وحدة الأمة كمقصد أساسي سادس في الشريعة الإسلامية: رؤية العلامة السيد علي الأمين
– الجزاء الأول – ١ – #جنوبية
كتب: السيد احمد النجفي
تُعد مقاصد الشريعة الإسلامية من أهم الأسس التي قام عليها الاجتهاد الفقهي الإسلامي، حيث حدد العلماء عبر التاريخ خمسة مقاصد رئيسية هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل.
وقد شهد الفكر الإسلامي تحولات جوهرية في مقارباته الفقهية والفكرية، وخاصة فيما يتعلق بهذه المقاصد ولكن العلامة السيد علي الأمين، الفقيه الإسلامي البارز، قدّم اجتهاداً لافتاً بإضافته “وحدة الأمة” كمقصد شرعي أساسي سادس، انطلاقاً من بحوثه ودروسه الفقهية ورؤيته الإصلاحية حيث رأى ضرورة ذلك بناء على رؤيته الإجتهادية، استنادًا إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وسياقات التشريع الإسلامي وتجاربه عبر العقود من الزمن.
لقد طرح العلامة السيد علي الأمين هذا المفهوم في حوارات عدة وفي سلوكه العملي وخطاباته على مدى العقود الماضية وضمنه في كتابيه “السنة والشيعة أمة واحدة: إسلام واحد واجتهادات متعددة” (2010) و “زبدة التفكير في رفض السب والتكفير” (2009)، وعاد ليؤكده في كلمته في مؤتمر الحوار الإسلامي الإسلامي (أمة واحدة ومصير مشترك) عام 2025، في مملكة البحرين) وقبلها في مؤتمر ( بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية، مكة المكرمة، 2024 ) مؤكدًا أن مقصد وحدة الأمة يعد ركيزة أساسية لضمان تحقيق بقية مقاصد الشريعة وحفظ تماسك المجتمعات الإسلامية.
الأسس الشرعية لمقصد وحدة الأمة
يرى العلامة السيد علي الأمين أن القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة العملية إلى جانب الاستقراء الفقهي والتاريخي شدّدت إلى اعتماد وحدة الأمة كمقصد سادس وأساسي بالضرورة، وأن الفرقة والتنازع بين المسلمين ليسا فقط من مظاهر الانحراف الديني، بل يشكلان تهديدًا جوهريًا لأصل الدين نفسه والمجتمعات الوطنية والدول والانتظام. يقول الله تعالى:
• “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا” (آل عمران: 103
• “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ” (الحجرات: 10
• “ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات” (آل عمران:105
هذا مثال صغير والمتتبع يقع على صيد كثير في هذا المجال.
ويؤكد العلاّمة السيد علي الأمين على أن وحدة الأمة ليست مجرد خيار أخلاقي، بل هي أصل شرعي واجب التحقيق ما يجعلها مقصدًا أساسيًا للشريعة ويعتبر أن تعدد المدارس الفقهية ليس سببًا للفرقة، بل هو نتيجة طبيعية للاجتهاد، ويستشهد بمواقف الصحابة والأئمة الذين عاشوا في أجواء تعددية دون أن يؤدي ذلك إلى النزاعات والصراعات التي نشهدها اليوم. ولذلك، فإن الحفاظ على وحدة الأمة ينبغي أن يكون مقصدًا شرعيًا ملزمًا يُراعى في الاجتهادات الفقهية والأحكام الشرعية. ويدعو إلى التمسك بهذا المقصد الشريف قائلا في بطلان أي نقيض له فإنه بضدها تتميز الأشياء: (… ولذلك فإن المطلوب منا جميعاً أن نبتعد عن كل عوامل الفرقة والانقسام، وأن ندرك أن وحدة الأمة هي من مقاصد شريعتنا السمحاء. وبهذا المقصد الشريف يعرف شبابنا بطلان كل دعوة تريد جعلنا طوائف ومذاهب متناحرة تحت شعار الدين، فإن الدين هو داعية إلى الوحدة بيننا وليس داعية إلى الفرقة والفتنة) …
الاجتهاد ووحدة الأمة
في كتابه “السنة والشيعة أمة واحدة” أوضح العلاّمة السيد علي الأمين أن التعددية الفقهية أمر مشروع في الإسلام، وأن المذاهب الفقهية المختلفة لم تكن يومًا سببًا رئيسيًا للخلاف، بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في تسييس الدين وتوظيفه في الصراعات والنزاعات السياسية وليس في وجود اجتهادات محتلفة، ومن هنا، يدعو إلى نهج فقهي يعتمد على الفهم المقاصدي، حيث لا يتم التمسك بظاهر النصوص على حساب جوهر الدين، وهو ما أكده في قوله:
“إن روح الشريعة هي عبارة عن المقاصد والغايات التي يراد تحقيقها، وهو لا يكون بتشريعات مخالفة لها، فإن العاقل لا يعاكس أهدافه، فكيف بشريعة الله خالق العقل والعقلاء؟”
وهو بذلك يدعو إلى تجاوز الفقه الذي يرسخ الفرقة، ويرفض الأحكام التكفيرية التي تُقسّم المسلمين شيعًا وأحزابًا، ويؤكد أن الغاية من الشريعة ليست الحكم على الناس، بل إقامة العدل وتحقيق التعايش السلمي.
