الإثنين , نوفمبر 18 2019
الرئيسية / مقابلات / العلامة المجتهد السيد علي الأمين لموقع 14 آذار في ذكرى تغييب الصدر: ورثته السياسيين والروحيين أفسدوا ما أنجزه الإمام والسلاح هو زينة الجيش اللبناني فقط

العلامة المجتهد السيد علي الأمين لموقع 14 آذار في ذكرى تغييب الصدر: ورثته السياسيين والروحيين أفسدوا ما أنجزه الإمام والسلاح هو زينة الجيش اللبناني فقط

اب ٢٠٠٩

:: حاوره غسان عبد القادر ::

في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، كان لا بدّ من لقاء من لازم المغيّب ممّن توّجت رؤوسهم بعمامة الصّلة والنسب لأهل البيت، أي السيد علي الأمين، مفتي صور الجعفري، صاحب المواقف الإنسانية والوطنية التي عانى, ولا يزال, الكثير في سبيل إحقاقها. فقد وصف السيد الأمين الإمام الصدر بأنه مدرسة معتبرا أن من سمّاهم الورثة السياسيين للسيد موسى هم أبعد ما يكونوا عن مشروع الإمام وتطلعاته العامّة والوطنية والإنسانية البحتة لاسيّما في ما بختص بمسألة الحرمان التي أولاها الإمام المغيّب أهمّية خاصّة لا تقارن بما آلت إليه أحوال ورثته ممّن عمل في سبيل الإثراء الشخصي وسعى وراء السلطة.

الصدر: ليس للشيعة علاقات خارجية بعيدة عن إطار الدولة

قال السيد الأمين لموقع “14 آذار” الإلكتروني “إنّ معرفتي الشخصية بالإمام الصدر كانت متقطعة منذ أواخر الستينات عندما بدأ تحركه في جنوب لبنان وكنت لا أزل في تلك المرحلة في أوائل سن المراهقة حين ذهبت مع عدد من شباب القرى إلى مدينة صور حيث كان السيد يقيم مهرجاناً في تلك الفترة”. وعقّب السيد “صور تحمل رمزية بالنسبة للإمام الصدر التي إعتبرها مدينة ل”العيش المشترك”, فهي تختزل الصورة اللبنانية نظرا لتواجد مختلف الطوائف والمقامات الروحية والدينية في هذه المدينة. كما أقام الإمام الصدر أفضل العلاقات مع المرجعيات الدينية في ذلك الحين من المطارنة الموارنة والكاثوليك ورجال الدين المسلمين من مختلف الطوائف في صور ومحيطها. فمن خلال مدينة صور إستطاع الصدر أن يقرأ لبنان كله ورأى أن لبنان يحمل هذه الصورة وصيغة الإنفتاح والتعايش”.

وتابع الأمين “وبعد هذه المرحلة سافرت إلى النجف لطلب العلم وبقيت هناك فترة في أثناء السبعينات. كنت آتي إلى لبنان بين الحين والآخر وألتقي مع الإمام في المجلس الشيعي الأعلى في الحازمية. على الرغم من هذا التقطع فإننا كنا نتواصل مع فكره وأرآئه ومشروعه الذي يحمله في لبنان والمنطقة”.

حول المشروع الإصلاحي للصدر، رأى المفتي الأمين “أنّ العامود الفقري لمشروع الصدر الإصلاحي هو وجود دولة المؤسسات حيث الدستور هو الذي يحكم ويحتكم إليه الجميع. كما يتطرّق هذا المشروع إلى مسألة إلغاء الطائفية السياسية من النظام السياسي اللبناني ، مع الإبقاء على العيش المشترك بين المسيحية والإسلام كصيغة ونموذج للتعايش في العالم وليس فقط في لبنان. وقد كان الإمام الصدر سباقاً في الإهتماماً بإيجاد حالة من التوازن الإنمائي بين المناطق اللبنانية. فعلى الرغم أن الطائفة الشيعية في ذلك الوقت كانت مهمشة ومحرومة، تبنى الإمام الصدر مشروع الدولة. لذا وقف في وجه معظم الأحزاب والميليشيات الموجودة آنذاك والتي كانت قد إغتصبت دور الدولة في عدة مناطق لبنانية, كما دعا حينها الجيش للإمساك بالبلاد وذلك للحؤول دون أن تعم الفوضى بين أبناء الوطن الواحد.

“فالسيد موسى الصدر” وبحسب المفتي الأمين، “رأى في التشيع حركة فكرية وليست مذهباً معزولاً وأعتبر أن الشيعة جزءا لا يتجزأ من مكونات الشعب اللبناني وقد وقف نتيجة لذلك ضد إرتباط الطائفة الشيعية بمشروع خارجي مع تأكيده على أن الشيعة ليس لهم علاقة بإيران وليس من مصلحتهم أن تكون لهم علاقة بأي دولة خارج حدود وطنهم مشدّدا على أن أي علاقة من هذا النوع لابد أن تكون عبر الدّولة اللبنانية, كما دعا إلى تمتين علاقة الطائفة الشيعية بسائر الطوائف التي يتكوّن منها نسيج المجتمع اللبناني.

