الأحد , سبتمبر 27 2020
العواصف - السيد علي الأمين

حوار العواصف مع العلاّمة السيد علي الأمين: صعوبات العمل السياسي الإسلامي يثيرها الذين يلبسون الدين ثوب الانتهازية والوصولية

“العواصف” تحاور العلامة السيد علي الأمين حول الدين والسياسة

صعوبات العمل السياسي الإسلامي

يثيرها الذين يلبسون الدين ثوب الانتهازية والوصولية

 

  • قد يطول عمر السلطة والنظام ولكن لا يكتب البقاء لنظام يخلو من المبادئ.

  • السلطة في نظر الإمام علي (عليه السلام) هي لإقامة حق ودفع باطل ولا يمكن الاعتماد على الباطل في دفع الباطل.

  • شعار الجمهورية الإسلامية في لبنان لم يكن بالخطاب السياسي الذي يمكن أن يصغي إليه الشعب المتنوع وقد بقي ضيق الانتشار.

  • ارتباط الحركات الإسلامية بأية دولة يفقدها عامل الاصالة ويجعلها في غربة عن شعبها.

مجلة العواصف – شؤون لبنانية – 12-7-1990

الدين والسياسة والعلاقة بينهما محور اهتمام المفكرين منذ زمن بعيد، فكيف يمكن التوفيق بينهما، وبمعنى آخر كيف يمكن أن تجمع بين الدين ومدارس السياسة التي تعتمد على الميكافيلية، وما هي شروط نجاح المشروع السياسي؟ وكيف هو شكل العلاقة بين الأنظمة وحركات التحرر؟ أسئلة متشعبة لموضوع واحد حملناه إلى العلامة السيد علي الأمين الذي عرفته الأوساط الإسلامية ومنابر الجنوب، مفكراً إسلامياً وعالماً، يحمل هموم شعبه، وكان لنا معه هذا الحوار.

  • العلاقة بين الدين والسياسة موضع بحث ونقاش دائم، فكيف تنظرون إلى هذه العلاقة، وتحديداً كيف يمكن أن يتعامل الدين مع المدارس السياسية الحديثة؟.

  • قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم [كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه]، وقال سبحانه وتعالى: [يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى].

تشير هاتان الآيتان المباركتان وغيرهما إلى طبيعة المهمة التي جاء الأنبياء للقيام بها في المجتمع وهي ليست مهمة وعظ وإرشاد فقط بل تتعدى ذلك إلى مسألة تكوين مجتمع وحدوي على ضوء التعاليم الإلهية التي اشتملت عليها الكتب السماوية، وإذا كانت السياسة تعني فن الحكم والطريقة التي تدار بها الأمة وشؤونها فمن الواضح أن المهمة التي كلف بها الأنبياء ومارسها بعضهم في الحياة لا تكون إلا عملاً سياسياً وهذا يعني أن السياسة والدين توأمان لا ينفصلان عن بعضهما، ولان الدين ليس من الأمور التجريدية التي لا ترتبط بواقع الإنسان والمجتمع بل هو جاء للإنسان كان لا بد من الوسيلة والطريقة التي تجعل الإنسان يؤمن بتلك التعاليم والتي ترتبط بحياته الفردية والاجتماعية والطريقة نفسها التي مارسها الأنبياء في اقناع البشر بالمشروع الديني وكسب تأييدهم إلى أن وصل بعضهم إلى موقع الحاكم السياسي، هذه الطريقة تعتبر سياسة وعلى كل حال فإنه لا توجد ممانعة أبداً بين الدين والسياسة وأن حملت كلمة السياسة عبر التاريخ أوزار الذين اساءوا استخدامها من خلال الطرق غير المستقيمة التي كان يستخدمها بعض السياسيين للوصول إلى اغراضهم والمحافظة على أنظمتهم، ولكن السياسة تبقى في المنظور الديني الوسيلة النظيفة التي تستخدم للغايات الشريفة من بناء الإنسان إيمانياً وتشكيل المجتمع الصالح في الحياة الدنيا وفق التشريعات الإلهية التي حملتها الكتب السماوية.

  • العالم تسوده السياسة الميكيافيلية – ما هي صعوبات العمل السياسي الإسلامي في هذا الزمن؟.

