السبت , نوفمبر 17 2018
الرئيسية / بحوث و مؤلفات / القضاء بين الثّابت والمتغيّر

القضاء بين الثّابت والمتغيّر

بسم الله الرحمن الرّحيم

 

القضاء بين الثّابت والمتغيّر

     

    لسماحة آية الله

        السيد علي الأمين

 

إن المستفاد من القرآن الكريم أن المعيار في حسن التشريعات القضائية يكمن في تحقيق تلك التشريعات للعدالة بين المتخاصمين وفي المحافظة على حقوق الأفراد والجماعات وصيانة الأرواح والممتلكات والأعراض .

هذا هو الدور الأساسي الذي أوكل للقضاء القيام به ، وهذا ما نراه من الثوابت التي لا تبديل فيها ولا تغيير وقد جاء هذا المعنى في آيات عديدة

منها :(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )سورة النساء-آية-58-.

ومنها :(وأُمِرْتُ لأعدل بينكم)الشورى-15-.

ومنها :(إن الله يأمر بالعدل والإحسان)النحل-90-

ومنها:(وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط)المائدة-42-

 ومنها:(فاحكم بين الناس بالحق ولا تتّبع الهوى)ص-26-.

ومنها:(وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)الحديد-25-.       

فإن هذه الآيات وغيرها تدل دلالة قطعية على أن الغاية من الحكومة هي إقامة العدل التي لا تتحقق قيامة المجتمع بدونها وهي غاية غير قابلة للإجتهاد ولا تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ولا تتبدل بتبدل الأعصار والأمصار.

 وأما الآلية لتحقيق هذه العدالة وإنجاز هذه الغاية فهي لا تعتبر من الثوابت بل يمكن أن ينالها التَّغيير والَّتبديل من خلال النظر ا والإجتهاد في النصوص الدينية الواردة فيها،فلا تدخل صفات القاضي والشهادة وعدد الشهود مثلاً  في المقدس الذي لا يجوز الإجتهاد فيه ولا تكتسب تلك الأمور المذكورة في كتب الفقهاء صفة الأمر الثابت إلا بمقدار ارتباطها بتحقيق العدالة المطلوبة من القضاء كما جاء في الآيات القرآنية التي تعتبر المرجع الأعلى في التشريعات القضائية وغيرها.

والحاصل أن الآلية المستخدمة كوسيلة لتحقيق العدالة في القضاء هي بمثابة الشكل للجوهر والحقيقة قد يراعي المشَّرع عند اعتبارها العنصر الزمني والعادات والتقاليد الموجودة لدى الشعوب فيأخذها جزءاً في كيفية الوصول إلى الهدف المقصود الذي تتعدد أساليب الوصول أليه .

ففي المجتمع الذكوري  الذي ورثه المشرِّع الإسلامي والذي لم يكن تتصدى فيه المرأة إلا لشؤون التربية والمنزل وحيث كان التعليم الذي يؤهل الإنسان لإستلام منصب القضاء وغيره يكاد يكون مقتصراً على الرجال -في ظل هذا الواقع الموروث لا يكون تشريع المساوات بين الرجل والمرأة في التصدي للقضاء وغيره من المناصب تشريعاً فاعلاً ومقبولاً ولذلك نجد أن الآيات القرآنية التي تعرضت إلى مسألة الحكم والقضاء قد نبهت على الغاية المطلوبة من القضاء وكان الخطاب فيها موجهاً للحاكم من دون نظرٍ إلى الصِّفة التي يكون عليها من الذكورة والأنوثة وأن عليه أن يحقق العدالة بين الناس ،وأما عند الحديث عن الآلية فقد دخلت بعض الآيات القرآنية والنصوص الدينية في بعض التفصيلات العملية لتحقيق هذه الغاية وهنا لا بد من النظر إلى الواقع الذي يكون عليه المجتمع فتأتي النصوص الدينية منسجمةً مع ذلك الواقع وحيث إن الرجل من الناحية العملية كان هو الذي يقوم بهذا العمل كالقضاء مثلاً جاء في النصوص الدينية الخطاب بالعودة إليه في مقام القضاء كما في بعض الروايات الدينية التي ورد فيها عنوان الرجل (إرجعوا  إلى رجل عرف حلالنا  وحرامنا فإني قد جعلته حاكماً) وليس في هذا الكلام وأمثاله ما يدل على ان منصب القضاء منحصرٌ بالرجل وأنه لا يجوز للمرأة .

فإن العدالة المطلوبة بالقضاء نصل إليها من خلال علم القاضي ونزاهته ويمكن للمرأة أن تحصل على هذه الأوصاف المطلوبة في تحقيق العدالة.