السلاح زينة الجيش اللبناني فقط

واعتبر السيد الأمين أنه على رغم من الروابط التي تجمع الصدر بإيران (بإعتبار أنّ السيد موسى من مواليد إيران)، فإنه “كان قد رفض أن تكون للطائفة الشيعية أية علاقة بدول أخرى خصوصاً غير عربية ويقول أن الشيعة هم عرب مسلمون وأنه لن تكون لهم أي علاقات خارج الإطار العربي في المنطقة, خصوصاً إيران إذ لا تصح أن تكون هناك علاقة إلا من خلال الدولة وهذا ما يتماهى مع الشعار الذي رفعناه أن لا يجوز أن تكون إرتباطات المذاهب والأديان على حساب الأوطان “.

إقرأ أيضاً  بين السيد حسن نصر الله..والسيد علي الأمين ! - د. إحسان الأحمد - مجلة الشراع

“من هنا كانت رؤية الإمام المغيّب أنه يمكن لأي طائفة إقامة علاقات مذهبية مع شعب آخر في دولة أخرى لكن من دون أن يكون ذلك على حساب سيادة الوطنية وعلى حساب الهوية الوطنية والإنتماء الوطني بل في إطار التعدد والثروة الطائفية” وتابع الأمين ” فهذا التنوع وفق منظور الإمام الصدر هو نعمة في حين أنّ النقمة تكمن في المنطق الطائفي الذي يضع اللبنانيين في حالة صراع على إقتسام الحصص وليس في حالة تنافس إيجابي على بناء الوطن والدولة”.

وعن مقولة السلاح زينة الرجال، قال المفتي الأمين ” أنّ البعض وظّف تلك المقولة لغايات غير الغايات التي رفعت على أساسها في مرحلة سابقة من تاريخ لبنان أي لمواجهة الإحتلال في ظلّ ضعف الدولة. وإعتبر أن هذا الشعار ليس حكماً دينياً ولا نصاً إلهيا, بل هو من الشعارات التي إستوحاها الصدر للتشجيع على مواجهة العدو الإسرائيلي وكذلك لإخراج السلاح من عمليات الثأر والإنتقام وغيرها (خصوصاً في منطقة البقاع). فأراد أن يحوّل هذا السلاح إلى حالة إيجابية”. واضاف الأمين “نحن نؤمن أنّ العلم هو زينة الرجال والقيم والأخلاق و المبادىء هو زينة الرجال، أما السلاح يكون زينة الرجال عندما يحمله أهله أي الجيش اللبناني فقط وحامي الوطن و حارسه. وعندما يخرج هذا السلاح على الوطن و الدولة ويقتل فيه الإنسان أخاه الإنسان فلا يشكل اي نوع من الزينة”.

الوضع الشيعي بعد الإمام الصدر

وعن تبدل أوضاع الطائفة الشيعية، قال المفتي الأمين”إنّ الفترة التي نتكلم فيها عن الإمام الصدر تتميز بالإنفتاح والعقل المتبصّر والقلب الكبير والرؤيا المستشرفة للمستقبل والتي كان يتمتع بها الصدر. أما بعد تغييبه، فقد أختلفت الأمور كثيراً خاصة على صعيد العمل السياسي بحيث عمل ورثة الإمام المغيّب على تحويل حركة أمل, التي ارادها ان تكون حركة رسالية ورسولية غير مرتبطة بطائفة معينة, إلى حركة تابعة للمكتب الثاني بدلا من أن تكون حركة مساندة لقيام الدولة كما أرادها الصدر”.

وتابع المفتي الأمين شارحاً “في هذه الأيام وللأسف، أصبحت حركة أمل ضمن الجماعات التي تعيق قيام الدولة اللبنانية وأنخرطت في حروب داخلية وصراع الأخوة في السابع من أيار في بيروت والجبل على الرغم من أن الإمام الصدر كانت شعاراته واضحة في الحرب الأهلية وهي أن من يطلق النار على دير الأحمر والقاع (وهي من قرى بعلبك المسيحية) فإنه يطلق النار على عمامتي وعائلتي وبيتي. ولذلك سألت ابناء حركة أمل الذين أرادهم رساليين على مستوى الوطن: لو عاد الإمام الصدر هل يرضى أن تطلقوا النار على بيروت؟ أن تهاجموا دار الإفتاء الجعفري في صور؟ هل يرضى أن تصيروا أداة إرهاب للقريب وللبعيد؟

وهنا تساءل السيد الأمين بحرقة ” أين أنتم أيها الناطقون بإسم الإمام الصدر من الإمام الصدر؟ معتبرا ان ممثلي الطائفة الشيعية اليوم قد رفعوا الحرمان عن أشخاصهم دون رفع الحرمان عن الطائفة الشيعية وهم قد أتخموا بالمناصب وبالأموال بينما الطائفة الشيعية التي أوصلتهم لا زالت مهملة, فإزالة الحرمان عنها لم يتحقق منه أي شيء.

