الخميس , ديسمبر 14 2017
عناوين
الرئيسية / رمضانيات / حديث رمضان – العلاّمة السيد علي الأمين – شهر رمضان مدرسة وأهداف

حديث رمضان – العلاّمة السيد علي الأمين – شهر رمضان مدرسة وأهداف

 

حديث رمضان 

العلاّمة السيد علي الأمين

شهر رمضان مدرسة وأهداف

يعتبر شهر رمضان المبارك محطة سنوية لتطهير النفس وشحذ العزيمة وتقوية الإرادة وتربية الإنسان على الأخلاق الفاضلة وإضعاف نوازع الشر الموجودة فيه وإظهار عوامل الخير الكامنة في نفسه وتغليب النزعة الاجتماعية المتفاعلة مع الآخرين والمتحسسة لآلامهم وحاجاتهم على نزعة التفرد والاستئثار، لأن الصائم هو الذي صام لسانه عن الشر وامتنعت جوارحه عن المعاصي ليستخدمها في إصلاح نفسه وصلاح مجتمعه، وهذه الأمور من التقوى التي جعلها الله ثمرة للصيام كما جاء في قوله تعالى عن الصوم: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
فلم تكن كتابة الصيام للامتناع عن الطعام والشراب، بل كانت لأجل الحصول على التقوى وهي أم الفضائل ومجمعها.
فالتقيُّ لا يكذب وكذلك الصائم، والتقي لا يخون وكذلك يجب أن يكون الصائم والتقي هو الذي لا يغش ولا يخدع ولا يفعل الشر، والتقي هو الذي يتحلى بالسلوك المستقيم، وهو الذي يعدل في حكمه ومعاملاته، وهو الذي ينصف الآخرين، وهكذا يجب أن يكون الصائم.
وما الامتناع عن الطعام والشراب وبعض الشّهوات والرّغبات، إلا محاولة لتدريب الإنسان على أن يصل إلى تلك الأخلاق الفاضلة التي تشكل دعامات المجتمع الصالح والسعيد، وهكذا نعرف أن الصوم مدرسة تعلم الفرد الصبر الجميل والإرادة القوية والأخلاق الفاضلة التي تساعد على تحقيق أهداف الخير للفرد والجماعة.
وهذه الغايات النبيلة والشريفة يساهم شهر رمضان في إيجادها من خلال تهذيب النفس ووقايتها من حالات الضعف والسقوط أمام المغريات، وهذا يؤهل الإنسان للقيام بدوره خارج إطار ذاته في المجتمع الذي ينتمي إليه والذي لا يكتمل بناؤه إلا بتضافر الإرادات الخيرة التي يحملها أبناؤه. فعندما ينتصر الفرد والأفراد على ذواتهم وعلى أنانياتهم، يكون بإمكانهم أن يحققوا الانتصار في معركة بناء المجتمع الصالح الذي يتكافل أبناؤه بعضهم مع البعض الآخر.

المآدب الرمضانية 

ومن خلال الحكمة التي يهدف إليها تشريع الصوم في شهر رمضان المبارك، يتبيّن لنا وينكشف، أنه ليس شهر التنافس على الطيبات ليلاً، بعد الامتناع عنها نهاراً.
وإذا كانت القاعدة العامة في الشريعة التي تحكم الطعام والشراب هي قوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين)، فإن تطبيقها في هذا الشهر يكون أكثر تأكيداً من بقية الأشهر لأنه الشهر الذي تتضاعف فيه الطاعات في أجرها وثوابها والسيئات في جرمها وعقابها.
وقد ورد في بعض الأخبار أن الإمام عليّاً عليه السلام قد أفطر عند إحدى بناته فجاءت له بصنفين من الطعام فطلب منها أن ترفع أحدهما وقال لها: أتريدين أن يطول وقوف أبيك بين يدي الله تعالى.
وإذا رجعنا إلى سيرة المسلمين في الصدر الأول من الإسلام وعلى عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، نجد أن شهر رمضان ما كان له عندهم برنامج غذائي مخصوص، بل كان دون بقية الأيام والأشهر في المسألة الغذائية، وكانوا يعتبرونه شهراً يحصلون فيه على الغذاء الروحي الذي يساعدهم على تحقيق الأهداف الكبرى لدينهم وأمتهم، ولذا تحققت في هذا الشهر المبارك جملة من الانتصارات خارج إطار الذّات عادت بالخير على المجتمع عموماً.
ففي شهر رمضان، تحقق الانتصار في معركة بدر الكبرى، وتحقق فتح مكة وتحرير أهلها من الظلم والعدوان. وهذا يكشف عن أن المسلمين الأوائل فهموا الصوم على أنه مدرسة لمجاهدة النفس وإعدادها للجهاد الأكبر في سبيل الدين والإنسانية المعذبة والمقهورة.
ومن هنا فإننا نرى أن الكثير من الأمور التي تجري في أيامنا تحت شعار (رمضان كريم) من المآدب والاحتفالات تتناقض مع الجوهر المطلوب من تشريع الصوم.
وقد تحول هذا الشهر بفعل تلك الاحتفالات، إلى شهر الراحة والطرب، وإلى شهر المآكل والمآدب التي يُبعد عنها الفقراء الصائمون، ويدعى إليها الأغنياء المفطرون، لأنهم للأموال يدفعون!
وبدلاً من كونه شهر التضامن والتكافل مع الفقراء، وشهر توزيع الحقوق والمساعدات عليهم، أصبح شهر جمع الأموال باسمهم ومن دون وكالة منهم! وحولوه إلى شهر للملاهي والأغاني كالخيم الرمضانية، التي كانت في الزمن السابق لتعليم القرآن وتدريس الأحكام. وفي كل هذه الأمور وأشباهها كالحزازير والفوازير، ابتعاد كلي عن الأهداف المقدسة من الصوم، وأرى في ذلك محاولة عن قصد أو غير قصد لتجويف شهر رمضان وتفريغه من محتواه الحقيقي وإبعاد المسلمين عن المدرسة السنوية الهادفة إلى توحيدهم وتقوية إيمانهم وتسليحهم بالوعي الذي يشدهم إلى تاريخهم المجيد المليء بمواقف العزة والكرامة.

