الأحد , أغسطس 20 2017
عناوين
الرئيسية / الوحدة الاسلامية / المكانة الدينية لأزواج الرسول عليه الصلاة والسلام

المكانة الدينية لأزواج الرسول عليه الصلاة والسلام

 المكانة الدينية لأزواج الرسول عليه الصلاة والسلام *

العلاّمة السيّد علي الأمين
لقد أسس القرآن الكريم – وهو المصدر الأول للشريعة  لقيام أحسن العلاقات بين أفراد المجتمع الإسلامي بعضهم مع البعض الآخر ومع غيرهم من الجماعات والشعوب تقوم على مبادئ العدل والمساواة والإحترام ومكارم الأخلاق التي كانت هي الهدف الذي سعى الأنبياء لتحقيقه عبر التّاريخ البشري وقد جاء خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لإتمامها كما ورد في الحديث المشهور (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)·
وقد كان من جملة التعاليم لأفراد الجماعة المسلمة ما يتضمّن نظرتهم إلى قيادتهم وكيفية العلاقة معها والتي تمثلت بالنبي عليه الصلاة والسلام وقد التزم المسلمون تلك التعاليم في سلوكياتهم وآمنوا بها وصارت لهم من المعتقدات التي انطوت عليها قلوبهم· وقد كشف لنا القرآن الكريم عن جوانب مهمّة من تلك العلاقات التي كانت سائدة فيما بينهم كما جاء في قوله تعالى متحدّثاً عن أوصاف تلك الصّفوة التي آمنت به كما جاء في قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً··} <الفتح: 29>·
وصفة التّراحم هذه تحكي لنا عن عمق العلاقة الإيمانية بينهم التي تنعكس صورها في الأقوال والأفعال محبّة وتعاوناً وتعاطفاً واحتراماً وغير ذلك من صور الصّفات التي تندرج في مكارم الأخلاق الّتي تأسست دعوتهم عليها·
وحسبما نراه في الاجتماع البشري فإنّ الناس عندما يؤمنون بقيادة من القيادات الّتي يمحضونها حبّهم ومودّتهم وإخلاصهم فإنّهم ينظرون إلى بيته وأسرته بعين التّقدير والتّكريم لأجل قربهم وعلاقتهم وارتباطهم بالقيادة الّتي أحبّوها فكيف إذا كانت تلك القيادة متمثلة برسول الله عليه الصلاة والسلام الذي كان حريصاً عليهم رؤوفاً بهم كما وصفه الله تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} <التوبة: 128>·
والشريعة الإسلامية لم تترك تحديد نوع تلك العلاقة للفطرة الاجتماعية بالنسبة إلى النبيّ وأهل بيته عليه وعليهم جميعاً سلام الله ورضوانه  بل تدخّلت لتجعل ذلك الشّعور العام حكماً من أحكامها وتشريعاً من تشريعاتها في تنظيم تلك العلاقة و بها يتمّ الكشف عن المكانة الدينية الّتي يستحقّها المقرّبون من النّبي من الّذين آمنوا بدعوته وأصبحوا جزءاً من حياته الشريفة، وصاروا شركاءَ له في حلوها ومرّها ومصاعبها ومتاعبها خصوصاً أزواجه اللّاتي اختارهنّ واخترنه ليكنّ في بيت النّبوّة المؤتمنات على مبادئ دعوته والمساعدات له في تحمّل التّبعات وهذا يتطلّب من النّبي عليه أفضل الصلاة و السلام أن يختارهنّ النموذج والصّورة التي تعكس الحياة الفاضلة في بيت الدّعوة ومركزها ولذلك فهنّ لسن كبقيّة النّساء في تحمّل المسؤولية الرساليّة اتّجاه الرّسالة التي تنطلق من بيوتهنّ وقد خاطبهنّ القرآن الكريم بقول الله تعالى {يا نساء النّبيّ لستنّ كأحد من النساء ···}·
وبالفعل فإن أزواج النّبيّ عليه الصلاة و السلام كما كنّ الجديرات باختياره لهنّ فقد كنّ الأمينات الصّادقات والحريصات على تحمّل هذه المسؤوليّة الكبيرة في بيت النّبوّة وكنّ بمستواها رغم متطلّباتها الكثيرة وضوابطها المشدّدة وقد كشف لنا ذلك القرآن نفسه عن تلك المواصفات والاستحقاقات حيث لا يعطي الله سبحانه أحداً أوسمة بلا عمل ولا مؤهّلات وإنّما يعطيها جزاءً وفاقاً ·
