الأربعاء , مايو 24 2017
عناوين
الرئيسية / Uncategorized / الحريّة والمواطنة .. التنوّع والتكامل : كلمة العلامة السيد علي الأمين في مؤتمر الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين في القاهرة

الحريّة والمواطنة .. التنوّع والتكامل : كلمة العلامة السيد علي الأمين في مؤتمر الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين في القاهرة

كلمة العلامة السيد علي الأمين في

     مؤتمر الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين في القاهرة تحت عنوان

“الحرّيّة والمواطنة..التنوُّع والتّكامل”

محور

(العمل معاً لدرء مخاطر التفكك والإنقسام)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على جميع عباده الصالحين،وبعد··
-المواطنة بين النظرية والتطبيق
    لقد سبقني المتحدثون في هذا المؤتمر الكريم في الكلام عن المواطنة وما يترتب عليها من المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات بدون نظر إلى انتماءاتهم الدينية والعرقية والسياسية والمناطقية،وقد جرى الحديث عنها في العديد من المؤتمرات السابقة.
والذي أعتقده أن المراد من المواطنة أصبح من الواضحات من خلال عرض بعض ما ورد فيه من النصوص القديمة والحديثة ،وكما يقول أهل المنطق إن المواطنة من المعاني الواضحة مفهوماً ومصداقاً، فهي لا تعاني من اللبس والإجمال ليقع البحث عن تحديد معناها والمقصود منها.
فالإنطلاق من قاعدة المواطنة في الحكم هو الموافق للعدالة المطلوبة في قول الله تعالى(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)والمستفادة من قوله تعالى(ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى) وهو الموافق أيضاً لدعوة المساواة بين الناس المستفادة من قوله تعالى(إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ومن نصوص دينية أخرى، نحو: الناس سواسية كأسنان المشط،وأنه لا فضل لأبيض على أسود،ولا لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وأن الناس صنفان،إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.
وعلى العموم فليس في دعوة الأديان ما يتنافى مع الإلتزام بقاعدة المواطنة التي تساوي بين المواطنين:
-الدِّين هديٌ وحبُّ الناس جوهرهُ_والحبُّ ينفي سبيل الكُرْهِ والحسدِ
-عيسى وأحمد للإيمان مدرسةٌ _ تأبى الخصام  على رأيٍ  ومعتَقَدِ
-ما كان عيسى لغير السّلمِ داعيةً _ كذاك  أحمد وصَّانَا  ولم  يَحِدِ
إن ما نحتاج إليه في أوطاننا ودولنا هو تحويل المواطنية إلى قانون وممارسة، ولذلك فإن السؤال هو أن هذه الأفكار التي طرحت عن المواطنة كيف تبصر طريقها إلى التنفيذ؟وكيف نبعد عنها ما يسيء إلى الوحدة المنبثقة عنها بين أفراد الشعب وجماعاته.
وهذا يستدعي ضرورة وجود الدولة التي تنطلق في تشريعاتها من أجل حماية المواطن الإنسان من خلال الإبتعاد عن الأسباب التي تؤدي إلى الخلل في المواطنة كالتمييز بين المواطنين على أساس طائفي،فالطائفيّة هي الآفة التي تضرب الوحدة الوطنية،والتي تؤدي إلى زعزعة الأوطان،كما قال الشاعر فؤاد جرداق رحمه الله:
-ألطّائفيّة  يا  لها  من  نكبة  – صبّت  على  الفردوس  نار  جهنّمِ
-قتلوا الكفاءة باسمها ومشوا على-جثثٍ من الأخلاق يا ربُّ ارحمِ
             
             العمل معاً لدرء مخاطر التفكّك والإنقسام-
وكما أننا نحتاج إلى تحويل المواطنة إلى قانون فإننا نحتاج أيضاً إلى الدولة التي تمتلك القوةّ لتطبيق القوانين بعدالة ومساواة،فلا يكفي تشريع القوانين وحدها بدون الدولة الساهرة على تنفيذه،وقد ورد في بعض النّصوص: أن الله يَزَعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وأن السلطان وَزَعَةُ الله في أرضه.فلا يكفي مجرد الشعور بالمواطنة، بل نحتاج إلى الدولة الحامية للقانون التي تمنع الإخلال بالقوانين،وهذا يتطلب التعاون بين المواطنين والدولة،وهم بعضهم مع البعض الآخر لدرء مخاطر التفكك والإنقسام.