أما عن قيمة الإمام الصدر, فإعتبر المفتي الأمين بأنه مدرسة، وقال: “لسنا في معرض إستحضار قامته الممشوقة أو زرقة عينيه أوعباءته الطويلة مثلما يفعلون في المهرجان الخطابية التي تقام في مناسبة إستذكاره. إن موسى الصدرهو مشروع سياسي، هو دعوة لدولة المؤسسات والقانون على الاراضي اللبنانية”.

إقرأ أيضاً  skynews arabia - مع العلامة السيد علي الأمين - برنامج بصراحة - الاعلامية زينة يازجي

وعلى مستوى الورثة الروحيين للصدر، شدد المفتي الأمين على أنّ الإمام الصدر جعل من المجلس الشيعي آنذاك جامعة لكل الآراء السياسية في الطائفة أي أطار لكل الأفكار لأنه أراده مؤسسة للحوار، حتى الشيوعيين كان لهم ممثلون في المجلس الشيعي.

أما عن المجلس الإسلامي الشيعي بوضعه الحالي، كان رأي السيد علي الأمين بأنه أصبح كياناً مؤلفاً “من لون واحد حيث أن هناك وجوه لم تتغير في المجلس رغم أنه مضى على تأسيسه ما يقارب الأربعة عقود، ودوره معطل مقارنة بوهجه وتأثيره السابقين على مستوى الشارع اللبناني والطوائف اللبنانية. وإعتبر الأمين أن ما أصاب المجلس الشيعي هو نتيجة هيمنة قوى الأمر الواقع حيث أصبح الثقل لصالح الأحزاب السياسية والدينية: فالدور السياسي إنتزعه الورثة السياسيون والدور الديني إحتكره حزب الله. من هنا، لم يعد بالتالي للمجلس إمكانية لممارسة دوره. لذا ترى بأن الثقافة الدينية المعتدلة التي نشأ المجلس الشيعي على أساسها سابقاً قد إنحسرت بعدما أمسك حزب الله بالمفصلين الثقافي والروحي في المناطق الشيعية وبالتالي بعد أن اصبح المجلس خاضعاً لرأي واحد هو رأي الثنائي الشيعي الذي ضيّق أفق المشاركة الوطنية والمتنوعة في القرارات الثقافية لهذا المجلس.

وشرح لنا المفتي الأمين معاناته مع قوى الأمر الواقع وقال: “نحن عندما اعلنا عن أرآئنا بعد حرب تموز وقلنا لهم جعلتم من الجنوب ساحة لحرب غير متكافئة من دون إستعداد وإعداد، إضافة أن سياستكم خارج الحكومة وداخلها هي سياسة تعطيل. وكذلك حتى عندما نبهناهم قبل 7 أيار لم يقبلوا بالنصيحة. لذلك، ونتيجة لمواقفنا، ضاق صدرهم وهجموا على دار الإفتاء في صور وفعلوا الذي فعلوه والمجلس الشيعي أخذ قراراً بتأييدهم وساند قرارهم بالإقصاء والإبعاد، وبالتالي تبيّن أنه مؤسسة تضيق بالرأي الآخر من داخل البيت نفسه والطائفة نفسها فكيف يمكن أن يقبلوا برأي الطوائف الأخرى”.

واضاف المفتي في معرض شرحه عن فكر الصدر: “الإمام المغيّب نادى بالدولة، ورفض المليشيات التي تغتصب دورها ودعا إلى أن يكون الجيش اللبناني هو السلطة الوحيدة على الأرض لمواجهة الإعتدءاآت الإسرائيلية في الجنوب. لذا فعنوان الفكر السياسي للإمام الصدر هو قيام الدولة اللبنانية، دولة المؤسسات والقانون التي تبسط سلطتها على كل الأراضي اللبنانية. لذا أرجح أنه لو عاد الإمام فقطعاً كان سيقول أن ما فعلتموه في غيابي القسري الطويل يتنافى مع الأسس والمبادىء التي أطلقناها وسرنا عليها ومن أجلها غيّبنا”.

وبعد 31 سنة على تغييب الإمام الصدر، أعتبر السيد الأمين أن سبب تغييب الإمام في تلك المرحلة يعود “لكونه كان الصوت الوحيد الصارخ في البرية ضد مشروع تقسيم و فدرلة لبنان التي من شأنها أن تفرز حالات الإنقسام، ولعله من أبرز الأصوات التي دعت إلى وقف هذه الحرب الداخلية ورفض كل الإنقسامات التي كانت موجودة وكل المسلكيات التي أدت إلى ضعف الدولة. لذا كان من الواجب التخلص منه بما أنه كان يشكل عقبة ضد هذه المشاريع”. وحمّل السيد الأمين ليبيا ومعمر القذافي مسؤولية إختفاء الإمام الصدر وقال”أنّ هناك قاعدة فقهية تقول أن المباشر أقوى من السبب. وبما أنّ الإمام الصدر ذهب لليبيا وأصبح في عهدتها ونزل ضيفاً على أهلها فالمطلوب من ليبيا أن تكشف عن القضية وتبقى بالتالي مسؤولة عنه وعن سلامته بكل المعايير لأنّ المضيف هو المسؤول عن سلامة الضيف”.