الجمعة , نوفمبر 27 2020
رفعت فياض

السنة والشيعة في أذربيجان

السنة والشيعة في أذربيجان

بقلم رفعت فياض – صحيفة اليوم المصرية

باكو، 9 ديسمبر، أذرتاج
مسجد باكوأديت صلاة الجمعة بأحد المساجد بمدينة باكو عاصمة أذربيجان التي أزورها لأول مرة، وهي دولة مستقلة حديثا عن الاتحاد السوفيتي منذ عام 1991، وعدد سكانها لا يزيد علي 10 ملايين نسمة، وأكثر من 92% منهم من المسلمين 60% منهم تقريبا شيعة و40 % منهم سنة ـ لكن أذربيجان تعاملت مع المذاهب الدينية بها بصورة مختلفة جعلتني أقدرها أكبر تقدير ـ فالدولة دينها الإسلام نعم، لكنها دولة علمانية، لا تخلط بين الدين والسياسة وتفصل بينهما تماما، وتؤمن بحرية الاعتقاد والتدين، لكنها لا تسمح لأي معتقد أو مذهب أن يتدخل في حرية الآخر، أو في عقيدته ـ وفي الصلاة المسجد واحد للشيعة والسنة معا، وإن كان كل فريق قد يتواجد في جزء من المسجد، والآخر في الجزء الثاني، لكن خطيب المسجد واحد والإمام واحد والخطبة واحدة، حتي أن هناك أشهر مساجد أذربيجان وهو مسجد » حيدر » الذي بناه حيدر علييف رئيس الجمهورية السابق، وهو تحفة معمارية ويوجد به أعلي مئذنة في دول القوقاز جميعها، ويصل ارتفاعها إلي 90 مترا، فوجئت عند زيارتي له بإمام المسجد يؤكد لي بأنه عند صلاة الجمعة يتولى إلقاء الخطبة وإمامة المصلين جميعا إمام شيعي مرة وإمام سني في الجمعة التالية ـ وهذا الواقع هو الذي أخفي أي صراعات مذهبية داخل هذه الدولة الواعدة والتي تركز جهودها حاليا علي التضامن الإسلامي الذي طبقته أولا علي أراضيها وبين مسلميها بمذاهبهم المختلفة، ثم بدأت تنادي به علي مستوي كل دول العالم الإسلامي خاصة في مواجهة الإرهاب، ومواجهة الصراعات المذهبية بين طوائف المسلمين كافة التي أصبحت تهدد العالم الإسلامي كله بل وتهدد الدين ذاته، وهو نفس الخط الذي تسير فيه مصر الآن بالنسبة لهذه القضية

سعدت بهذا الواقع وتذكرت مقولة أحد الحكماء وهو الشيخ علي الأمين أن السنة والشيعة هما أمة واحدة وأن الحالة الملزمة هي حالة الإسلام وليست حالة الطائفة أو المذهب، وأن الخليفة أبو بكر الصديق لم يكن مالكيا، وأن علي بن أبي طالب لم يكن شيعيا وجعفريا ـ والخليفة عمر بن الخطاب لم يكن حنبليا، ولم تكن السيدة عائشة أم المؤمنين مثلا مالكية المذهب، ولم يكن عثمان ابن عفان شافعيا أو حنفيا ـ كانوا جميعا مسلمين وفقط ـ نعم كان هو اختلاف في الرأي لأن الدين فيه نصوص، والنصوص تختلف أفهامها، لأن كل النصوص ليست علي درجة واحدة من الوضوح والبيان، خصوصا بعد ابتعادهم عن عصر النص، حيث بدأ اختلافهم في فهم هذه النصوص، ومن هنا نشأت هذه المدارس الدينية، لكن الذي جعل منها مذاهب هم السياسيون آنذاك ـ واعتمدت كل دولة علي فقه معين وقالت إن هذا هو مذهبي، وهذا هو الذي نعتمده وقامت بإقصاء الآراء الأخرى، ولم يكن الأمر في الحقيقة سوي أن هناك عالما وإماما في الدين وفي الشريعة اعتمدت الدولة فقهه وفتواه في الشأن القضائي علي سبيل المثال وأصبح علي مر العصور مذهبا، والمذاهب ليست قدرا بل هي مدارس، ولهذا يجب أن يقال لنا جميعا أننا مسلمون وفقط، وهذا كاف، ويوم القيامة لن يسألنا الله سبحانه وتعالي هل أنا سني أو شيعي أو حنفي أو مالكي، بل سيحاسبني علي أعمالي، وحتي في زمن الرسول لم يسأل أحدا الآخر هل أنت شافعي ؟ أو مالكي؟ أو سني؟ أو شيعي؟ أو جعفري؟ ـ كانوا مسلمين، وكانوا إخوانا في الدين كما جاء في القرآن الكريم «مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ» ولهذا فإن المذاهب والطوائف ليست قدرا، ويمكننا أن نتجاوزها، ويمكن لكل دولة إسلامية أن تنشئ بطاقات هوية تشير إلى أن هذا مواطن فقط ـ لا دين، ولا مذهب، ولا طائفة ـ فهل نستطيع أن نفعل هذا كمسلمين وننقذ ديننا وتتوقف عداءاتنا المذهبية لبعضها البعض التي أصبحت تهدد العالم الإسلامي كله؟ أتمنى من الله أن ننجح ذلك.