رفض التكفير والسب كأدوات تفريقية
في كتابه “زبدة التفكير في رفض السب والتكفير” الصادر سنة ٢٠٠٩ ، ناقش العلامة السيد علي الأمين كيف أدى التكفير المتبادل بين الفرق الإسلامية إلى شرخ عميق في جسد الأمة، مشددًا على ضرورة مراجعة هذه الظاهرة والعودة إلى جوهر الإسلام الذي يدعو إلى التسامح والتعايش و ضرورة إعلاء شأن الاجتهادات المتعددة التي لا تتناقض مع مقصد وحدة الأمة، حيث قال:
“التعددية الفقهية والمذهبية ليست سبباً للتفرقة، بل هي دليل على ثراء الفكر الإسلامي وتكامله، والاختلاف لا يعني التنازع، بل التكامل في ظل الإسلام الواحد.” وشكلت مواد هذا الكتاب مادة دسمة وزبدة مهمة تظهر من خلال الفهرست والقضايا التي ناقشها وفككها.
وحدة الأمة والأمة الواحدة
و”قد اتفق الدكتور الإمام أحمد الطيب ، شيخ الأزهر، مع العلاّمة السيد علي الأمين ، صاحب كتاب “السنة والشيعة أمة واحدة: إسلام واحد، واجتهادات متعددة”، كما قال سماحة الطيب في صحيفة الدستور( ١٤ تموز ٢٠١٥)، مع مجمل ما في كتابه من أفكار إيجابية تساعد على دفع مسيرة التفاهم بين السنة والشيعة .وقال الإمام الطيب حينها – في حديثه اليومي على القناة الفضائية المصرية: “نحن أبناء أمة واحدة، لكن – حسب تعبير السيد الأمين – بيننا اجتهادات مختلفة، لا تخرج أحدنا من الإسلام، ولذلك فإن هذا الكتاب المتميز يحتاج إلى قراءة متأنية من شباب السنة والشيعة حتى يعرفوا أن الخلاف الموجود بين المذهبين، والذي تسيل من أجله الدماء – لا مبرر له”.
فجوهر ما ذهب إليه العلاّمة الأمين في كتابه هو أن الإسلام دين يتسع للاجتهادات المتعددة، وأن التكفير يعارض النصوص القطعية الداعية إلى الوحدة وقد صدر كتابه في مرحلة التأزيم القصوى في المنطقة سعيا منه لإطفاء النائرة المذهبية وفقأ عين الفتن الطائفية في سبيل تخفيض التسييس والصراعات المذهبية المفتعلة والكثيرون يعلمون ونعلم وشهدنا ما ناله من أذى في سبيل ذلك.
التجربة التاريخية للمذاهب الإسلامية
يؤكد العلاّمة السيد علي الأمين أن تعدد المذاهب الفقهية لم يكن في بداياته سبباً للفرقة بين المسلمين، حيث كانت العلاقة بين أئمة المذاهب قائمة على الاحترام المتبادل والتواصل العلمي، كما كان الحال بين الإمام جعفر الصادق وأبي حنيفة ومالك وغيرهم.. ويقول سماحته: (إن الاختلاف بين العلماء في الرأي لم يصنع الخلاف بين أصحاب الرأي وأتباعهم، بل الذي صنع الخلاف هي استغلال هذه التعددية الفقهية في مشاريع السياسة وطموحات السلطة ). وعليه، فإن أي دعوة تعزز الفرقة بين المسلمين تخالف مقصد الشريعة في وحدة الأمة.
الاجتهاد المقاصدي : مقصد وحدة الأمة شرط أساس لتحقق باقي الشروط المقاصدية
يرى العلامة السيد علي الأمين أن مقاصد الشريعة ليست أمورًا جامدة، بل هي قائمة على استقراء أحكام الإسلام ومقاصده العامة، . فكما حدد العلماء المقاصد الخمسة الأساسية بناءً على استقراء التشريعات الإسلامي، فإنه بالاستقراء التاريخي وأوضاعه والشرعي ونصوصه والسياسي وأحواله،” يمكننا أن نرى أن الحفاظ على وحدة الأمة لا يقل أهمية عن بقية المقاصد الخمسة الأخرى، بل قد يكون شرطًا ضروريًا لتحقيقها وأساسا لحفظها جميعًا”.
