الإثنين , يوليو 22 2019
الرئيسية / متفرقات / من ثمارهم تعرفونهم

من ثمارهم تعرفونهم

من ثمارهم تعرفونهم

العلاّمة السيد علي الأمين


جريدة اللواء – الخميس,1 آذار 2012 الموافق ٨ ربيع الآخر ١٤٣٣

عندما يكون الحديث عن العظماء والكبار تأخذك الرهبة وتتملّكك الهيبة، تتراكم في ذهنك الصّور وتحتشد لديك الأفكار وتستعصي عليك الألفاظ رغم كثرتها فلا تجدها وافية بأصحاب المقامات الكبيرة. ويزداد الأمر عليك صعوبة عند انتقاء مفردات الكلام خصوصاً في حضرة صاحب المقام الذي يستحقُ منا كل الإكبار والإجلال. هذا مضافاً إلى كون كلمات المناسبة محدودة وبالدقائق معدودة !. وعلى كل حال فإن الميسور لا يسقط بالمعسور والمتيسر لا يرتفع بالمتعذر فلا يبقى سوى الإختصار مشفوعاً بتقديم الإعتذار (والعذر عند كرام الناس مقبولُ).

 

فنقول هناك الكثير من الرجال في حياتنا من الذين تصنعهم المناصب، فإذا هم ذهبت مناصبهم ذهبوا!. وهناك رجال تزدان بهم المناصب وهم الذين يصنعون لها قدرها ومكانتها بصدق مواقفهم وشجاعة آرائهم وثاقب أفكارهم ،وسمو ذواتهم، فمثل هؤلاء تبقى في القلوب مناصبهم موجودة وتبقى في العقول مكانتهم محفوظة ،تتعلق بهم النفوس وتشرئبُ إليهم الأعناق وتشخص إليهم الأبصار مستضيئةً بأنوارهم مسترشدةً بأفكارهم وآرائهم في كلِّ حال.

وماذا عسانا أن نقول عن صاحب الغبطة البطريرك صفير- طال بقاؤه – المرجع الوطني والروحي ورجل الكنيسة الذي استحق بجدارة احترام الناس وتقديرهم حتى من أولئك الذين اختلفوا معه في الرَّأي .وهو الذي لا تزال عطاءاته متجددة ولا تزال رعايته مستمرة للمؤمنين بنهجه الوطني ، يشد أزرهم ويمنحهم بركة الأخيار وعزيمة الإستمرار. وقد تميّز بسيرة غنية بالوضوح والثبات الذي ليس معه غموض في الآراء ولا تبديل في المواقف، وبصلابة المؤمن المعتمد على قوة الحجة حيث لا تراجع عنها ولا مجاملة عنده في ثوابت الوطن الواحد والدولة الواحدة والعيش المشترك القائم على المحبة والإنصاف والانفتاح والتسامح وقد امتاز في التعبير عن تلك الثوابت والتمسك بها ببساطة الأسلوب الخالية من التكلف والتعقيد التي لا حاجة معها إلى المراجعة والتردد والتأويل.
وقد غدا بذلك مدرسة لكل الطامحين من أبناء وطنه لبناء لبنان على أسس من العدالة والحرية وكرامة الإنسان.

وفي المناسبة نستحضر كلاماً للسيد المسيح عليه السلام جاء فيه( من ثمارهم تعرفونهم ،هل يجنى من الشوك عنب ،أو من العليق تين؟ هكذا كل شجرة جيدة تثمر ثمراً جيداً). وفي القرآن الكريم (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها).