وقد تميّز المجتمع البشري منذ تكوينه بالحاجة إلى ما ينتظم به أمره،فهو يحتاج في استمراره واستقراره إلى التعاون والوحدة بين أفراده كحاجته الضرورية إلى القيادة التي تسهر على أمنه وحفظ حقوقه.
وقد أخذ التعاون بين أفراد المجتمع حيزاً مهما في الشريعة الإسلامية، وهو لأهميّته قد اعتبرته الشريعة مبدأً من مبادئها وواجباً من الواجبات الضرورية لانتظام أمر الجماعة،كما يشير إليه قول الله تعالى(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)المائدة-
ومجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يعتبر مثالاً واضحاً للإهتمام بعنصر سلامة العلاقات الدّاخلية بين أفراد المجتمع وهو ما عبّرت عنه بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (بإصلاح ذات البين) الذي يعني العمل والتعاون على إزالة أسباب الفرقة والإختلاف التي تهدد وحدة المجتمع بالتفكك والإنقسام،كما جاء في قوله تعالى(فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} (الأنفال)· 
وقد برزت هذه العناية بإصلاح ذات البين من خلال جملة من التشريعات ذات الأبعاد الجامعة بين مكونات المجتمع المتعدّدة والمؤلّفة بين قلوبها وبها تحقّقت نعمة الله على تلك الجماعات التي كانت تتّصف بالمتفرّقة المتناحرة والمتصارعة فجمعتهم بعد الإختلاف وأصبحوا أهل مودّة وائتلاف،كما حكى الله تعالى عن ذلك بقوله(واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءاً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً)آل عمران (103)
وقد جاء عقد المؤاخاة الذي قام به الرسول (ع) في المدينة المنوّرة بين قبائل الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار ليجعل التعاون أساساً لقيامة المجتمع الجديد وعنواناً من عناوين دعوته الرّائدة التي اعتمدت على السلم قاعدة من قواعدها وبنداً من بنودها كما في قوله تعالى مخاطباً المجتمع الجديد{ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافة} البقرة: 208·
ولا شكّ في أن عقد الأخوّة قد شكّل أهمّ الوسائل وأفضل الطرق المؤدية إلى فضّ الخلافات والنزاعات لتحقيق السلم بين الأفراد والجماعات· وقد جاء في نصوص السنّة النبويّة الشريفة أن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له بقية الأعضاء بالسهر والحمّى، وأن المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يخذله ولا يحقره وقد أصبح المسلمون في ظلّ هذه التعاليم مجتمعاً من أطهر المجتمعات التي عرفها التاريخ في تحابِّهم وتوادّهم وتراحمهم وتعاونهم كما حكى لنا ذلك القرآن الكريم في قول الله تعالى:
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)الفتح، 29·
ولمّا أصبحت الأخوّة ركناً في بناء المجتمع الإسلامي فهي تحتاج إلى الرعاية والتّعاهد بما يمنعها من الاهتزاز ولتبقى تؤدي دورها في تحقيق السلام الدّاخلي الذي يعتبر من الضروريات للانطلاق في عمليّة التغيير والإبداع ومواجهة الأخطار التي تعترض المسيرة الجديدة وقد أدركت قيادة المجتمع المؤيّدة بالوحي الإلهي أن المجتمع يقوم بناؤه على التعدّد والكثرة، وهذا يعني الإختلاف بحسب العادة في الطبائع والآراء والأفكار والتطلّعات والرّغبات وغيرها من الأمور التي قد تؤدي إلى الخلاف والنزاع الّذي يعصف بالوحدة المطلوبة ويعرّضها للتفكك والانقسام فيما لو تركت أسباب الخلاف دون علاج، ولذلك عملت الشريعة على إيجاد تشريعات وتوجيهات للمحافظة على هذا الركن الركين الذي يشكّل حجر الزاوية في استمرار الكيان المجتمعي واستقراره فأمرت بالإصلاح بين الناس والحث عليه واعتبرته في طليعة الأعمال التي ينبغي القيام بها كما جاء في قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} (النساء114)،وفي الآية دعوة شاملة للإصلاح بين الناس على اختلاف انتماءاتهم الدينية والعرقية.
