر:7 وقوله تعالى: ( …فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر) النساء:59 وقد جاء في تفسير ذلك أنّ الردّ إلى الله هو بالرّجوع إلى كتابه والردّ إلى الرّسول يكون بالرجوع إلى سنّته وكما جاء أيضاً في بعض الأحاديث عن النّبي (ص) إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً ( كتاب الله وعترتي أهل بيتي) أو ( كتاب الله و سنّتي) كما في نصوص أخرى ومقتضى الجمع بينهما هو مرجعيّة الكتاب و السنّة لأنّ عترة النبي من أهل البيت قد أمروا بالعودة إلى الكتاب و السنّة ومن المعلوم أنّ العودة إليهما والتمسّك بهما يكون بالنّظر في النّصوص الواردة فيهما لمعرفة الأحكام الصّادرة الّتي لم تكن مقصورة على الجيل المعاصر للرّسالة فحلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة كما جاء في بعض النّصوص الأخرى فهذه الدّعوة الصّريحة للتمسّك بالكتاب و السنّة تستبطن معنى الإجتهاد في فهم الكتاب والسنّة والعودة إليهما في معرفة أحكام الوقائع والحوادث ومن المعلوم أنّ الأنظار ليست واحدة في فهم النّصوص ولا في وسائل إثباتها وأسانيدها ولذلك قد تختلف الآراء في النتائج و التّفريعات وهذه التعدّدية راسخة في طبيعة الإجتهاد الّذي تطلبه الشريعة فلم يعد الإجتهاد الّذي استوحش منه القدماء بمعنى القول بلا دليل وإنّما هو بمعنى البحث عن الأدلّة المعتبرة على حكم الواقعة.

وحسناً فعلت الإدارة الدّاعية و المنظّمة لمؤتمركم الكريم عندما جعلت العنوان للبحث ( أثر الإجتهاد في تنمية الثقافة في العالم الإسلامي) ولم تجعله بحثاً في نفس الإجتهاد وأحكامه وآلياته.

ولذلك نحن لسنا خائفين على أصل الإجتهاد لكونه واقعاً لا يمكن تجاوزه ولأنّه من متطلّبات الشريعة المستمرّة في أحكامها وغاياتها ولكنّنا نخاف على الإجتهاد من ناحية أخرى وهي ناحية المنع من نقد المجتهدين ومراجع الدّين الّذين يصبحون في المواقع القياديّة في الأمّة بادّعاء العصمة لهم وأنّهم لا يخطئون وهم بذلك يمنعون من محاولات التّجديد في الإجتهاد بالموروث العقائدي والفقهي و يجعلونه مقصوراً على بعض المسائل المستحدثة بدعوى قداسة الماضي واكتمال المكوّنات لكلّ مذهب أو طائفة ويعتبرون مناقشة تلك الأمور بما فيها العادات و التّقاليد تجديفاً و خروجاً عن المذهب ويقصدون بالمذهب الدّين لأنّ الدّين عندهم يجب فهمه حصراً من خلال المذهب وهذا ضرب من ضروب الإرهاب الفكري باسم الدّين يؤدّي إلى الجمود ويحدّ من حركة الإجتهاد الّذي يجب أن يقتحم تلك الأسوار والسّدود الّتي كوّنتها عوامل سياسيّة أدت إلى وقوع الفرقة بين المسلمين ولذلك نرى من الضروري أن نقف جميعاً في مواجهة هذا اللون من الترهيب الّذي يعيق التّجديد ويكرّس الإنقسام ويمنع من الإنفتاح ولا شكّ انّ إعادة النّظر في تلك الموروثات لا يعتبر خروجاً عن الثّوابت والمسلّمات لأنّها ليست أحكاماً إلهيّة مبرمة وإنّما هي نتيجة اجتهادات بشرية واجتهاد مجتهدٍ أو جماعة من المجتهدين لا يكون حجّة على آخرين لهم اجتهادات مغايرة وأفهام مختلفة.

ونحن لا ندّعي أنّ كل من أبدى رأياً يصحّ وصفه بالمجتهد ولكن المطلوب من المجتهدين أن يواجهوا الرّأي بالرأي والحجّة بالحجّة والدّليل بالدّليل وليس بفتاوى التّكفير و التّضليل المفتقرة لموازين العلم ومعايير الحكمة ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) ولذلك نقترح على مؤتمركم الكريم أن تتضمّن الدّراسات الإجتهاديّة تلك المسائل الّتي تحوّلت إلى معتقدات يحرم الإقتراب من حماها واعتبرها أصحابها من أصول الكفر والإيمان وهذا ما أدّى إلى إضعاف روح الجماعة وزرع بذور الخلاف والإنقسام في الأمّة الواحدة. فإنّ إعادة النظر في تلك المسائل يساعد الأمّة على تعزيز وحدتها وتوحيد كلمتها وإبعاد الفتن عنها.