  • صعوبات العمل السياسي الإسلامي لم تنشأ من عسر وصعوبة النظرية الدينية في الحياة وقد ورد في القرآن الكريم [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] ولا معنى لأن ينزل الله شريعة عسيرة التطبيق أو لا توجد أمكانية لتنفيذها في الحياة، بل قد وصفت الشريعة الإسلامية بالشريعة السمحاء كما ورد في بعض الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله الاطهار وصحبه الأخيار، وقد طبقت الشرائع السماوية في حياة البشر في مراحل متعددة من حياة البشر وحكمت حياتهم، وهذا يدل على أن الله تعالى أنزل الشرائع القابلة للتنفيذ والتطبيق، وإذا كان من صعوبة في العمل السياسي فهي تكمن في طبيعة الإنسان الذي سلحه الله بالإرادة والاختيار ولم يشأ له أن يؤمن بالاكراه والاجبار، لأنه بذلك يسلبه إنسانيته وتفقد الفكرة والعقيدة جمالها وحسنها حينما تفرض على الإنسان بالقوة، وإنما أراد الله من الإنسان النبي أن يعمل بالطرق العقلانية التي تؤدي إلى كسب المعركة من خلال تأييد الناس للرسالة التي يحملها، ويسعى إلى تطبيقها، بعد القناعة الطوعية بها، قال الله تعالى في القرآن الكريم: [ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين..].

فقد أراد الله من الأمة أن تبني ذاتها ومجتمعها من خلال عقلها وأرادتها وأن يكون انجاز تطبيق النظام السياسي وليد قناعتها لانه بذلك يستتب النظام وتندفع الأمة في مسيرة البناء إلى الأمام.

وهذه الصعوبة النابعة من طبيعة الإنسان يوجهها كل عمل سياسي ينطلق من مبادئ ومثل يسعى إلى تحويلها إلى نظام يحكم الحياة الاجتماعية.

وفي اعتقادي أن الصعوبات التي تعترض العمل السياسي للإسلام في العصر الحاضر يثيرها بعض الذين يعملون لتطبيق الإسلام، لاعتمادهم على بعض النظريات في الحكم والسياسة تلبس الدين ثوب الانتهازية والوصولية، وتجعل القاعدة الشعبية تبتعد عنه شيئاً فشيئاً ويؤدي إلى اهتزاز المصداقية للخطاب الديني في نفوس الناس، وبابتعادهم يهتز النظام مع أن الهدف كان المحافظة عليه.

وفي مجال العمل السياسي للإسلام قد ينطلق بعض العاملين من قاعدة يمكن أن يُطلق عليها اسم (حفظ الدين والشريعة).

وقد ينطلق البعض الآخر من العاملين في مقام العمل السياسي من قاعدة يطلق عليها اسم (حفظ السلطة والنظام) والقاعدة الأولى فيما نفهم هي التي انطلق منها الأنبياء في العمل السياسي لتحكيم الدين في الحياة، فلم يكن همهم أن يصلوا إلى سدة الحكم كيفما اتفق، ولو على حساب صفاء الشريعة وطهرها، بل كان همهم المحافظة على بقاء الشريعة بعيدة عن المناورات السياسية التي تسيء إليها وتشوه وجهها المشرق ولذلك كانت تتمتع مواقف الأنبياء بالثبات والصلابة على المبدأ، لأن السياسة الدينية تنبثق عن الاحكام الشرعية الثابتة التي لا تتبدل من خلال المصالح والمفاسد التي يتصورها الحاكم، بل هي تعبير صادق عن الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة).

فالحرام يبقى حراماً وإن توقف الوصول إلى السلطة على ارتكابه، والحلال يبقى حلالا وأن كان يضر ببقاء السلطة، لأن النظام مبني على المحافظة على تلك المحرمات والمباحات وغيرها التي تمثل الشريعة، وتكون السلطة السياسية في خدمة الشريعة وأحكامها وليس العكس، فالتجسس على الناس حرام وإن كان فعله ينفع النظام بحسب تصور الحاكم السياسي لأن الحاكم الحق هو الله تعالى قد حرم التجسس وهو الأعلم بالمصالح والمفاسد.