أولى بالمؤمنين من أنفسهم
ومن هذا المنطلق فإنّنا ينبغي أن ننظر إلى قوله تعالى {النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم} <الأحزاب>· – ليس من باب النّظر إلى حكمٍ إنشائي تشريعي بل ينبغي فهمه والنظر إليه على أنه حكم يتضمّن الإخبار عن الجزاء على عمل قمن به وعلى مسؤولية تحمّلنها بجدارة وكفاءة ويعكس لنا الحقيقة الّتي كانت عليها أزواج النّبي عليه صلاة الله وسلامه وعليهنّ الرحمة والرّضوان·
فكما أن قوله تعالى {النّبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} حكم يتضمّن الإخبار عن روح الأبوّة للمؤمنين لأنّه الحريص عليهم والعزيز عليه عنتهم فهو يستحقّ من المؤمنين برسالته أن يتعاطوا معه وينظروا إليه نظرة الأب الرّؤوف بأبنائه العطوف عليهم الّذي يتوخّى لهم المصلحة في دينهم ودنياهم فكذلك هي الحال بالنسبة إلى أزواجه كلِّ أزواجه فإنّهنّ بالمنظور القرآني ذاته أمهاتهم اللّواتي يجب عليهم أن يدركوا لزوم شكرهنّ واحترامهنّ وتقديرهنّ جزاءاً لدورهنّ في بناء الأسرة الكبيرة، أسرة الأمّة الجديدة واحتضانهنّ لها من خلال مؤازرتهنّ لصاحب الدّعوة ومشاركتهنّ له في تبعاتها، فقد ذهبت الأمّ بثلاثة أرباع البرّ كما ورد في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما سأله بعضهم قائلاً: من أبرُّ يا رسول الله فقال: أمّك أمّك أمّك ثم أباك·
ولأنّ أزواج النّبي كنّ في موضع القدوة والمثال لنساء المؤمنين ولهنّ دور مؤثر في الدعوة فقد حاولت أن تمتدّ إليهنّ ألسنة السوء كي ينالوا من سمعة الدّعوة وصاحبها ويحدّوا من تأثيرها بتشويه صورة من هم أولى النّاس بتطبيق تعاليمها فما كان من الوحي إلاّ أن تدخّل ليكشف زيف تلك الإدّعاءات على الطّاهرات والرّمز المقدّس للمؤمنات وسمّى ذلك بالإفك وهو الكذب المبين والبهتان العظيم فقال سبحانه وتعالى: {لولا إذ سمعتموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفكٌ مبين} <النور: 12>· {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} <النور: 16>· وأعقب ذلك بقوله تعالى: {··· إن الّذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون} <النور: 19>، وهل بعد هذا الكلام المتضمّن للوعيد والتّهديد من حجّة ودليل على إصرار بعضهم على الإفك والقول بما لا يعلمون؟! وهل حقاً هم بعد ذلك بكلام الله يؤمنون؟!· أم أنّهم ينخرطون في صفوف أولئك الّذين أرادوا الطّعن في الرّسالة من خلال الطّعن برموزها؟!·
عمل الصحابة
وقد عمل الصّحابة رضوان الله عليهم بهذه المبادئ القرآنية التي برّأت ساحة الأزواج الطاهرات واستجابوا لنداء ربّهم وآمنوا به وأدركوا أنّ الطّيبات للطيّبين وأنّ الطيّبين للطيّبات وهل بعد طيب رسول الله وطهره وطيب أزواجه وطهرهنّ من طهر وطيب؟! كما قال الله تعالى: {و الطيّبات للطيّبين و الطّيبون للطّيبات أولئك مبرّأون ممّا يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} <النور 26<· وعند الحديث عن أهل بيت النبوّة أكّد على هذه الطّهارة الشاملة لهنّ بقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا} <الأحزاب>· وقد بقي الصّحابة رضوان الله عليهم على هذه السنّة من تعظيم أمّهات المؤمنين وإجلالهنّ في كلّ الظروف والأحوال مدركين أنّ ما قاله الله تعالى عنهنّ لا يتغيّر ولا يتبدّل إلتزاماً بشرع