ومن الأحاديث التي تؤكد مضمون الآية في الدعوة الشاملة ما ورد عن النبي (ع) :(ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصّدقة، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إصلاح ذات البين وفساد ذات البين هي الحالقة، ولا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين).وفي حديث آخر عن أبي أيوب الأنصاري: (قال ألا أدلّك على صدقة خير لك من حمر النعم ؟ قال: بلى يا رسول الله· قال :تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا) · وفي بعض النصوص الأخرى: (إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام)· والنصوص بهذا المعنى كثيرة·
وتعزيزاً لسلامة العلاقات الداخليّة، فقد تعدّدت الروايات والأحاديث في الدلالة على ترسيم نهج أخلاقي من خلال منظومة القيم والمبادئ التي تبعد الإختلاف عن دائرة الخلاف والنزاع وتهيّء المناخ لسلامة المجتمع الداخلية كما جاء في بعضها: (أفضل المؤمنين إسلاماً من سلم المؤمنون من لسانه ويده وأفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) و(أفضل المؤمنين إيماناً أحاسنهم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون، ثم قال لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحبّ للناس ما يحب لنفسه وحتّى يأمن جاره بوائقه) و(أفضل الإسلام من سلم المسلمون من لسانه ويده)· (والمهاجر من هجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبدٌ لا يأمن جاره بوائقه)·( المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، والمؤمن من ائتمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ).
ومن الواضح أن هذه التشريعات لا تخصّ المسلمين وحدهم بل هي شاملة لكل مكوّنات المجتمع من المسلمين وغيرهم باعتبار ورود كلمة الناس في بعض تلك الأحاديث كما في الآية السابقة ، وكذلك ورود كلمة الجار المطلقة وغير المقيّدة بدين أو مذهب أو عرق ، وهذا ما يتناسب مع مبدأ التكافؤ بين البشر في الخلق على اختلاف ألوانهم ولغاتهم،وهذا ما يستتبع التساوي بينهم في الحقوق الإنسانية،وعدم التفاضل فيما بينهم إلا بالعمل الصالح،كما جاء في قوله تعالى(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وفي الحديث أيضاً(لا فضل لعربي على أعجمي،ولا لأبيض على أسود إلا بالتّقوى).
وعلى الرغم من كثرة هذه التوجيهات والإرشادات المشجعة على السلوك الذي تستقيم به العلاقات الأخوية داخل المجتمع فإنّ الشريعة لم تترك ذلك لاختيار الأفراد لمحاسن الأخلاق وإنما أمرت الشريعة بتكوين جماعة تكون مهمتها الدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي بمثابة الهيئة الدائمة للرقابة والإصلاح والتقريب وقد عبّر القرآن الكريم عن تلك الجماعة بالأمّة ولعلّ ذلك لرفعة قدرها وأهميّة دورها الذي تقوم به في حفظ الأمة من داخلها كما في قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران104)·
وهذه الجماعة فيما نرى هي التي تشكل النواة للفرقة الناجية باعتبار أنها تسعى لنجاة المجتمع والأمة كلها،وهذا يعني أن الفرقة الناجية ليست هي التي تحتكر النجاة لنفسها وتضيّق رحمة الله التي وسعت كلّ شيء·
وينتظم في وظيفة هذه الهيئة كل أفراد المجتمع بل يمكن القول بأن الأمة كلها تنتظم في هذا الواجب الهادف إلى تماسكها الداخلي باعتبار أنها الأمة التي وصفت بأنها خير أمة أخرجت للناس لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وإيمانها بالله كما في قوله تعالى : (كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} آل عمران، 110·
وهذا ما يشير إلى أن مسؤولية التعاون على البر والتقوى ورفض التعاون على الإثم والعدوان هي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وهي مسؤوليات تقع على عواتق الجماعات والأفراد، ويؤيّد هذا المعنى من المسؤولية العامّة ما ورد في السنّة النبويّة الشريفة :(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)·