ونقد الحاكم السياسي مباح والاعتراض عليه حلال وان كان قمع الحرية ينفع في استمرار النظام بحسب فهم السلطة الحاكمة وأدراكها، لأن المهم على قاعدة حفظ الدين والشريعة ليس بقاء النظام السياسي وإنما المهم استمرار الحق وبقاء المبادئ التي تمثلها أحكام الشريعة المؤسسة على المصالح والمفاسد التي يعلمها الله تعالى، ولم تؤسس على المصالح والمفاسد الأنية التي تدركها السلطة السياسية الحاكمة على الأرض من البشر غير المعصومين وقد عبر الإمام علي “عليه السلام” عن ثبات الموقف السياسي بقوله: (واعلموا عباد الله أن المؤمن يستحل العام ما استحل عاما أول، ويحرم العام ما حرم عاما أول، وان ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئاً مما حُرَم عليكم، ولكن الحلال ما أحلَ الله والحرام ما حرمَ الله).

ولأن الإمام عليه السلام انطلق من قاعدة حفظ الشريعة والدين لم يستخدم الوسائل التي تمكنه من الاستمرار في السلطة وبقاء النظام، ودفع حياته ونظامه ثمناً للثبات على المبادئ، ولان لم يستمر في الحكم ولم يبق النظام، ولكن بقي لاحق الذي كان يمثله ويسعى لتجسيده النور الذي يضيء الدرب للاحرار والمجاهدين، وبقيت تجربته في الحكم الكعبة التي يحج إليها المفكرون ويحن إليها عشاق المبادئ المخلصون، ولو انطلق الإمام عليه السلام في عمله السياسي من قاعدة حفظ السلطة والنظام لاستمر حكمة أربعين سنة لا اربع سنوات لأنه كان بإمكانه أن ينشئ أجهزة للقمع تحت عنوان المحافظة على الدولة والنظام الشرعي، لأن وسائل القمع والمحافظة على السلطة ليست من مبتكرات العصر الحديث بل هي أمور تدركها حتى الأنظمة المتخلفة ولكنه كان يقول: (قد يدرك الحول القلب وجه الحيلة، ولكن دونها حاجز من أمر الله ونهيه وإنما ينتهزها من لا حريجة له في الدين).

إقرأ أيضاً  العلاّمة المجتهد السيد علي الامين في حوار شامل مع جريدة الشرق اللبنانية

كان بإمكانه أن ينشئ جهاز مخابرات يقمع به الناس وكان بإمكانه أن يبذر الثروة ويصرف الأموال لشراء النفوس والذمم، فيطيل بذلك عمر النظام، ولكن هل تبقى للمبادئ من قيمة؟، وهل يبقى للحق والشريعة من أحباب؟، وهل يبقى للإخلاص والتضحية في سبيل المبدأ من معنى؟، وكيف تبقى المصداقية لشريعة فرضت نفسها على الناس بتلك الأساليب الميكافيلية التي ترتد سلبا على المسألة الإيمانية وتلقي بظلال الشك على قضايا الدين برمتها، ولهذه الأمور وغيرها آثر علي “عليه السلام” أن تسقط دولته على أن يعصي الله تعالى في بقائها باستخدام الوسائل غير المشروعة والتي كانت متوفرة لديه وكان يعلمها ويعرف كيف يقومهم ويجبرهم على الطاعة والانقياد ولكنه كان يقول: (لا اطلب النصر بالجور) وكان يقول: (واني لعالم بما يصلحكم ويقيم اودكم ولكني لا أرى اصلاحكم بإفساد نفسي).

وصعوبة العمل السياسي للإسلام في العصر الحاضر نشأت من أن بعض المتصدين للمسألة السياسية من رجال الدين وغيرهم، أراد أن يجمع في عمله السياسي بين قاعدة حفظ النظام والسلطة وبين قاعدة حفظ الدين والشريعة، فوقع في شرك السياسة الميكافيلية التي تعتمد على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، وقد بالغ بعض رجال الدين الإسلاميين وزاد على ميكيافيلي حينما قال: ان الغاية تنظف وتطهر الوسيلة، وهذا كلام تفوح منه رائحة حب السلطة التي لم تكن غاية حتى تبرر الوسائل غير المشروعة أو تنظفها وتطهرها، وفي كلام المتقدم الذي نقلناه عن الإمام علي دلالة واضحة على نبذ هذه الوسائل وكراهيتها وان أدت إلى سقوط الدولة والنظام لان المهم ان لا يسقط الفكر والمبادئ التي كان يحملها النظام، ولان بقاءها في النفوس غير مشوهة هو الذي يشكل نقطة العودة إلى السلطة.

