الخميس , نوفمبر 22 2018
الرئيسية / رأي وقلم / كوة في جدار الاستبداد – بقلم د. سعود المولى

كوة في جدار الاستبداد – بقلم د. سعود المولى

كوة في جدار الاستبداد

بقلم د. سعود المولى
 
من عمق أعماق الحوزات الدينية في النجف وصور، يأتينا كلام العلامة المجتهد السيد علي الأمين ليفتح كوة في جدار الاستبداد المتلبس لبوس الدين والشرع. من مدرسة الامام علي ونهج البلاغة، إلى سيرة المجدد المرحوم الميرزا النائيني، بطل ( ثورة فرض الدستور في إيران 1905)، يمسك السيد علي بالكلام الجامع المانع، ويجهد مجتهداً لتأصيله في الفقه ولتوطينه في وعينا العام والخاص. وهذا، والحق، جهاد جبّار تهتز له الجبال نظراً لما تعيشه بلادنا من خوف وتهديد، ومن جهل وتجهيل، ومن استعمار واستحمار. صرخة السيد علي الأمين تحمل معها دعوة العدل والاعتدال، سيراً على نهج الأئمة الميامين: "أولسنا على الحق…إذن لا نبالي، وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا".
ليست عملية التأصيل الفقهي لضرورة قيام الدولة المدنية وشرعيتها، ولوجوب العمل فيها وإدخال الإصلاحات المانعة من الظلم والاستبداد، بالأمر الجديد في تاريخ الفقه السياسي الشيعي…فقد درج فقهاء وعلماء الشيعة، (الفقهاء والعلماء وليس معممو هذا الزمان)، في دراساتهم الحوزوية، (في النجف الشرف)، على التعرض للموضوع في كل أبحاثهم ومطالعاتهم وحواراتهم، اعتماداً على نصوص الإمام علي وعلى ممارسته الفعلية للسياسة في عصره. والسيد علي الأمين يعيدنا في المقالات المجموعة ضمن دفتي هذا الكتيب إلى الأصل، إلى النبع العذب من كلام سيد البلاغة أمير المؤمنين، حين واجه خوارج زمانه بقوله الشهير: "لا حكم إلا لله، كلمة حق يراد بها باطل. نعم لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله. ولكن لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح برُّ ويستراح من فاجر…".
 
يعيد السيد علي التأكيد على أن الأصل في في الفقه السياسي الشيعي أنه لا ولاية لأحد على أحد إلا من خلال تعاقد ينشأ عن التوافق والتراضي بين الأفراد والجماعات، على صيغة من صيغ الحكم والإدارة. وهذا الأصل الأولي يدحض لوحده ما شاع في العقود الأخيرة من نظريات حول ولاية الفقيه، أو الولاية السياسية العامة للفقيه. يؤكد السيد الأمين، على خطى أساتذة الفقه الكبار من الشيخ الأنصاري إلى الميرزا النائيني، ومن السيد موسى الصدر إلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، أن المقصود بالولاية في زمن غيبة المعصوم (النبي أو الامام) هو ولاية الحاكم (والحاكم بمصطلح الفقه هو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى) على من لا ولاية له، وليس الحاكمية السياسية. فالولاية السياسية هي ولاية التصرف في الدماء والأموال، وهذه من صلاحيات المعصوم أو المأذون من قبله فلا ثبوت للولاية العامة للفقيه. وبذا فإن الفقيه الشيعي قد أسس لقيام الدولة المدنية والسلطة المسؤولة على أصلين اثنين (بحسب النائيني): الحرية والمساواة، أي أن السلطة السياسية شأن بشري ( قول الرسول: أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وقول الإمام علي "لا بد من أمير بر أو فاجر…"). والسلطة السياسية تكتسب شرعيتها من كونها ضرورية الوجود بنظر العقل والعقلاء، ومن ابتعادها عن الاستبداد وقيامها بحفظ حقوق العباد (الحرية والمساواة بحسب الميرزا النائيني، والديمقراطية بحسب محمد مهدي شمس الدين وعلي الأمين).
 
