الجمعة , يوليو 19 2024

الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية في حوار حصري مع العلامة السيد علي الأمين

2024-04-09
   

نسير على خطى السابقين من العلماء والمصلحين الذين أسسوا للتقريب بين السنة والشيعة

مؤتمر ” بناء الجسور  بين المذاهب الإسلامية” يؤسس لمرحلة جديدة من التقريب 

أكد المرجع الديني الشيعي السيد علي الأمين في حوار مع مجلة ” لتعارفوا “، أن المذاهب الفقهية هي اجتهادات فقهية في فهم الدين الإسلامي وشريعته، وهي اجتهادات مشروعة في الدين، وليست في مواجهة للدين الواحد الذي يجمع بين المجتهدين وأتباعهم.ولذلك فإن المطلوب منا جميعاً أن نبتعد عن كل عوامل الفرقة والانقسام، وأن ندرك أن وحدة الأمة هي من مقاصد شريعتنا السمحاء .

وأضاف في حواره مع مجلة ” لتعارفوا” أن هيئات التقريب السابقة بذلت جهوداً مشكورة ووضعت حجر الأساس لمسألة التقريب، وعلينا أن نواصل الطريق بما يتناسب مع عصرنا، وأن نقوم بالمزيد من الجهود وتحويلها إلى مؤسسة جامعة تعمل على التقارب ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال، مؤكدا أن مؤتمر ” بناء جسور التقارب بين المذاهب الإسلامية” والذي نظمته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة يؤسس لمرحلة جديدة من التقريب بين المذاهب الإسلامية .. وإلي نص الحوار .

أجري الحوار – الشيخ مهاجري زيان 

في البداية نود أن يطلع القارئ على نبذة مختصرة عن العلامة السيد علي الأمين ؟

داعية للإسلام، تلقى علومه الدينية في النجف الأشرف على أيدي كبار من الأساتذة ومراجع الدين فيها، منهم المراجع السيد الخوئي والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد الروحاني رحمهم الله.

تولى التدريس في علوم الفقه والأصول والتفسير في معاهد الدراسة الدينية التي تولى إدارتها في وطنه لبنان وخارجه، وتخرج منها عشرات الطلاب والأساتذة، وما زال يقوم بدوره في التعليم والوعظ والإرشاد والدعوة إلى التسامح والحوار بين مختلف الثقافات والأديان.

 كان لكم مشاركة وحضور في أعمال المؤتمر الدولي: “بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية” بمكة المكرمة، ما أهمية هذا المؤتمر في نظركم في التقريب بين المذاهب؟

يأتي مؤتمر بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية في مكة المكرمة لترسيخ الروابط بين أبناء الأمة الواحدة، ولمواجهة دعوات الفرقة من الذين يحاولون استغلال الاختلاف في مسائل فقهية بين أئمة المذاهب تعتبر من الاجتهادات المشروعة في فهم الشريعة وأحكامها، وأعتقد أن ما قام به هذا المؤتمر وما سينبثق عنه سيؤسس إلى مرحلة جديدة من التقريب بين المذاهب الإسلامية، يجعل من التقريب أكثر انتشاراً في مجتمعاتنا من خلال نشر الوعي فيها الذي يساعدها على رد شبهات الساعين إلى التباعد والفرقة.

يحاول العلامة علي الأمين، التقريب بين السنة والشيعة ووأد الطائفية، ماذا حققتم  في هذا الطريق؟

نحن نسير على خطى السابقين من العلماء والمصلحين الذين أسسوا للتقريب بين السنة والشيعة، نستفيد من دروسهم وكتاباتهم، ونواصل العمل على خطاهم في إبقاء جسور التواصل بين مختلف الطوائف والمذاهب في لبنان وغيره من دول العالم، ولا شك بأن العلاقات الإيجابية شهدنا لها ازدياداً وتطوراً نحو الأحسن في السنوات الأخيرة، كما ظهر من هذا المؤتمر الذي انعقد في مكة المكرمة وغيره من المؤتمرات.