عيد الفطر المبارك والإحتفالات 

ومن جملة المظاهر التي تشوه معاني الشهر المبارك ما يسمى بحفلات عيد الفطر مع أن هذا اليوم قد جعله الله يوم شكر وتكبير على ما وفقنا إليه من الطاعات فيه،كما قال: (ولتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون)، هو يوم احتفال بإنجاز الواجب لمواصلة الدرب على طريق الطاعة والخير، وهو فرصة لمن أتم صيامه وخرج من هذا الشهر كيوم ولدته أمه طاهرا من الذنوب، ليستأنف مسيرة العمل الصالح. وقد قيل: (ليس العيد لمن لبس الجديد ولكن العيد لمن أمن نار الوعيد)، هو يوم زكاة الأبدان الذي يتواصل فيه مع الفقراء فتؤدى إليهم زكاة الفطرة التي تدفع عن صاحبها البلاء وتطفئ غضب الرب.

تحديد الهلال والسبق الإعلامي

لقد أخذت مسألة البحث عن رؤية الهلال في السّنوات الأخيرة بالخروج عن دائرة النّقاش الفقهي النّظري المعتاد بين الفقهاء،ودخلت في مجالات السبق الإعلامي،وقد بدأ هذا التوجّه بالانعكاس السّلبي على بعض الجوانب المهمّة والعمليّة من حياة المسلمين تتجاوز آثار الخلاف الفقهي فيها على بداية شهر رمضان وعيد الفطر المبارك، إلى الخلاف على مسألة أكثر أهميةً وارتباطاً بجماعاتهم، وهي مسألة الحجّ الذي يجتمع فيه المسلمون من كلّ الأقطار في مكان واحد لأداء عبادة الحجّ الّتي تتجلّى فيها مظاهر الوحدة والجماعة كالوقوف في عرفات يوم التاسع من شهر ذي الحجّة وما يتبعه من المناسك في وادي منى وعيد الأضحى في اليوم العاشر منه·
وقد وصل الاختلاف في التوقيت، إلى حدّ تشكيك بعض المسلمين بصحّة عبادة الحجّ،ويعود السّبب في ذلك إلى تعدّد الجهات والمرجعيّات الّتي تتصدّى لتحديد أوائل الشّهور القمريّة وإلى اعتماد بعضهم على آليّات جديدة في التّحديد مستبقاً دعوى الرؤية الشّرعيّة ورأي الهيئة المشرفة على شؤون الحجّ والّتي كان الأمر موكولاً إليها منذ القدم تنظيماً للأمر ومنعاً للاختلاف وتعزيزاً لروح الوحدة والائتلاف بين الحجيج خصوصاً وبين المسلمين عموماً، فلا يصحّ أن تأتي كلّ جماعة من الحجيج من بلدها ومعها موعد للحج يختلف عن موعد جماعة أخرى قادمة من بلد آخر وعلى هذا كانت سيرة السّلف الصالح في كلّ العهود الماضية·