وغاية ما أريد قوله في هذه المناسبة أنّ المهمّ أن نجعل أمامنا الموضوعات الّتي يجب أن نجتهد فيها وليس المهمّ أن نبحث فيها عن تعريف الإجتهاد وآليّاته وأدواته وشروطه فهذه الأمور ندرسها في الحوزات والمعاهد الدّينية والجامعات.

وما نحتاج للبحث عنه في مثل هذه المؤتمرات ذات الطّابع الدّينيّ هو البحث عن المسائل والموضوعات الّتي أرى أنّها تهمّ المسلمين بالدّرجة الأولى وهي مسائل تتعلّق في وحدتهم وعلاقات بعضهم مع البعض الآخر في مجتمعاتهم ودولهم وأوطانهم وفي علاقات المسلمين مع غيرهم لأنّ داء التّفرّق الدّاخليّ بدأ يطلّ برأسه ليهدّد مجتمعاتنا في أمنها ووحدتها واستقرارها ولأنّ داء التطرّف أوجد مشكلة كبرى في العلاقات الخارجيّة بين المسلمين وغيرهم من الأمم والشّعوب الأخرى وهي مشاكل نشأت من الفهم الخاطئ لبعض الجماعات لجملة من مسائل العقيدة المرتبطة بالعلاقة مع الآخر ومهمّة تصحيح الفهم الخاطئ تقع على عاتق المجتهدين وعلماء الأمّة وهذه المسائل أراها أولى بالعلاج والنّظر من المسائل الفقهيّة الأخرى وإن كان لا يوجد مانعة جمع بين الأمرين.

وخلاصة القول في هذه المناسبة الكريمة أنّ المهمّ أن نجعل أمامنا في هذه المؤتمرات الموضوعات الملحّة الّتي يجب أن يجتهد فيها العلماء وأن يعيدوا النّظر فيها باعتبار كونها من الأولويات التي تحتاجها الأمّة في مواجهة الفتن الدّاخليّة والعلاقات الخارجيّة والتّحدّيات المطلوبة منها للمشاركة في ركب التّقدّم والحضارة المعاصرة، ولذلك أقترح على مؤتمركم الكريم هذا تشكيل لجنة من المجتهدين للنّظر في موضوعات الخلاف الأساسيّة بين المسلمين الّتي يحاول أعداء الأمّة والمتعصّبون إثارتها واستغلالها لزراعة الفتن في صفوفها وتعميق الإنقسامات الدّاخليّة فيها وتكثير العداوات الخارجيّة لها فإنّ سلامة العلاقات بين أبناء الأمّة الواحدة التي تبعد عنها الصّراعات الداخليّة هي القاعدة الصّلبة التي ننطلق منها لتحقيق الإنجازات والمحافظة عليها ومواجهة كلّ التحدّيات والأخطار في كلّ المجالات وبذلك يساهم الإجتهاد حقّاً في عمليّة التّجديد والإنفتاح والنّموّ الثّقافي الّذي لا بدّ منه في أسباب التقدّم بالأمّة نحو المكانة اللائقة بها.

وختاماً أجدّد شكري وتقديري لصاحب الرّعاية صاحب السّموّ الملكي الأمير غازي بن محمد حفظه الله وإلى المنظّمة الإسلاميّة للتربية والعلوم و الثقافة – إيسيسكو- ورئيسها الدكتور عبد العزيز التويجري على جهوده المشكورة وإلى وزارة الأوقاف والمقدّسات الإسلاميّة في المملكة الأردنيّة الهاشميّة المحروسة ووزيرها صاحب المعالي الدكتور عبد السّلام العبّاد المحترم على هذه الدّعوة الكريمة الهادفة إلى إيجاد لقاءات فكريّة وثقافيّة وفقهيّة تعمل لمشروع النّهوض بالأمّة والأخذ بأيديها نحو ركب التقدّم والإزدهار واستغفر الله لي ولكم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


كلمة العلامة المجتهد السيد علي الأمين التي ألقيت في مؤتمر ((اثر الاجتهاد والتجديد في التنمية والثقافة في العالم الاسلامي)) الذي نظمته المنظمة الاسلامية للتربة والعلوم والثقافة (ايسيسكو) بالتعاون مع وزارة الاوقاف في عمان برعاية الأمير غازي بن محمد

مجلة الشراع

إقرأ أيضاً  معهد الإمام الصدر للدراسات الإسلامية 1991