الجمعة , أكتوبر 18 2019
الرئيسية / متفرقات / الحوار، الخلاف المصنوع بين الشرط والموضوع – العلامة السيّد علي الأمين – جريدة اللواء
الامين | الجزء الثاني - في حوار عام وشامل تناول مختلف القضايا مع جريدة اللواء :التقريب بين المذاهب ليس صفقة سياسية بل هو في طليعة الخير،والمرجعيات الدينية في العراق لم تقم بالدور التقريبي المطلوب

الحوار، الخلاف المصنوع بين الشرط والموضوع – العلامة السيّد علي الأمين – جريدة اللواء

وأنا أستمع إلى الجدل الّذي جرى مؤخَّراً حول موضوع الحوار بين القيادات السّياسيّة في لبنان ورفض بعضهم للشّروط المسبقة، عادت بي الذّاكرة إلى بحثٍ قديم كنّا نتناوله في مقاعد الدّراسة والتّدريس في مساجد النجف الأشرف والمعاهد والحوزات الدّينيّة. 

والبحث يذكره علماء المنطق الأرسطي وعلماء أصول الفقه تنويراً لطالب العلم وتبصرةً له في مكانة العلم الّذي يطلبه ويبحث في مسائله.

ويشتمل البحث على مقدّمة فيها جملة من الأمور تُسمّى عندهم بالمبادىء التّصوُريّة كتعريف العلم وبيان رتبته بين العلوم والثّمرة المترتّبة عليه ومنها ذكر موضوعه تمييزاً له عن العلوم الأخرى والمقصود من تلك الأمور تكوين صورة عن العلم الذي يدرسه الطالب حيث لا يمكن البحث عن المجهول المطلق لأنّ السّعي لاكتشاف الموجود الخارجيّ مسبوقٌ بوجود صورة ذهنيّة له ولو بالجملة وإن كان كلٌّ من الوجودين الذّهنيّ والخارجيّ معدوداً من الوجود الحقيقي عند علماء المنطق والفلسفة.

وقد حاولت قدر الإمكان تبسيط هذا المعنى الفلسفيّ مقدّمة لبيان المقصود من الحوار الذي أدخلوه في محلّ الخلاف والنّزاع.

ويستفاد من كلمات أولئك الأعلام أنّ الموضوع والشرط هما من المصطلحات التي تختلف معانيها.
فالموضوع هو المحور الذي يدور البحث في العلم عن الآثار المترتّبة عليه، والشّرط أمر خارج عن المشروط ويربط به وتسميته بالشّرط مأخوذة من الشّريط الذي يصل بين شيئين ويربط بينهما.

وقد اكتسب الحوار من خلال وضعه اللغويّ واستعمالاته المتعدّدة المعنى الذي يحتاج إلى ما يتعلق به يكون بمثابة الموضوع له الّذي لا بدّ منه في صدق عنوان الحوار وهو أمرٌ لا علاقة له بالاشتراط من قريب أو بعيد.

وتوضيحاً لذلك نقول أنّ القضايا المتداولة تنقسم بلحاظ الاتفاق والاختلاف عليها إلى قضايا اتفاقية وقضايا خلافية ولا ثالث لهما بحسب القسمة العقليّة الحصريّة ومن الواضح أنّ القضايا الاتّفاقيّة لا تصلح أن تكون موضوعاً للحوار الذي يقصد به التّقريب في وجهات النّظر والوصول إلى نقاط تفاهم مشتركة حول المسائل الخلافيّة فإنّ هذا المعنى للحوار هو ما ينسجم مع القضايا المختلف عليها كي تكون موضوعاً للبحث الحواريّ وعلى هذا فإنّ تحديد موضوع الحوار بالقضايا المختلف عليها لا يكون من باب وضع الشّروط بشيء،لأنّ الشّرط كما عرفت هو أمر خارج عن الموضوع ومغايرٌ له وزائد عليه وهو في المقام مفقود بالتّمام.