الحسابات الفلكية

ومن الآليات الجديدة التي يعتمدها بعض من المعاصرين خلافاً للمشهور بين الفقهاء هي اعتماده على آراء علماء الفلك وحساباتهم الّتي ينتج عنها إلغاء الاعتماد على الرؤية البشريّة لأن الحسابات الفلكيّة تكون نتائجها سابقة على الرؤية البشريّة في أغلب الأحيان، ولذلك بدأ هذا البعض يعلن عن بداية الشهور القمريّة قبل أسبوع أو أكثر من الموعد الشّرعي لالتماس الهلال ممّا يؤدّي إلى وقوع الخلاف المسبق مع دعاوى الرؤية المتأخرة وإلى التشكيك في مواعيد عبادة الحج·
ومن عجائب الأمور، أنّ بعضهم يمارس عملاً غير معقول من هذه الناحية، حيث يفتي لأتباعه بالوقوف مع المسلمين في عرفات في يومٍ واحد، مع إظهار اختلافه المسبق حول موعد الوقوف وعيد الأضحى، اعتماداً على الحسابات الفلكيّة السّابقة، الّتي يعتبرها مقدَّمةً على الرؤية الشرعية عند وقوع المعارضة بينهما.
وتأكيداً على إشاعة اجواء الشكّ والاختلاف بين الحجّاج وعموم المسلمين، يقوم هذا البعض بأداء صلاة عيد الأضحى في بلده بعد انتهاء عيد الحجاج بيوم أو يومين، وقد يكون ذلك بعد ثلاثة أيام أحياناً!! حسب اختلاف دعاوى الرؤية مع حسابات الفلك·
ووجه العجب والغرابة في هذا العمل، يبدو في الجمع بين النقائض والأضداد!فكيف نحافظ على مظهر الوحدة والاتفاق بين المسلمين على ركن واجب من أركان الاسلام، و هو الحج، وفي نفس الوقت، نظهر الاختلاف بين المسلمين على أمر غير واجب يجوز تركه، كصلاة العيد،التي يفتي نفس هؤلاء بعدم وجوبها!!.
ثمّ ،ماهي الفائدة من التّصدّي لتعيين موعد تلك المناسبة الدينية، مع إفتائه بالوقوف مع المسلمين في يوم واحدٍ، ومع وجود الهيئة الناظمة لشؤون الحج، والّتي يكون عمل الحجّاج حسب مواعيدها
ويبقى الحديث عن هلال شهر رمضان وشهر شوال الذي يكون عيد الفطر في يومه الأول.
 ولا شك أن الاختلاف الذي يحصل في تحديد أول شهر رمضان وتحديد يوم عيد الفطر هو من المظاهر التي ينبغي التخلص منها لأنه من مظاهر الانقسام ويؤدي إلى وقوع الصائمين في الحرج. ويجب أن ننظر إلى مسألة توحيد يوم الصوم ويوم العيد من زاوية التكليف الإلهي الخالي من الحرج والتعقيد لأن الله سبحانه وتعالى يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر والحرج والمشقة كما في قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وفي الحديث: (يسّروا ولا تعسّروا).

مرجعية واحدة لتعيين المناسبات الدينية

ولا شك في أن الوصول إلى يوم موحد فيه الكثير من اليسر الذي يتناسب مع أهداف الشرع المبين ولعل الكثير من أسباب الخلاف في أوجه تحديد الهلال ناشئ عن النظر إليه من زاوية من يكون مرجعاً للناس في تحديد الصوم وتحديد الفطر حتى يكون مرجعاً للناس فيما عدا ذلك من الأمور الدّينيّة والسياسيّة!. وبالإمكان أن تُقلص دائرة الخلاف إلى درجة الزوال، من خلال تشكيل غرفة موحدة لاستكشاف هلال شهر رمضان الذي يحدّد بداية الصوم وهلال شهر شوال الذي يحدد يوم عيد الفطر وسائر المناسبات الدينيّة التي تهمّ المسلمين كمناسك الحج، ويتواجد في غرفة العمليات هذه ممثلون لمختلف الجهات الدينية المعنية بالأمر، ويمكن تزويدها بوسائل الاتصال بمختلف البلدان وبالآلات الحديثة التي يمكن بواسطتها تحديد مكان الهلال ورؤيته وليكن موقعها في مكّة المكرّمة قبلة المسلمين وبذلك نخرج من دائرة الخلاف ونصل إلى يوم موحد لهذه المناسبات المباركة ذات الآثار الشرعية المهمة.
ولست أدري كيف يكون الاتّفاق على ذلك أمراً عسيراً على أولي الأمر في ظاهرة كونية محسوسة في الوقت الذي نسعى فيه إلى الاتحاد والاتفاق على كثير من القضايا غير المحسوسة والتي تتضارب فيها الكثير من المصالح وتختلف فيها الآراء!
وقد ورد عن الإمام علي في ذم الاختلاف ما معناه (هل أمركم الله بالوحدة فعصيتموه أم أمركم بالفرقة فأطعتموه!). اللهمّ اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

شاهد أيضاً

رأي الفلكي في تحديد ولادة الهلال وتقليد الميّت

رأي الفلكي في تحديد ولادة الهلال وتقليد الميّت   سؤال ورد إلى مكتب العلامة السيد …