والروايات التي تمنع من تولي المرأة للقضاء ضعيفة السند لا يعتمد عليها وقد ذهب الإمام الخوئي إلى عدم اعتبار الإجتهاد في قاضي التحكيم  استناداً إلى الآيات المطالبة بأن يكون الحكم بالعدل وإلى بعض النصوص الدينية الأخرى.

ومن الواضح أن هذه الطريقة نفسها من الإجتهاد في عدم إعتبار الإجتهاد في قاضي التحكيم يمكن استخدامها لنفي بعض الشروط الأخرى كالذكورة مثلاً استناداً إلى الآيات التي تشترط أن يكون الحكم بالعدل.

ومن الشواهد على إمكان تجاوز الآلية وعدم ثباتها هو ذهاب جمع غفير من الفقهاء -بل أدعي الإجماع عليه -إلى أن القاضي يقضي بعلمه متجاوزاً الشهود ذكوراً وإناثاً لأنه إذا كان عالماً بالواقعة بين المتخاصمين وحكم وفقاً لعلمه فإن حكمه يكون بالحق وقضاءه يكون بالعدل وهذا هو المطلوب من المحاكمة .

– والإجماع المدّعى على اشتراط الذكورة في القاضي قد ناقش فيه غير واحدٍ من العلماء واعتبر بعضهم أن هذه المسألة من مستحدثات المسائل ولا معنى لدعوى الإجماع القديم فيها هذا مضافاً إلى ما عرفت من إمكان اعتماد المجمعين على ما فهموه من بعض النصوص التي ورد فيها كلمة (رجل) وهي غير صالحة للخروج عن المطلقات القرآنية الآمرة بالحكم بالعدل الشاملة للذكر والأنثى وقد عرفت أن ورود كلمة الرجل في الروايات كان لغلبة الوجود التي لا  تُعتبر من القيود.

شهادة المرأة

تدخل شهادة المرأة في الآلية التي يعتمدها القاضي لتحقيق العدالة وفصل الخصومة وقد مر معنا سابقاً أن المُشرِّع في باب القضاء عندما ينظر القاضي  إلى التفصيلات لا يُغْفِلُ الواقع الذي يكون عليه المجتمع فهو يريد أن يحقق العدالة بأدوات الواقع وبما أن الواقع الذي كانت عليه المرأة عند التشريع كان واقعاً يفرض عليها ما يشبه العزلة التي تمنعها من الإطلاع على مجريات الأحداث والمعاملات التي كانت تجري في مجتمع الرجال مضافاً إلى المهام العائلية التي كانت تلقى على عاتقها مما يصرفها عن الإهتمامات الأخرى وهذه من العوامل التي تجعلها بنظر المجتمع غير قادرة على ضبط الأحداث والوقائع الجارية في الغالب بين الرجال ولذلك جاء اشتراط المرأة الثانية في الشهادة احتياطاً لتحقيق العدالة ودفعاً لاحتمال قلة الحفظ والضبط للواقعة المشهود عليها وهذا الاحتمال كان موجوداً في أذهان وعقول أصحاب تلك البيئة ،وهو ناشىء من أجواء العزلة التي كانت تعيشها المرأة في ذلك المجتمع الذي حدد لها دوراً ضيِّقاً يُشغلها أو يمنعها في الغالب من التواصل مع عالم الرجال الذي كانت تجري فيه المعاملات على أيديهم في أغلب الأحيان ،ولذلك فإننا نرى أن الآية المباركة (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) لا تدل على وجود هذا الإحتمال من خلال التكوين لخلقة المرأة وإنّما هو احتمال  وَّلدته الظروف التي كانت تعيشها المرأة.

ولو كان اعتبار تعدُّد المرأة في الشهادة ناشئاً من نقص في التكوين لدى المرأة وجاء التعدد لسد هذه الثغرة للزم من ذلك إعتبار التعدد حتى في الموارد التي اكتفت الشريعة بشهادة المرأة الواحدة كما في الشهادة على الولادة وغيرها من الأمور التي لا يطّلع عليها الرجال.

وهذا يكشف لنا أن التعدد ليس لنقص ذاتي في المرأة بل كان لوضع طارىء كانت تعيشه المرأة وبلحاظ هذا الواقع لا يكون في اعتبار التعدد إنتقاص من الوضع الحقوقي للمرأة..

وعلى هذا الأساس الذي ذكرناه يمكن للفقيه أن يعتمد على الآيات القرآنية الآمرة بالمحاكمة العادلة وينفي آلية اشتراط التَّعدد فيما تشهد عليه المرأة إذا تغيرت الظروف التي فرضت التعدد في شهادة المرأة وأمكن الوصول إلى العدالة المطلوبة .