وأما إذا شوهت تلك المبادئ في النفوس نتيجة السياسة الميكافيلية والمحافظة على السلطة فقد يطول عمر السلطة والنظام ولكن لا يكتب البقاء الطويل لنظام يخلو من المبادئ وليس المهم البقاء المؤقت في السلطة على حساب المبادئ الشرعية، لأن السلطة في نظر الإمام علي “عليه السلام” هي لإقامة حق ودفع بال ولا يمكن أن تعتمد على الباطل في دفع الباطل، أو في تثبيت السلطة وقد أشار الإمام علي “عليه السلام” إلى هذه الحقيقة وهي أن السلطة ليست غاية حتى تستخدم الوسائل غير المشروعة لتثبيتها والمحافظة عليها، عندما قال لعبد الله بن عباس الذي دخل عليه وهو يصلح نعله قائلاً له: (ما قيمة هذا النعل؟ فقال ابن عباس: لا قيمة لها، فقال عليه السلام: والله لهي أحب إلي من أمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلاً).

والخلاصة أن المنطق الديني يتجافى مع منطق السياسة الميكافيلية التي يعتمدها دعاة الحفاظ على السلطة والنظام على حساب الحق الذي تمثله المبادئ التي لا تتغير ولا تتبدل بقيام السلطة السياسية، ويبقى ميزان التفاضل بين الأشخاص والأنظمة هو العمل على أحقاق الحق وأن أدت مصادقة الحق إلى أن يخسر الأشخاص مواقعهم وتفقد الأنظمة سيطرتها، كما قال الإمام علي “عليه السلام”: (ان أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه وأن نقصه وكرته من الباطل وأن جر إليه فائدة وزاده).

  • ما هي بتقديركم أسباب انحسار الإسلام وعدم تمدده باتجاه الشعوب المقهورة؟.

  • اندفع الإسلام بقوة في العصر الحاضر متجاوزاً البعد المحلي، ليصبح الطرح السياسي المتداول على صعيد عالمي بعدما تصور كثيرون أن المشروع الديني ذهب إلى غير رجعة، وأثبت الإسلام بدءا وعوداً قدرته على مواكبة الإنسان ومتطلباته في هذا العصر ووضع الحلول للمشاكل الحياتية التي يواجهها، وقد تمكنت بعض الحركات الإسلامية التي تبنت الإسلام فكراً ونظاماً أن تصل إلى موقع الحاكمية السياسية في بعض البلدان وإلى موقع القرار السياسي في بعض الأماكن الأخرى من العالم الإسلامي.

وقد أظهرت سعة الانتشار وسرعته إن الفكر السياسي إذا كان منسجماً مع العقيدة الدينية للناس يلقى التأييد الشعبي الواسع، لأنه فكر غير معزول عن الواقع النفسي للشعب بل هو فكرهم وتاريخهم الذي يخاطب مشاعرهم ويلامس عواطفهم ويشدهم إلى امجاد الإباء والاجداد، فهو فكر سياسي لا يعيش الغربة بين أهله، ولذلك كانت قاعدة النجاح متوفرة له أكثر من أي فكر سياسي آخر، وقد ساعد هذا العامل الحركات الإسلامية على نجاحها في استقطاب الجماهير وتعبئتها باتجاه الهدف السياسي المرسوم.

ولا ننكر تأثير تلك الحركات إيجابا أو سلباً على قوة الإسلام السياسية وانتشاره بين الشعوب خصوصاً تلك التي لم تعتنق الإسلام دينا من قبل لان فشل الفكرة الصحيحة في الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم يعود في الغالب إلى الأشخاص والتنظيمات التي تتولى إيصال الفكرة إلى الناس لأنهم قد لا يتمتعون بالكفاءة المطلوبة فيعود الضرر على الفكرة نفسها.

ولا ينبغي أن ننكر حقيقة اثبتتها التجارب في الميدان السياسي، وهي أن بعض الحركات الإسلامية بدأ نجمها بالافول ودخلت عهد التراجع والضعف السياسي حتى في أماكن تواجدها وسيطرتها.