فإذا كانت الفرقة والتنازع يؤديان إلى سفك الدماء وتهديد الدين والعقل والمال والنسل، فإن الوحدة تصبح ضرورة شرعية لحماية هذه المقاصد.
انعكاسات إدراج “وحدة الأمة” كمقصد شرعي
إن إدراج وحدة الأمة ضمن مقاصد الشريعة، كما اقترح العلامة السيد علي الأمين،,واعتباره جزءا من الفقه الإسلامي وليس مجرد شعار سياسي سيكون له تأثير وانعكاسات عميقة على الفكر الإسلامي والممارسة الدينية والسياسية والفقهية وعلى العلماء والمراجع والمجتهدين في استنباطاتهم، ومن ذلك:
• إعادة النظر في الخطابات التكفيرية: إذا كانت وحدة الأمة مقصدًا شرعيًا، فإن تكفير المسلمين بناءً على اختلافاتهم الاجتهادية يصبح مخالفًا لهذا المقصد، مما يستلزم مراجعة الأحكام التكفيرية.
• مراجعة الأحكام والاجتهادات والفتاوى و الممارسات التي أدت وتؤدي إلى الفرقة والتفرقة
• الحد من النزاعات الطائفية والفتن المذهبية، خاصة في المجتمعات التي تعاني من الانقسامات الدينية والسياسية
• تحقيق السلم الاجتماعي داخل المجتمعات المتعددة: التنازع والتفرقة أديا عبر التاريخ إلى نزاعات دموية بين المسلمين، وإدراك وحدة الأمة كمقصد شرعي يساعد على تخفيف التوترات وتعزيز الانسجام الاجتماعي.
• تعزيز الموقف عالميًا: التفرق جعل الأمة ضعيفة أمام التحديات العالمية، بينما الوحدة تمنحها قوة في مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية.
• تعزيز دور المؤسسات الدينية في نشر ثقافة الوحدة
• تطوير مناهج دراسية تُبرز المشتركات بين المذاهب الإسلامية دعم المؤسسات العلمية والفقهية في تبني مناهج دراسية تركز على المشترك بين المذاهب الإسلامية بدلاً من نقاط الخلاف
• تطوير برامج إعلامية وتعليمية تعزز مفهوم “الأمة الواحدة” بين المسلمين
• تعزيز روح التسامح والانفتاح بين أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة ونشر ثقافة الحوا ر بينهم والتي اختصرها العلامة السيد علي الأمين في مباديء خمسة:
-احترام الآخر وعدم تكفيره أو تخوينه
-الاحتكام إلى القرآن والسنة
-تجنّب السبّ واللعن والسخرية
-البحث عن الحقيقة لا عن الغلبة
-التواضع في الخطاب والتزام الإنصاف
ننتهي إلى القول بأن إدراج “وحدة الأمة ” ضمن مقاصد الشريعة الإسلامية، كما اقترحه العلامة السيد علي الأمين مقصدا أساسيا وسادسا من حيث العدد مع مقاصد قابلة للتوسع، يُمثّل رؤية متقدمة وحلًّا جوهريًا لأحد أكبر التحديات التي تواجه المسلمين اليوم. فبدلًا من التركيز على الخلافات المذهبية، يدعو العلاّمة السيد علي الأمين إلى استثمار التعددية الفقهية كعامل قوة وإبداع-والإبداع ابن التنوع كما قال أحدهم – وتعزيز التعايش السلمي ، مما يساهم في بناء مجتمعات أكثر تسامحًا واستقرارًا وتقدما – والتقدم ابن الاستقرار. لقد أثبت طرح العلاّمة السيد علي الأمين بعد سنين طويلة من أنه يحظى بقبول واسع بين العلماء والمفكرين وهذا ما برز في هذه المؤتمرات الجادة والتي انعكست فيها رؤاه وطروحاته وأثرت بشكل إيجابي على طروحاتها وتوسعة آفاقها في خطابها مع المختلف والآخر المسلم وغيره، مما يعزّز الأمل في مستقبل إسلامي وإنساني أكثر وحدةً وتضامنًا، بعيدًا عن الصراعات المذهبية والسياسية التي أضعفت الأمة الإسلامية وبلادنا وأوطاننا ودولنا ومؤسساتها لعقود طويلة.