وبعد التأصيل الفقهي المسهب لنظرية الدولة المدنية أو ولاية الأمة على نفسها، ينطلق السيد علي الأمين في مراجعة نقدية للواقع الشيعي الراهن، وللموهومات والاستيهامات الإيديولوجية التي تخترق العقل الشيعي فتوهن الروح والوجدان وتجعل المرء في حالة ارتباك واضطراب (على قلق كأن الريح تحته). فيبدأ السيد علي بتفكيك الأطروحات والنظريات التي طفت على السطح والتي ليس لها ارتباط بعالم الواقع… وكل ذلك لإعادة الإنسان الشيعي إلى سواء السبيل وإلى السوية الواقعية. وأولى المسائل التي يطرحها السيد في هذا السياق مسألة أن روابط الأديان لا تقوم على حساب الأوطان. فالانتماء إلى وطن وإلى قوم سابق على الدين… لعمري إن في هذا الكلام ما يستحق كتاباً قائماً بذاته، إذ لم يتسع المقام للسيد في هذه العجالة، فتركنا على نهم من غير شبع ولا إرتواء…على رجاء العودة إلى التفصيل في مقبل الأيام.
 
المسألة الثانية التي يطرحها السيد هنا مسألة حيرة الشيعة بين الديمقراطية العددية والأقلية الدينية. فمن جهاد العلماء والفقهاء على مر الزمن لإثبات إنتماء الشيعة إلى أوطانهم وأقوامهم وعدم تميّزهم عن مجتمعاتهم، إلى الدعوات المتكررة في وصايا الشيخ محمد مهدي شمس الدين لإندماج الشيعة إندماجاً كاملاً في بلدانهم وكياناتهم الوطنية، يستعيد السيد علي الأمين ذلك النقاش الذي دار في الثمانينيات من القرن العشرين حول مقولة الديمقراطية العددية، والتي رأى فيها اللبنانيون، (عن حق)، دعوة إلى سيطرة الطائفة الأكثر عدداً على شؤون الحكم في البلاد. وبالمقابل يدعو السيد الأمين إلى عدم الشعور أو التصرف بمنطق الأقلية الطائفية أو الدينية، الخائفة القلقة وسط بحر معاد لها…فكلا المنطقين، (الأكثرية العددية والأقلية الدينية)، لا يوصلان الشيعة إلى بر الأمان الذي يجده السيد الأمين في الدولة المدنية العادلة المتوازنة: حرية وعدالة وكرامة ومساواة للجميع وبين الجميع.
 
وفي الأخير يتعرض السيد لقضية بالغة الخطورة في الفكر الشيعي جعل لها عنوان: ترك نظرية الأوْلى (أي نظرية أولوية الإمام علي بالحكم). فهو يدعو إلى ترك هذه النظرية لأن أولوية علي بالحكم شيء وأولوية الشيعي بالحكم شيء آخر، لا علاقة لإحداهما بالأخرى. "فالشيعي وغيره في مسألة الحكم على حد سواء، فهما من عائلة واحدة ومن وطن واحد، والشرعية يستمدها الحاكم من تجسيده للعدالة في البلاد والعباد وليس من خلال انتمائه المذهبي أو الديني".
 
وبعد، فهذا كتاب* للعقل والروح، يعيد وصل ما نقطع في وعينا الثقافي الخصوصي وفي وعينا الوطني العام، يستكمل إنجازات الروح والعقل لأئمة أهل البيت ومن سار على طريقهم، ويؤسس للمشاركة المدنية المسؤولة في حياتنا الوطنية اليوم. نعم المشاركة المدنية المسؤولة على قاعدة الحق والعدل وعلى أصلي الحرية والمساواة ضمن الكيان الوطن النهائي.
 
*كتاب ولاية الدولة ودولة الفقيه: الشيعة وتحديات المواطنة