وفي اعتقادي ان عامل التراجع والضعف هو عامل داخلي نابع من قصر النظر السياسي الذي أدى إلى ممارسات خاطئة انعكست سلباً على المشروع الديني ونتيجة لذلك أصيب الخطاب الديني بهزة أثرت على مصداقيته في النفوس وإذا أردنا أن نضع أيدينا على أسباب انحسار القوة السياسية وانكماشها علينا أن نتعرف على عوامل النجاح لنرى ما هي العوامل التي افتقدتها بعض الحركات السياسية الداعية للإسلام ولدى التأمل نرى ان عوامل النجاح السياسي يمكن تلخيصها في أربعة:

الأول: وجود مشروع سياسي يحقق طموحات الناس في عيش حر وكريم، ويعبر عن تطلعات الأكثرية الساحقة منهم بعدالة اجتماعية تسود المجتمع وبعبارة أوضح أن يكون المشروع السياسي هو مشروع الناس لا مشروع فئة قليلة ونخبة حزبية.

الثاني: الأشخاص الذين يحملون المشروع السياسي ويطرحونه فإنه يجب أن يكونوا في أعلى درجات النزاهة والعدالة والإخلاص والاستعداد للتضحية وتحمل الصعاب من أجل مشروعهم الذي يريدون من الناس أن يؤمنوا به، كما ويجب أن يكون حملة المشروع يمتلكون درجة عالية من الوعي السياسي والديني، يمكنهم من دفع الشبهات التي تعترض المشروع ويجنبهم السقطات والوقوع في الأخطاء التي يحمل وزرها واعباءها المشروع السياسي.

الثالث: الخطاب السياسي وهو بمكان من الأهمية لأنه يشكل أداة اقناع القاعدة الشعبية بضرورة عملية التغيير والإصلاح التي يعبر عنها المشروع السياسي، ونعني بالخطاب السياسي أخذ الواقع التاريخي للناس والثقافي بما في ذلك عاداتهم وتقاليدهم بل حتى اللغة تؤخذ بنظر الاعتبار، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الأداة السياسية والموضوعية بقول الله تعالى: [وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم] – سورة إبراهيم آية 4 -.

وبقمدار ما يكون الخطاب السياسي بعيدة عن واقع المجتمع وعاداته واعرافه يكتب الفشل للمشروع وعدم النجاح، وبمقدار ما يكون الخطاب السياسي الذي (يشمل الأقوال والافعال) مقترباً من الناس وطباعهم يكتب له التقدم والنجاح، وبمقدار ما يكون الخطاب السياسي فظاً وغليظاً فإنه يؤدي إلى عكس الهدف المطلوب له التأييد من قبل القاعدة الشعبية، وقد عبر القرآن عن سيئات هذا الخطاب السياسي بقول الله تبارك وتعالى: [ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك] – سورة آل عمران آية 153- .

وقال أيضاً مخاطباً النبيين موسى وهارون عليهما السلام: [أذهبا إلى فرعون أنه طغى، فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى] – سورة طه آية 44-45 – والله يعلم عدم استجابة فرعون، ولكن ليكرس هذا الأسلوب والخطاب كطريقة عمل يقوم بها أصحاب المبادئ والقضايا الكبرى، لأن مشروعهم يقضي باستيعاب البشر وليس بالانعزال عنهم، ومن رفض فإنما يرفض بعد أن تكون الحجة قد قامت عليه وخالف حقيقة من الحقائق التي يعود خيرها إلى الناس جميعاً، وقال سبحانه وتعالى مخاطباً النبي محمداً “صلى الله عليه وآله وسلم” [أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة] سورة النحل آية 125، وغير ذلك من الآيات التي تشير إلى ضرورة كون الخطاب السياسي بالفعل واللغة التي لا تثير المشاعر ضد المشروع السياسي.

إقرأ أيضاً  العلامة السيد علي الأمين: التعليم المجاني والضمان الصحي لكل المواطنين -حزب الله- و-أمل- أضعفا الدولة بقوة السلاح ولقانون انتخابي يتجاوز القيد المناطقي والطائفي

الرابع: سلوك القيادة والاتباع الحاملين لمشروع التغيير والإصلاح في المجتمع، فإن تجسيد القيادة والاتباع من حملة المشروع للقيم التي يبشرون بها والمبادئ التي يعتنقونها في حياتهم، يشكل أعظم الأثر في قناعة الناس بالطرح الجديد وكلما ابتعدت القيادة والاتباع عن تشكيل طبقة تخصهم كلما اقترب مشروعهم من النجاح والتأييد وقد كان الأنبياء لا يمتازون عن الطبقة الشعبية في حياتهم الشخصية التي كانت الماً وجهاداً وعرقاً واحساساً بالمسؤولية، ومشاطرة للناس في همومهم واتعابهم فكانوا بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وكان الداخل عليهم لا يميزهم عن غيرهم ولا يعرفهم من خلال المجلس إذا كان لا يعرفهم من قبل وفي قوله تعالى إشارة إلى هذا المعنى: [وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق] سورة الفرقان آية 20.