مسؤولية أهل العلم والفكر:
وقد يحاول البعض الفرار من هذه المسؤولية في الحياة الدنيا وكأنّه يؤجّلها إلى عالم الاخرة حيث تنتفي الحاجة إليها ويعتذرون عن تحمّل هذه المسؤولية في مجتمعاتهم بدعوى خوف الضرر على أنفسهم من أصحاب السلطة والسّطوة ولكن الهدف في الحقيقة عند هؤلاء هو المحافظة على مصالحهم الشخصية وهي لن تكون في سلامة عندما تتعرّض المجتمعات إلى خطر الإنقسام والتفكك، فإذا تركت الصراعات والنزاعات تعصف بها وتخلّى المصلحون عن دورهم ومسؤولياتهم فإنّ ذلك سيؤدي إلى الظلم وهلاك المجتمع كما قال الله تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} هود 117·
وقد جاء في الحديث عن هؤلاء الذين تركوا هذه الفريضة العظمى أنهم (قوم لا يوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر إلا إذا أمنوا الضرر يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير) مع أن كلمة الحق هي من أفضل الجهاد كما ورد في الأحاديث فهي لم تكلّفهم أن يحملوا سيفاً داخل المجتمع لإصلاح ذات البين وإنما كلّفتهم بالكلمة الّتي تصوّب المسيرة وتمنع من تراكم الأخطاء التي تؤدي إلى فساد العلاقات· وقد جاء في العديد من الروايات: ( ما من رجل ينعش بلسانه حقاً فعُمل به بعده إلاّ يجري عليه أجره إلى يوم القيامة ثمّ وفَّاه ثوابه يوم القيامة) كنز العمال· و(أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) وفي بعضها <كلمة عدل هي من أعظم الجهاد> و<إنّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيّرونه أوشك الله أن يعمّهم بعقابه>·
فمتى تقال هذه الكلمة التي تحفظ بها سلامة المجتمع والأمّة؟! وقد جاء في الحديث (مثل العلم الّذي لا يقال به، مثل الكنز لا ينفق منه)·
وإذا لم تظهر هذه الكلمة عندما يتعرّض المجتمع لأفدح الأخطار والأضرار، فأي قيمة لها في غير وقتها وعند انعدام الحاجة إليها؟! وهل يكون الإصلاح إلا عند ظهور الفساد؟· 
وقد طمأنت بعض النصوص الدينية التاركين لهذه الفريضة خوفاً على أنفسهم وأرزاقهم بقولها لهم (إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان أجلاً ولا يقطعان رزقاً)، ولكنّها السكرة الّتي تغشى على الأبصار فتمنع من رؤية الحقيقة كما جاء في الحديث النبوي: (غشيتكم السّكرتان: سكرة حبّ العيش وحبّ الجهل فعند ذلك لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر والقائمون بالكتاب والسنّة كالسابقين من المهاجرين والأنصار) كنز العمّال·
وعن الإمام علي (ع) : (وإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله بل الحجة عليه أعظم والحسرة له ألزم وهو عند الله ألوم)·
-التعاون على الإصلاح :
والتعاون المطلوب على الإصلاح عند وقوع الخلل والفساد الّذي يهدّد السلامة العامّة للمجتمع هو الّذي يقوم على العدل لأنّ الشريعة تهدف الى استمرار الإصلاح وثباته، ولا ثبات له بدون الأخذ بقواعد العدل وسيفقد المجتمع عنصر الاستقرار عندما تقوم عملية الإصلاح على المجاملة والأخذ بمنطق الغلبة ولذلك أمرت الآيات المباركة أن يكون الإصلاح بالعدل باعتبار أن عملية الإصلاح تتضمن إصدار الأحكام فتكون مشمولة لقوله تعالى:(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} (النساء، 58)·
وأيضاً هي مورد لقوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إنّ الله يحب المقسطين} (الحجرات:9) وقد جاء في الأحاديث الكثيرة <إنّ الله لا يقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقّه>·
