الأحد , مايو 26 2019
الرئيسية / متفرقات / الدولة والمسؤوليّة
الدّولة والمسؤوليّة - العلامة المجتهد السيد علي الأمين - جريدة اللواء

الدولة والمسؤوليّة

الدولة والمسؤولية

العلاّمة المجتهد
السيد علي الأمين

الدولة والمسؤوليّة  : قال الميرزا النّائني وهو من الأعلام الفقهاء المعروفين في النّصف الأول من القرن الماضي في النّجف الأشرف (إنَ ممّا اتفقت عليه جميع الأمم الإسلامية، بل عقلاء العالم أجمع هو أن استقامة نظام العالم وتعيُّش البشر متوقّف على وجود سلطة  وحكومة سياسية، سواء قامت بشخص واحد أو بهيئة جمعية وسواء كان المتصدِّي لها غاصباً أو قاهراً أو وارثاً أو منتخباً).انتهى كلامه رفع مقامه.

وهذا التوقف المذكور الذي تحدث عنه الميرزا النائني مع السيرة التي أطبق عليها  العقلاء في كل الأعصار ومختلف الأمصار أشار أليه الإمام علي (ع)بالقول المروي عنه:

(…وإنّه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في أمرته المؤمن  ويستمتع فيها الكافر ،ويبلِّغ الله فيها الأجل ،ويجمع به الفيء،ويقاتل به العدوُّ،وتأمن به السُّبُل ،ويؤخذ به للضّعيف من القوي  حتى يستريح برٌ ويُستراح من فاجر).
وقد أبطل الإمام بهذا الكلام شبهة الذين أرادوا  تعطيل السلطة والنظام تحت شعار (لا حكم إلا لله) فقال لهم): كلمة حق يراد بها باطل،نعم لا حكم إلا لله ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله ..).

فأظهر لهم أن السلطة البشرية  لإدارة شؤون المجتمع هي ضرورة لا بد منها وأن العمل بها والإنخراط فيها أمرٌ لازمٌ لإنتظام الحياة العامة حذراً من الفراغ القاتل الذي يؤدي ألى  تعطيل النظام وانهيار الدولة وفي ذلك الخطر العظيم والشر المستطير لأنه عندما تغيب السلطة الحاكمة تغيب معها الأحكام والموازين التي بها قوام المجتمع واستقامة أموره فتضيع الحقوق  وينتشر الفساد ويعم الظُّلم.

وهذه الرؤية العقلائيّة لضرورة قيام السلطة والدولة ممّا تميز به الاجتماع البشري عن سائر المخلوقات وهذه السلطة اللازمة والضرورية لم تنفك عن مسؤولية القائمين عليها والممسكين بها عن أداء واجبات الحكم التي تتحقق بها السلامة العامة للمجتمع واستقراره وإعماره ،فهي ليست سلطة امتيازات وتشريفات وإنَما  هي سلطة الأمانة العظمى التي تترتب عليها المسؤولية الكبرى أمام الله والشعب.

وهذا المعنى للسلطة والمسؤولية المنبثق عن نظر العقل والعقلاء في كلِّ الملل والأديان والجماعات البشرية  يتطابق مع ما فهمه المسلمون من الكتاب والسَّنة كما يشير إليه القول المرويّ عن الخليفة أبي بكر الصديق (رض): (..فإن أحسنت فأعينوني ،وإن أسأت فقوِّموني..أطيعوني ما أطعت رسول الله،فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم…).

ونحن عندما ننظر إلى الواقع الذي نعيشه في وطننا الحبيب لبنان نرى أن الكثير من الأمور التي يقوم بها أهل السلطة وهي من الواجبات عليهم لشعبهم  لا يعتبرون القيام بها طاعة للأحكام والقوانين وحفظاً للأمانة الواجبة  بل هي منَّة وتفضُّل  منهم على المواطنين ويوظفون تلك المشاريع  في تكريس زعامتهم  الشخصية ودعاياتهم  الإنتخابية !.

مع أن تلك القضايا هي من الحقوق التي يجب عليهم أداؤها تسديداً للديون المستحقة عليهم اتجاه شعبهم  الذي وثق بهم وأوصلهم إلى حيث يريدون .فإذا لم يكن للشعب حقٌ في الطبابة والتّعليم  وفرص العمل  والعيش الكريم !.وإذا لم يكن للشعب حقٌ في الأمن على حياته  وعرضه وماله!.فأين هي الحقوق إذن؟!..وأين هي المسؤوليات؟!…

-إنهم يحدثونك عن المياه والأنهار وكأنهم هم أوجدوها !.ويحدثونك عن الثروات القادمة من بطون البحار وكأنهم هم صنعوها!.ويغدقون على الشعب الوعود وهم في قصورهم الفارهة  يسكنون والمحرومون والفقراء بالعدد يزدادون  وفي الظلام يعيشون !!…ومن غلاء المعيشة يصرخون !…وعمالهم يبحثون عن أجرٍ زهيدٍ فلا يجدون! والإمام علي كان يقول: (أأرضى أن يقال أمير المؤمنين ولا أشارك الرعية في مكاره الدهر أو أكون لهم أسوة في جشوبة العيش).

ويحدثنا بعض المسؤولين في الدولة عن الأمن والآمان واستقرار الأمور في لبنان حتى ليخيل إلى السامع  أنه يعيش في سويسرا  في الوقت الذي لم يستطع هذا البعض أن يحمي مواطناً في بيته ولا أن يرجع حقاً إلى أصحابه !!….

وتستمع إلى مسؤول آخر منهم فيحدثك عن تردي الوضع الأمني ووصوله إلى مستوى غير مسبوق  وكأن الشعب هو المسؤول عن تحقيق الأمن ! وكأنه هو موجود في أعلى هرم السلطة ليس عليه شيء من الواجبات سوى الحصول على الإمتيازات!.

وبعضهم يحدثك عن الانفتاح والحوار المسيحي الاسلامي  والحوار بين المذاهب والأديان ويعقد لها المؤتمرات والندوات  وأنت ترى الممارسات منهم في وادٍ آخر وهي التي أدت إلى التباعد  والإنقسامات من خلال سياسة الإصطفافات  المذهبية  والطائفية التي صنعوها في الماضي القريب بقوة السلاح ولا يزالون..!..

فهم لا يقبلون حواراً داخل أحزابهم وطوائفهم ويقمعون الرأي الآخر فيها  ويغرقون البلد بسياساتهم الطائفية والمذهبية  وفي نفس الوقت يعلنون عن الحوارات الكبرى في البيت المغلق إلا على أنفسهم !…والقائمة تطول إذا شئت أن تقول…!.

فما الذي أصابكم أيها المسؤولون؟!..وإلى أين أنتم بالوطن والشعب سائرون؟!. ونحن وأنتم في ذات المركب راكبون ..!..فلماذا إلى أصواتنا لا تسمعون ؟!.

أقيموا دولة المؤسسات والقانون وأصلحوا سقفاً يظلّلنا جميعاً ويحمينا قبل فوات الأوان…!. أحسنوا السياسة واعدلوا في أحكامكم تسلم لكم أوطانكم ومواقعكم قبل أن يصدق فيكم قول الشاعر:
أوتيت ملكاً فلم تحسن سياسته              كذلك من لا يسوس الملك يخلعهُ

والسلام على من اتبع الهدى

جريدة اللواء 19-1-2012

إقرأ أيضاً  تعليقاً على خطاب الأمين العام لحزب الله حول دفع الخطر عن لبنان

http://www.aliwaa.com/Article.aspx?ArticleId=110269