والخطاب السياسي زائداً السلوك يعتبران جزءاً من المشروع السياسي وهما من عوامل تغلغل المشروع في النفوس التي تشكل الأرض التي لابد منها لحياة عملية التغيير والإصلاح التي يحكي عنها المشروع السياسي.

وبعد أن استعرضنا عوامل النجاح في العمل السياسي نجد أن بعض الحركات الإسلامية تفتقر إلى بعض تلك العوامل ان لم يكن إلى الكل في بعض الأماكن، فهي في بعض البلدان تفتقر إلى العامل الأول حيث لا يوجد لديها المشروع السياسي الملائم للبيئة والأرض التي تعيش عليها، ولا تصلح لمشاريعها وشعاراتها نتيجة التنوع والتداخل بين السكان والمواطنين الذين يختلفون في المعتقدات الدينية والسياسية، ولا يصلح لهم إلا المشروع السياسي الذي يقوم على أساس العيش المشترك القائم على العدالة والمساواة، والارتباط بالمصير الواحد والوطن الواحد كما هو الحال في لبنان الذي لا ينسجم مع مشروع سياسي ذي لون واحد، لأنه يؤدي إلى عزلة سياسية للمشروع واصحابه كما جرى لشعار الجمهورية الإسلامية في لبنان فإنه لم يكن الخطاب السياسي الذي يمكن ان يصغي إليه أبناء الشعب المتنوع، ولن يتمكن ان يشق طريقة إلا إلى شريحة ضيقة من شرائح المجتمع المتعددة، ومثل هذا الطرح الذي لم يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الأرض التي يعيش عليها، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى حرب أهلية تعود بالضرر على المجتمع كله وعلى المشروع الديني برمته، كما حصل لبعض الحركات الإسلامية في لبنان التي ولدت بعد الثورة الإسلامية في ايران، وارتبطت بها عضوياً متجاوزة الواقع الذي يعيشه الشعب اللبناني ولم تكلف تلك الحركات الوليدة نفسها عناء تبديل الشعارات أو حتى التفكير بتبديلها بما يتلاءم مع الواقع القائم على الساحة اللبنانية، وإنما اكتفت بترجمة تلك الشعارات من لغة إلى أخرى، وهذا مما جعلها حركة معزولة عن الواقع الذي يحيط بها والتي هي اساساً جزء منه، وفقدت بذلك الانتماء إلى المحيط الذي تريده ان يحمل مشروعها وفكرها وافتقرت بذلك إلى عامل آخر من عوامل النجاح السياسي، وهو الخطاب السياسي الذي لا بد منه لإقناع القاعدة الشعبية بالمشروع، ولا يمكن ان تخاطب شعباً إلا من خلال مكونات شخصيته الثقافية والسياسية التي تؤثر فيها عوامل التاريخ والجغرافيا، وقد افقدها الارتباط العضوي شخصيتها المستقلة ومنعها من أن تأخذ القرار المناسب لواقعها، والذي لا تستغني عنه أية حركة سياسية، ولذلك فإن ارتباط الحركات الإسلامية بأية دولة يفقدها عامل الاصالة ويجعلها في غربة بينها وبين شعبها، كما حصل للأحزاب الشيوعية في العالم التي ارتبطت عضوياً بالاتحاد السوفيتي، وقد اثبتت التجارب انها عاشت في حالة غربة مع شعوبها فهي لم تكن احزاباً محلية بقدر ما كانت احزاباً للدولة الأم.