أصدرتم مؤخرا كتاب تحت عنوان: “السنة والشيعة أمة واحدة إسلام واحد واجتهادات متعددة” حدثنا عن فحوى هذا الكتاب القيم؟

كتب كثير من الكتاب وأصحاب القلم- جزاهم الله خيراً-عن كتاب السنة والشيعة أمة واحدة- إسلام واحد واجتهادات متعددة، وهو كان نتيجة عقود من الزمن مضت على الدراسة والبحث، كنت أرى فيها ضرورة العمل على استمرار مسيرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وقد توجت تلك الدراسة بهذا الكتاب الذي أردته مرجعاً للتلاقي بين أبناء الأمة الواحدة، وقد تلقاه بالقبول كثير من علماء الأمة ومثقفيها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق شباب الأمة للإطلاع عليه، لما فيه من أمور تلقيتها عن السابقين تبين أن المذاهب الفقهية هي اجتهادات فقهية في فهم الدين الإسلامي وشريعته، وهي اجتهادات مشروعة في الدين، وليست في مواجهة للدين الواحد الذي يجمع بين المجتهدين وأتباعهم.

 كثيرون لا يريدون خطاب الاعتدال والوسطية الذي يجمع الناس ويلغي الفوارق بينهم، ويستدعون دائما خطابات التفرقة والعصبية المقيتة، كيف يمكن مجابهة هذه الفئة؟

الذين لا يريدون خطاب الاعتدال والوسطية هم صنفان، فيهم الجاهلون بما يجمعهم، وفيهم الذين يحاولون استغلال الفوارق الفقهية لمآرب سياسية، والمواجهة لهما تكون بالمزيد من العمل على نشر الوعي في الأمة، لتعريفها بالمشتركات الجامعة بين أبناء الأمة الواحدة، من خلال اللقاءات ووسائل الإعلام ومن خلال تأسيس المدارس التي تنطلق في مناهجها من تلك الأسس التي بنيت عليها وحدة الأمة، وقد توجهت إلى شباب الأمة بالقول: أنتم أمل الأوطان، وأمل الأمة في بناء مستقبلها وتعزيز مكانتها والوصول بها إلى موقعها الريادي اللائق بها في العالم .

وأنتم تعلمون – أيها الأمل الواعد – من خلال تاريخنا وقرآننا المجيد أن وحدة الكلمة كانت في أساس البنيان المرصوص لأمتنا كما قال الله تعالى” إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ” الآية (92) سورة الأنبياء، 

وكما في قوله تعالى ” وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ” الآية (103) سورة آل عمران .

ولذلك فإن المطلوب منا جميعاً أن نبتعد عن كل عوامل الفرقة والانقسام، وأن ندرك أن وحدة الأمة هي من مقاصد شريعتنا السمحاء، وبهذا المقصد الشريف يعرف شبابنا بطلان كل دعوة تريد جعلنا طوائف ومذاهب متناحرة تحت شعار الدين، فإن الدين هو داعية وحدة وليس داعية فرقة.

 

واقع النظام العالمي يفرض علينا صفا واحدا، إلى متى هذا التشتت؟

لا يمكننا الخروج من التشتت والفرقة إلا بالعلم والمعرفة والاستفادة من التجارب التي وقعت في حياة الأمم والشعوب، وقد عرفت البشرية الآثار السيئة للتشتت والنزاعات والانقسامات، وقد أدرك العقلاء أن التعاون والتعايش بسلام واحترام هي أفضل السبل التي تعود بالخير على كل العباد والبلاد.

برأيكم … لماذا لم تنجح تجارب التقريب المذهبي السابقة؟

لقد بذلت هيئات التقريب السابقة جهوداً مشكورة ووضعت حجر الأساس لمسألة التقريب، وعلينا أن نواصل الطريق بما يتناسب مع عصرنا، وأن نقوم بالمزيد من الجهود وتحويلها إلى مؤسسة جامعة تعمل على التقارب ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال.