ولذلك كان لا بدّ في عمليّة الإصلاح من التجرّد عن عوامل الهوى والخوف والإبتعاد عن كلّ ما يحرف عمليّة الإصلاح عن أهدافها وذلك باعتماد الحق والعدل وهنا تبرز حقيقة الإيمان وملكة التقوى فقد يميل طرف إلى عصبيّة حزبيّة أو دينيّة أو عرقيّة وقد يميل طرف آخر إلى أسباب أخرى تمنعه من قبول الحق باعتبار أنّه يرى الحقّ و الحقيقة عنده وحده وأنّ الباطل و الخطأ عند غيره المخالف له وأنّه هو الصلاح والإصلاح وغيره الفساد والإفساد فكيف يُطالَب بإصلاح أمره وحتّى لا نختلف في تشخيص الحق والحكم به فقد قال الله تعالى: ··· فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً} (النساء)· ولذلك جاء الخطاب الإلهي للمؤمنين بلزوم اعتماد الحق والعدل في أحكامهم كما ورد في القرآن الكريم : يا أيها الّذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} المائدة،8·
وجاء االخطاب الإلهي موجّهاً التحذير للّذين يرفضون مطالبتهم بالإصلاح لأنهم يملكون الحقيقة وحدهم كما يزعمون! فقال عنهم الله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} (البقرة 11-12)·
وذكر صاحب تفسير الميزان أنّ المراد من الإفساد في الأرض في الآية هو الإخلال  بالأمن العام، والأمن العام إنّما يختلّ بإيجاد الخوف العام وحلوله محلّ الأمن ولا يكون بحسب الطبع والعادة إلا باستعمال السلاح المهدّد بالقتل ولهذا ورد فيما ورد من السنة تفسير الفساد في الأرض بشهر السيف ونحوه)·
وقد جاء في الحديث <من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمّه>·
وعن جابر بن عبد الله :<أن رجلاً مرّ في المسجد وبيده سهام قد أبدى نصولها فأمر رسول الله أن يأخذ نصولها كي لا يخدش مسلماً> صحيح مسلم·
ومن الواضح أن هذه الآيات والنصوص تركّز على المخالفات الإجتماعية التي تشكّل خطراً على تماسك المجتمع وسلامته لأنها تشكّل اعتداءاً على الآخر فرداً كان أو جماعة وتشكّل خروجاً على النّظام العام الذي تتوقف عليه سلامة العموم،وتؤدي إلى التفكّك والإنقسام.
وتشريعات النّظام العام هي كلٌّ لا يتجزأ فلا يمكن الأخذ بالتشريعات ذات الطبيعة الخدماتية وترك التشريعات ذات الطبيعة الهادفة إلى أمن المجتمع وسلامته لترابط التشريعات النظامية بعضها بالبعض الآخر ولا يمكن حصول الغرض منها من خلال التجزئة والتّفريق، فالدّولة الراعية للنّظام العام لا يمكنها أن تكون للناس خادمة إذا لم تكن لهم حاكمة، ولعلّ التشريعات الهادفة إلى أمن المجتمع وسلامته هي الأولى بالأخذ بها والمحافظة عليها من التشريعات الأخرى، لأن أمن المجتمع وسلامته بهما تصان الكرامات والحقوق والحريات وتحفظ بهما الدماء والأعراض وهذا ما يؤدّي إلى استقرار المجتمع وتطوّره ووصوله إلى سدّ حاجاته وتوفيرها·وما يشير إلى رفض هذه التّجزئة ما ورد عن الإمام علي (ع) : (لا يترك الناس شيئاً من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلاّ فتح الله عليهم ما هو أضرّ منه)·
أسس التعاون والإصلاح 
فإنّ كلّ هذه الأحكام المتقدّمة تعتبر من الثوابت في الكتاب والسنّة وهي المرجعيّة في التعاون على إصلاح أمور الأمة والمجتمع،فيجب تذكير المخالفين لها بها، وليس من الحكم بالعدل أن لا يقال للمخطئ قد أخطأت وللمصيب قد أصبت وليس من أحدٍ بفوق أن يقال له الحقّ أو يعان عليه مهما بلغ شأنه وارتفع قدره فإنّ الحقّ أحقّ أن يتبع وحينئذ تكون الشهادة للحقّ شهادة لله تعالى لم تمنع صاحبها وقائلها هيبة الناس من ذكرها وأدائها كما جاء في الحديث: (لا يمنعنّ أحدكم هيبة الناس أن يقول الحقّ إذا رآه أو سمعه) كنز العمال·
وعندئذٍ تكون النصيحة لله في عباده كما قال الإمام علي ( ولكن من واجب حقوق الله على عباده النّصيحة بمبلغ جهدهم والتّعاون على إقامة الحقّ بينهم وليس امرؤٌ وإن عظمت في الحقّ منزلته وتقدّمت في الدّين فضيلته- بفوق أن يعان على ما حمّله الله من حقّه ولا امرؤٌ وإن صغّرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يُعان عليه)· و (إنّ من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما عليه أثقل)·
فالتعاون على إقامة العدل والحقّ يزيل الخلاف على رواسب الماضي والنزاع على مكاسب الحاضر،ويضمن الإستقرار المطلوب لاستمرار المجتمع ويؤسس للتعايش السلمي بين أفراده وسائر مكوّناته.