ويظهر من هذا التّحليل المبنيّ على التّفريق بين المصطلح عليه في معنى الشّرط والمصطلح عليه في معنى الموضوع أنّه لا يوجد بين أطراف الحوار المطلوب من يشترط شيئاً للدّخول فيه وبالتّالي فلا يصحّ الردّ على هذا القول برفض الإشتراط لعدم وجوده أصلاً.

وهذا يعني أنّ النّزاع حول الحوار هو نزاعٌ لفظيٌّ واختلاف كلاميٌّ فلا يبقى حينئذٍ على أطراف الحوار المرتجى سوى الدّخول العمليّ فيه ولا يجوز إسقاطه من حياتنا السّياسيّة تحت أيّة ذريعة أو حجّة لأنّ الحوار مضافاً إلى كونه من السّمات الحضاريّة للشّعوب هو أساس البنيان وعماد الإستقرار في مجتمعات التعدّد والعيش المشترك.

والمتأمّل في الكلام الأخير للأمين العام السيد نصر الله عن الحوار الدّاخلي لا يجد فيه إغلاقاً لأبواب الحوار بشكل مطلق لأنّ حديثه كان موجّهاً إلى رفض صيغة الإشتراط وهي غير موجودة حقيقة. ونحن نوافقه الرّأي على أنّ السّلاح الصّغير و المتوسّط هو الّذي يشكّل خطراً على حياة المواطنين وهو السّلاح الّذي لا يزال منتشراً بأيدي ميليشيات حزبيّة تحظى بغطاء قيادات عليا في السّلطة وهو السّلاح الّذي أضعف الأمن وأسقط هيبة الدّولة وأجهزتها في السّابع من أيّار وما بعده في بيروت والجنوب و الجبل وطرابلس، فليبدأ الحوار من هذه النّقطة المهمّة حول قيام الدّولة بدورها في بسط سلطتها وإطلاق يدها في انتزاع كلّ سلاح ميليشياوي يهدّد المواطنين ويروّع الآمنين ويفرض عليهم الرّأي السياسيّ الواحد.

وكنا نتوقع من السيد نصرالله أن يلاقي الرّئيس الحريري في دعوته لمنع الفتنة بين اللّبنانيين عموماً وبين المسلمين خصوصاً لأنّ الحرص على درأ الفتنة يتطلب التَّرحيب بكل كلمة تزرع التّقارب بين المسلمين وتستدعي التلاقي العاجل مع كلّ دعوة وداعية إلى نبذ العصبيّة والمذهبية والطائفية دون التقليل من حجم تلك الدّعوات ومدى تأثير أصحابها لأنّ قليل الكلام حول التآلف والتّواصل هو كثير المنافع في إطفاء النّائرة وتخفيف الإحتقان فكيف إذا كان صادراً من رئيس تيّار سياسيّ إعتداليٍّ له حضوره الّذي لا ينكر على السّاحتين الوطنيّة والإسلاميّة.

 والكلمة الّتي تدعو إلى جمع الصفوف وتأليف القلوب هي كالشّجرة الطيّبة الّتي تؤتي ثمارها كما جاء في القرآن الكريم في وصفها (كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربها).

فإنّ جزاء من قال (أنا أضمن عدم حدوث فتنة بين السنة والشيعة) أن يقال له أهلاً وسهلا بك ويدنا ممدودة إلى يدك لتعزيز الوحدة بين المسلمين وإحباط كلِّ المخططات التي تدعو إلى الفرقة والبغضاء بين أبناء الأمة الواحدة والوطن الواحد.

وحبذا لو أن السيد نصرالله وهو يدعو إلى الإنفتاح والإستعداد للتفاهم والحوار أن يبدأ بالبيت الشّيعي الذي يحتاج إلى وجود هذه الرّوحية المنفتحة على الرّأي الآخر وأن يسعى إلى الاصلاح في مؤسسات الطائفة السّياسية والدينية وبذلك يعطي المزيد من المصداقيّة لدعوة الإنفتاح والحوار الّتي أطلقها ويجعلها على طريق تحقيق الآثار المرجوّة منها على صعيد الوطن كلّه. 

جريدة اللواء – 23-02-2012

http://aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=114434