الله ووفاءاً لصاحب الرّسالة عليه الصلاة والسلام ولذلك نراهم حتى عندما عصفت الفتنة في المجتمع الإسلامي في عصر خلافة الإمام علي في حرب الجمل لم يتجرّأ حتّى الّذين اختلفوا في الرّأي أن ينالوا من تلك المكانة الدينية لأمّهات المؤمنين رضي الله عنهنّ فها هو عمّار بن ياسر رضي الله عنه يقول للمسلمين في تلك المرحلة المشحونة بالصّراعات والّتي تخرج فيها الأمور عن عقالها: (إنّ عائشة قد سارت إلى البصرة ووالله إنّها لزوجة نبيّكم في الدّنيا والآخرة ولكنّ الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إيّاه تطيعون أم هي)· وها هو الإمام علي عليه السلام بعد أن وضعت حرب الجمل أوزارها يرجعها إلى المدينة مع مظاهر التّبجيل والاحترام قاطعاً الطّريق على الّذين أرادوا النّيل من أمّ المؤمنين رضي الله عنها رافضين ما قام به الإمام علي من معاملة حسنة لها فأنهى الخلاف بكلمتين (ولها بعدُ حرمتها الأولى والحساب على الله)·
نستنكر الأقوال المغرضة
ومن هذا المنطلق الدّيني فإنّنا نجدّد الشجب والاستنكار لكلّ الأقوال المغرضة والدّعوات الباطلة المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وسيرة أصحابه وأهل بيته الّتي يطلقها بعض أدعياء العلم في التعرّض بسوء لأمّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ولسائر الرموز الدينية عند المسلمين· وقد نهانا الله تعالى عن سبّ الذين يدعون من دون الله في محكم كتابه الكريم حيث قال {ولا تسبّوا الّذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم} <الأنعام>· فكيف يتجرّأ هؤلاء على المؤمنين والمؤمنات الّذين هاجروا وأوذوا وتحمّلوا جليل المصاعب في سبيل الله والّذين قال عنهم الله تعالى: {فالّذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفّرنّ عنهم سيئاتهم ولأدخلنّهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثّواب} <آل عمران>·
والّذين يشملهم قول الإمام زين العابدين في الصحيفة السجادية : (اللهمّ وأصحاب محمّد خاصّة الّذين أحسنوا الصحابة والّذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته وسابقوا إلى دعوته واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته وانتصروا به ومن كانوا منطوين على محبّته يرجون تجارة لن تبور في مودّته، والّذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظلّ قرابته،فلا تنس لهم اللهمّ ما تركوا لك وفيك وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثّرت في إعزاز دينك من مظلومهم ···)·
وقال الله تعالى: {والّذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا} <الأحزاب>·
هذا هو المنهج الذي نستفيده من سيرة الصحابة وأئمة أهل البيت في تعظيم وتكريم أمّهات المؤمنين رضوان الله عليهم أجمعين جعلنا الله من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين وهو ما نراه الموافق لمبادئ القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة والله من وراء القصد وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين·
* الكلمة المرسلة إلى مؤتمر -السابقون الأولون ومكانتهم لدى المسلمين- المنعقد في الكويت بتاريخ 20-12-2011

شاهد أيضاً

إزدواجية الفتوى والسلوك: الإشكالية الفقهية في الحج الواحد وعيد الاضحى المتعدد

ازدواجية الفتوى والسلوك: الإشكالية الفقهية في الحج الواحد وعيد الأضحى المتعدد العلامة المجتهد السيد علي الأمين …