ومن الحركات الإسلامية التي أصيبت بمرض الاغتراب عن تطلعات شعبها نتيجة الارتباط العضوي الذي ألغى شخصيتها المستقلة، وادى بالتالي إلى ضياع قضية شعب دفع الكثير من أجل حريته وعقيدته هي الحركة الإسلامية في العراق، والتي وجدت قبل الثورة الإسلامية في ايران بزمن طويل، ولكن قيادتها بسبب تواجدها في ايران ارتبطت عضوياً بالدولة الإسلامية في ايران وغدت بذلك مؤسسة من مؤسسات الدولة الجديدة، تحمل نفس توجهاتها السياسية على الرغم من عدم قناعة قطاع كبير من القاعدة بذلك التوجه والارتباط الذي جعلها تفتقد الخطاب السياسي الذي يفهمه شعبها داخل العراق وخارجه، وضاعت بذلك قضية الشعب العراقي في خضم الحرب العراقية الإيرانية بعدما كانت تفتقد في الأصل المشروع السياسي المعبر عن طموحات غالبية الشعب العراقي، لأن الحركة قد انساقت مع الأوضاع التي استجدت في ايران المجاورة وانتقلت تلك الحركة إلى مرحلة الاعداد الفكري لكوادرها الحزبية وقبل صيرورتها حركة شعبية، فخاضت المعركة بدون السلاح المطلوب لتلك المرحلة وفي الحديث (من استعجل الشيء قبل اوانه عوقب بحرمانه)، وقد نجح النظام العراقي في اضعاف الحركة الإسلامية في العراق حينما جرها إلى معركة غير متكافئة في الداخل وزادها ضعفاً حينما فقدت تلك الحركة في الخارج اللغة السياسية المؤثرة في تعبئة القواعد الشعبية، بسبب ارتباط قيادتها بالدولة الإسلامية في ايران، وهذا مما اعطى النظام العراقي ذريعة لاتهامها بانها جزء من الدولة التي يحاربها، وليست حركة داخل العراق تسعى إلى اصلاح النظام وتغييره.

ومما ساعد النظام العراقي على هذه الذريعة الفاعلة في النفوس، إصرار بعض القيادات في إيران على ان يكون على رأس الحركة الإسلامية في العراق شخص أو اشخاص لا يعرفهم الشعب العراقي ولا يمتون إليه بصلة، بل كانوا مواطنين من الدولة الإيرانية تعلموا اللغة العربية في العراق ولا ينطقون بها إلا بصعوبة وقد ذكرنا في الإجابة على السؤال السابق، ان من عوامل النجاح السياسي ان يكون الخطاب منسجماً مع الواقع النفسي الذي تعيشه الشعوب والذي يشير إليه القرآن الكريم في بعثة الأنبياء [وما ارسلنا من رسول إلا بلسان قومه].

ولا ننكر ان العلاقة مع الدولة الإسلامية في إيران يشكل عاملاً مساعداً للحركات الإسلامية، ولكن العلاقة شيء والارتباط العضوي شيء آخر لأنه يلغي شخصية الحركات الإسلامية ويفقدها الانتماء إلى محيطها، وهذا من عوامل الضعف لها في ظل جملة من المفاهيم السائدة بين الشعوب والدول، وكان بالإمكان ان تتحرك كل حركة من خلال أوضاعها الداخلية والمحلية حتى تسحب الحجة التي تعتمدها الأنظمة المعادية للحركات الإسلامية في انها تعمل لصالح دول اجنبية.

وفي اعتقادنا ان المنطلق الذي انطلقت منه سياسة بعض القيادات في الجمهورية الإسلامية في إيران كان وما يزال خطأ فادحاً أوصل تلك الحركات إلى النتائج التي لا تحسد عليها، وهذا الخطأ يكمن في ان تلك القيادات لم تفكر في دعم الحركات الإسلامية في بلادها وعلى طريقتها في العمل السياسي، وإنما فكرت وخططت لكيفية الاستيلاء عليها وقيادتها والامساك بقرارها في بلادها، فكان الفشل الذي رأيناه وما زالت بعض الحركات مشغولة بحصاد الآثار حتى الساعة.

ولدينا أمل في ان تعيد قيادة تلك الحركات حساباتها وتدرس النتائج والأسباب التي أدت إلى فشل المشروع السياسي، وأوصلتها على عزلة سياسية مع شعبها ومحيطها، بل إلى عزلة مع قواعدها الفكرية وكوادرها الحزبية.

ومن خلال الأمور التي ذكرناها يمكن أن نعيد تلك الحركات قوتها ونحافظ على استمراريتها وبذلك نؤدي خدمة كبيرة للإسلام والشعوب المقهورة التي آمنت به منقذاً لها، وما زالت تعقد عليه الآمال الصادقة على الرغم من عدم نجاح التجربة التي لم تكن بمستوى الطموحات والتوقعات. والله من وراء القصد