 ألا تعتقد أن الفرصة مواتية للتخلي عن النرجسية الطائفية التي سرقت منا قرون ؟

لا شك بأن الظروف المعاصرة تطرح المزيد من العمل على نبذ الطائفية والتعصب، وتفرض علينا البحث عن الكثير من المشتركات الدينية والإنسانية والتمسك بها والدعوة إليها، وما شهده العالم الإسلامي في زمننا من صراعات داخلية وفتن وحروب في أكثر من مكان، يبعث في نفوسنا الأسى والحزن والحسرة على أمة يطلب منها أن تكون رائدة في حمل رسالة المبادئ والقيم التي تساهم مع الأمم الأخرى في صنع السلام والحضارة في العالم.

ولا شك بأن غياب العلاقات الأخوية بين دول عربية وإسلامية ساعد على إذكاء تلك الخلافات، وولادة تلك الجماعات المتطرفة التي تعمل على تشويه صورة الإسلام، وما هو الذي يمنع تلك الدول من العمل على إيجاد أحسن العلاقات فيما بينها على غرار العلاقات القائمة بين دول الاتحاد الأوروبي الذي أنهى كل الصراعات بين دوله وشعوبه؟!، وما الذي يمنع هذه الدول العربية والإسلامية من العمل على إيجاد اتحاد فيما بينها يبعد تلك الصراعات ويعزز الروابط ويزيل الاختلافات التي تطفئ النيران المشتعلة التي يستغلها الطامعون بتفكيك الأمة وإضعافها؟!، ويتعزز لدينا الأمل بحصول التقارب بين دولنا وشعوبنا من خلال هذه المؤتمرات واللقاءات التي تسير بنا على طريق التآخي والتعاون، كما في قوله تعالى” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ” الآية (2) سورة المائدة، ولا شك بأن السعي إلى ما يبعد عن أمتنا الفرقة والشحناء هو من أهم موارد البرّ والتّقوى.

التعصب الديني ليس مبررا للتشتت، ألم يحن بعد زمن القواسم المشتركة ؟

التعصب صفة مذمومة في الإنسان، وقد رفضتها الشرائع السماوية والأخلاق الإنسانية، وقد جاء في النصوص الدينية النهي عنها، وفيها إذا كان لا بد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الأخلاق ومحامد الأفعال، وأن العصبية التي يأثم عليها صاحبها هي أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وأنه ليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم.

الشيعة والسنة ثنائية ود وليس ثنائية صراع، لماذا تتفوق الثانية دائما؟ 

ولماذا لا تجتمع اليوم الأمة الاسلامية على تلك المبادئ الّتي جمعتهم في الماضي؟

لا شك بأن الثنائية بين السنّة والشيعة هي ثنائية الأخوة، كما جاء في قول الله تعالى ” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ” الآية (10) سورة الحجرات، والسبب في ظهور ثنائية الصراع أحياناً يعود إلى السياسة التي يحاول أصحابها أن يستغلوا الخلافات الطبيعية بين المذاهب في مشاريع التفوق من أجل السلطة والحكم.

مآسي غزة وغيرها يتحملها انشقاقنا ودخولنا في الحساسية الطائفية، هل مازال نقبل بجسامة التكلفة تحت مبررات فئوية ؟

المآسي التي وقعت في غزة وفي غيرها تدمي القلوب، وهي تكشف عن همجية الإنسان في الحروب التي تتسبب بها أطماعه التي تخرجه عن أطوار الإنسانية، والمطلوب أن يسعى العقلاء في العالم إلى إيقاف هذه الحروب وإنهائها، والعمل على تحقيق السلام للشعوب في أوطانها، ولا يمكن أن يتحقق السلام بدون العدالة التي تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه في إقامة دولته التي يختارها على أرضه بما فيها القدس التي احتلتها إسرائيل في عدوان حزيران ١٩٦٧.