قاضي التحكيم

وقد ظهر لنا مما تقدم أن الأمر الثابت في القضاء هو تحقيق العدالة وما عدا ذلك يدخل ضمن الآلية والشكل الذي لا يأبى التبديل والتعديل في حدّ نفسه.

والبحث عن قاضي التحكيم وهو الذي ارتضاه الطرفان المتنازعان يعتمد بالدرجة الأولى على قبول الخصمين به حكماً مضافاً إلى العدالة المطلوبة ومع الرضا بالحكم والقبول به ينتفي الإكراه ولا يكون أكل المال بحكمه المرضي والمقبول أكلاً للمال بالباطل وقد جاء في بعض النصوص الدينية أن القاضي الذي يمنع من الرجوع إليه هو الذي يفرض الحكم بالجور والعدوان كما في رواية الحلبي عن الإمام الصادق (ع):

 (قال:قلت لأبي عبدالله عليه السلام :ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل ٍمنا؟فقال:ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط).

فإنّ المفهوم من هذه الرواية وغيرها أن الجور والتسلُّط والإكراه هي التي تمنع من أهليه القضاء ومن نفوذ الحكم الصادر عنه.

وليس في هذه الرواية وأمثالها مضافاً إلى الآيات التي تقدم الحديث عنها ما يدل على اشتراط الذكورة في قاضي في التحكيم بل ليس فيها ما يدل على اشتراط الإسلام فيه إذا كان الحكم الصادر عنه مقبولاً من الطرفين وواجداً لصفة العدالة   وأما الآية التي يستند إليها الفقهاء في منع التحاكم إلى غير المسلم وهي قوله تعالى:

(ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)النساء-141- فهي لا تدل على المقصود بوجهٍ من الوجوه لأنها واردة في مقام أن الحجة في الآخرة هي للمؤمنين بالله على الكافرين فهم إن استطاعوا أن يظهروا الحجة الكاذبة في الدنيا على مواقفهم ولم يكن بالإمكان تكذيبهم في الظاهر فإن هذه الحجج لن تكون على المؤمنين يوم القيامة والظاهر أن الفقهاء قد أخذوا بجزء الآية الأخير وتركوا الأجزاء الأخرى ولذلك وقعوا في النتائج التي لا دليل عليها والآية بأكملها هي:

(الذين  يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)النساء-141-.

وقد جاء في تفسير الدر المنثور للشيخ السّيوطي : أخرج بن جرير عن علي (ع): (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) قال: في الآخرة.

وفي عيون أخبار الرضا بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا(ع):

 (في قول الله جل جلاله ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)قال: فإنه يقول : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين حجّة ،ولقد أخبر الله تعالى عن كفار قتلوا أنبيائهم بغير حق ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلا).

وعلى كل حال فإن السبيل المذكور في الآية هو بمعنى الحجّة والدليل وليس بمعنى الولاية والسلطة لكي يقال بأن الولاية في القضاء لا تعطى لغير المسلم وإن كان عادلاً ومما يؤيد ذلك ما روي عن أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة:

 (وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح برُّ ويستراح من فاجر)

 فإن المستفاد من هذا النص أن الولاية والسلطة يعتبر في صاحبهما أن يحقق العدالة الإجتماعية (ويجمع به الفيء)والأمن الداخلي ودفع العدوان الخارجي (يقاتل به العدو و تأمن به السبل)والقضاء العادل ( ويؤخذ به للضعيف من القوي).

ثم لو فرضنا أن السبيل بمعنى السلطة والولاية كما فهمه الفقهاء فإن المسلم إذا رضي بقضاء غير المسلم فإن كان الحق على المسلم في الدعوى المقامة عليه فهو الذي يكون قد جعل السبيل على نفسه بخطأه أو عمده والمفروض أنه قد ألزم نفسه بالحكم والقاعدة الفقهية تحكم بلزوم وفائه بالعقد كما في قوله تعالى:

 (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)

 ويجب عليه الإلتزام بما إلتزم به من شرط لقاعدة الوفاء بالشرط المستفادة من قوله (ع): (المؤمنون عند شروطهم)،وإن كان الحق على غير المسلم في الدعوى المقامة فيكون السبيل عليه وليس على الطرف المسلم والحاصل أن القاضي الذي قبله الطرفان والخاضع لموازين العدل والإنصاف ليس له من سبيل على أحد الطرفين وإنما السبيل في حقيقة الحال هو  لقوانين الحق والعدل التي قبلها المترافعان .

 

11 كانون ثاني 2002