ونحن من هذا الميزان الديني الذي أعطى الإنسان وسيلةً لمعرفة الإشخاص بآثارهم وأفعالهم فهي التي تكشف لنا عن أحجامهم وأقدارهم عرفناك يا صاحب الغبطة، من ثمارك الجيدة شجرةً طيبة ضاربةً جذورها في أعماق الوطن تظلّله بظلالك الوارفة حرصاً عليه وحفظاً له من التمزق والتشرذم وضياع الهوية والإستقلال فكنت له العين السّاهرة والقلب الممتلىء إخلاصاً ومحبةً لشعبك وذلك ما حكت عنه مواقفك وكلماتك في الأزمنة الصعبة التي كثر فيها الصامتون ! نطقت بالكلمة التي رأيتها صواباً واتخذت الموقف الذي رأيته صلاحاً ولم تخش لومة لائم فزرعت في نفوس اللبنانيين الأمل والرجاء، وبددت عنهم الخوف واليأس والإحباط.

تلك المعاني والعناوين الأساسية لرؤيتك الوطنية في الحفاظ على سيادة لبنان واستقلاله وبناء دولة المؤسسات والقانون استقاها اللبنانيون من بحرك الواسع ومعينك الذي لا ينضب، عليها يبقون يواصلون الدرب والمسيرة برعايتك وتحت رايتك فأنت لا زلت لهم وفيهم رمز الكفاح وشعلة المصباح.
وميزان (من ثمارهم تعرفونهم) هو من تلك الأمثال الدروس التي تختزن الحكمة متجاوزة في مقاصدها وأغراضها المعرفة المجردة لترسم للإنسان منهجاً للعمل ومبادىء للسلوك وفاقاً لتلك المعرفة وهي بذلك تحمل الإنسان العارف ليس مسؤولية الشهادة بالفضل والمقدار فحسب بل تحمله المسؤولية في مجالات التأييد والتنديد والإقتداء والإختيار إنطلاقاً من معرفة الثمار. وإذا كان هذا هو الميزان الذي عرفنا من خلاله صاحب الغبطة فهو نفس الميزان الذي يجب أن نعرف من خلاله كل المسؤولين في عالم الدنيا والدين وأن يكون حاضراً في عقولنا عند أي استحقاق حرٍّ لاختيار القيادات السياسية والروحية والممثلين للشعب ليصبح ميزان (من ثمارهم تعرفونهم) قاعدة ننطلق منها للمكافأة والمحاسبة في صناديق الإقتراع وسائر مواقع المسؤولية.

ومن خلال هذا الميزان الذي يحملنا المسؤولية الدينية والأخلاقية نعرف ما يجب علينا اتخاذه من مواقف حيال الأحداث التي تدور حولنا خصوصاً ما يجري على أرض سوريا الشقيقة من المآسي التي يهتز لها الوجدان، فليس باستطاعتنا ونحن نسمع صراخ المظلومين وأصوات المعذبين المقهورين أن نكون في عداد الصامتين! وليس باستطاعتنا ونحن نرى الصور المروعة للقتلى والأشلاء الممزقة أن نكون من الساكتين ! وكيف لا نكون عن سفك الدماء من الناهين والمستنكرين!
وكيف لا نكون لمطالب الشعب بالإصلاح والعدل والحرية من المؤيدين!. فإن الايمان بهذه القيم والمبادئ الإنسانية يسري في كل الشعوب والأوطان فمن يرفض وقوع الظلم على شعبه لا يقبله للآخرين، ومن يطلب العدالة والحرية وحقوق الانسان في وطنه لا يرفض تلك المبادئ للمطالبين بها في أوطانهم.

وتأخذك الدهشة والاستغراب وينتابك العجب العُجاب وأنت تستمع إلى كبار المسؤولين في السلطة اللبنانية وهم يتحدثون عن لبنان الرسالة وعن لبنان الحياد!. ناسين أن كلمة الحق هي من مقومات الرسالة بل عنوانها وجوهرها !. وناسين أو متناسين أن سياسة الحياد المطلوبة منهم في لبنان هي العمل على عدم إدخاله في محاور الصراعات الدولية والإقليمية وليس المقصود به الحياد عن منظومة القيم والمبادئ الأخلاقية وحقوق الإنسان التي جاءت بها الشرائع والأديان وأقرتها جميع الدول والبلدان!.



* من كلمة ألقيت في تكريم البطريرك صفير