دور مشيخة الأزهر ومسؤولية الدول والحكام
وانطلاقاً من هذه المسؤولية الشرعية والإنسانية يتابع الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين برئاسة شيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب بذل الجهود لجمع الكلمة والحوار بين الأديان والمذاهب والثقافات لدرء مخاطر التفكك والإنقسام عن مجتمعاتنا،والعمل على نبذ ثقافة التطرّف والإرهاب ونشر خطاب الإعتدال صوناً لحقوق الإنسان في العيش مع أخيه الإنسان في العدالة والحرية والكرامة والإحترام،وسعياً لتحقيق السلام والوئام بين الأمم والشعوب.
وهنا تبرز مسؤولية الدول وولاة الأمر خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط التي بلغ فيها الشحن الطائفي مستوى خطيراً يهدد نسيج الوحدة الوطنية والتعددية الثقافية في شعوبنا ومجتمعاتنا والذي بات يشكل أيضاً المناخ الملائم لانتشار ثقافة العداء والكراهية للآخر المختلف، وهو ما يهدد أيضاً العلاقات مع شعوب ودول العالم الأخرى. وقد ذكرنا في مناسبات عديدة أن المطلوب لمواجهة هذه الحالة الطائفية الطارئة التي تهدد الاستقرار في بلداننا وعلاقاتنا مع الشعوب الأخرى أن يتحرك بالدرجة الأولى ولاة الأمر والحكام في دولنا العربية والإسلامية لأنهم يمتلكون الإمكانات لمواجهة ثقافة التطرّف بالعمل على ترسيخ قواعد المواطنية التي تقوم على العدل والمساواة بين المواطنين، وبالعمل على دعم:
أ – أصحاب خطاب الاعتدال الديني.
ب – إنشاء المعاهد للدراسات الدينية المشتركة.
ج – تنظيم السلك الديني وتحديث مناهج التعليم في المعاهد والمدارس الدينية.
د – تأليف الكتاب الديني الواحد لطلاب المدارس الأكاديمية يتحدث فيه عن المشتركات الدينية والفضائل الإنسانية، وأما خصوصيات المذاهب والأديان فهي مسؤولية المساجد والكنائس والمعاهد والمعابد الخاصّة بكل دين ومذهب.
هـ – اعتماد الوسائل الإعلامية والقنوات التلفزيونية التي تنشر فكر الوسطية والاعتدال في مجتمعاتنا المحلّية وعلى المستوى العالمي.
و – كما أن المطلوب من علماء الدين التمسّك بخط الوسطية والاعتدال الذي دعت إليه الشرائع السماوية، والإبتعاد عن الانخراط في الحالات الحزبية التي تدفع بطبعها أصحابها للتعصّب لآراء أحزابهم، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، والأنبياء كانوا الدعاة للإلفةوالإنسجام، وما كانوا دعاة للفرقة والإنقسام، ولا يسعنا في نهاية هذه الكلمة إلا تقديم الشكر للأزهر الشريف وشيخه رئيس مجلس حكماء المسلمين الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب،وإلى الدولة المصرية رئيساً وحكومة وشعباً على احتضان هذا المؤتمر الدولي لنشر خطاب الإعتدال وثقافة السلم والحوار بين أتباع الديانات ومختلف أهل الحضارات والثقافات داعين لهم بالتوفيق والنجاح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
.
_________
23 – 2- 2017

شاهد أيضاً

ولاية الدّولة والحاكميّة: كلمة العلاّمة السيد علي الأمين في منتدى تعزيز السلم – أبو ظبي

كلمة العلاّمة السيد علي الأمين في مؤتمر منتدى تعزيز السلم حول الدولة الوطنية – أبو …