الجزء الثاني
وحدة الأمة كمقصد أساسي سادس في الشريعة الإسلامية: رؤية العلامة السيد علي الأمين
السيد أحمد النجفي
في 12 مارس، 2025 – جنوبية
لقد تجشم بعضهم في العناء الرد على مقالي السابق ولكن لا أظنه قد عاد إلى المصادر التي ذكرتها واعتمدتها، ولو عاد لما احتاج إلى هذا العناء مع أن كلامي في مقصد وحدة الأمة الذي ذكره العلاّمة الأمين، وليس في مقاصد ثانية تطرق إليها أيضا العلاّمة الأمين، مثل مقصد الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
ولو عاد البعض إلى هذه المصادر وتتبعها وقرأها، وقد أشرت إليها إشارة لمن أراد الاستزادة، لأغناه ذلك عن فضول الوقت والكلام، في الوقت الذي يبحث فيه عقلاء الشعوب والأمم والدول الناضجة عن عوامل الاستقرار، وليس عما لا علاقة لهم به مما صنعه الماضون أو حدث في التاريخ فـ(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) كما قال الله في كتابه الكريم.
لقد عشنا وكثيرون هذا الصراع الداخلي وانعكس خارجا، فكان طريقا مؤلما للإنسان وآثاره من الإسقاطات للتاريخ على الحاضر، مدمرة في أحيان كثيرة مجتمعاتنا.
لقد قام الماضون بما قاموا من عمل، سواء ظنوه واجبا، او كان واجبا أو استعملوه وسيلة لمآرب شخصية أو سلطوية، ولكن لن نسأل عنه، وإنما نسأل عما عملنا نحن.
مقاصد اخرى
قال تعالى في محكم كتابه: (وكل آتيه يوم القيامة فردا)، والكلام الأهم كان في الآثار عن اعتماد “وحدة الأمة” كمقصد سادس أساسي في الشريعة.يقول العلامة السيد علي الأمين حفظه الله: (ونحن قد ذكرنا في بعض المقالات أن الحصر بهذه الخمسة لا دليل عليه سوى استقراء موارد اهتمام الشريعة، وهذا لا يمنع من إضافة أمور أخرى إليها، كالحرية والعدالة وحقوق الإنسان من منظور إسلامي، إذا ساعد عليها الدليل الإستقرائي بمعيار الإهتمام المتقدم)، فهو يزيد عليها العدالة والحرية وحقوق الإنسان ولا يحتاج الشرح والتدبر فيها لوضوح ألفاظها لقارئها.
والكاتب لم يميز في مقاله بين ما يذكره الفقهاء عند الحديث عن علل الأحكام الشرعية، وقد خفي عليه أنهم يقسمون علة الحكم إلى قسمين: علة منصوصة، والثاني علة مستنبطة.
والعلة المنصوصة هي التي ورد فيها نص شرعي، وهي التي يدور الحكم الشرعي مدارها وجوداً وعدماً. والأخرى هي التي لم يرد فيها نص شرعي خاص، ولا يدور الحكم مدارها، فقد يثبت الحكم مع عدم ثبوتها.
وهذا يعني أن ما يسمى بالمقاصد الشرعية ليس من العلل المنصوص عليها شرعاً، وإنما هي مستنبطة من مراجعة النصوص والبحث فيها عن فوائد التشريع غير المنصوص عليها.
وأما مسألة مقصد الوحدة فهي لمعة من اللمعات المهمة التي أضافها العلاّمة الأمين إلى مقاصد الشريعة أحببت، ورأيت من الواجب تخصيصها لتأثيراتها الإيجابية على مجتمعاتنا وأوطاننا. والعقلاء لا ينكرونها في مفاعيلها فلم يكن دور الأنبياء ولا الأئمة كما ذكر الكاتب هو إحداث الشقاق في أممهم وأقوامهم وهذا مناف لرسالتهم بالضرورة، وإنما كان دورهم الوحدة بعد التمزيق، وليس فعلا قائما على الشرخ، وإنما على وحدة الإنسان والدولة والأمة والأوطان في مصطلحات زماننا.
قال الله سبحانه في محكم كتابه العزيز:
(كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)، (وما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا)، (ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون)، (وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون)، (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم).
اقرأ ايضا: وحدة الأمة كمقصد أساسي سادس في الشريعة الإسلامية: رؤية العلامة السيد علي الأمين
الوحدة لا تمنع تعدّد الآراء
ومن العجب أن يعتبر الكاتب وجود التنافي بين الوحدة والتنوّع وتعدد الآراء، فإن الوحدة الجامعة تكون على المشتركات التي تجمع الأمة، كما تقدم في الآيات السابقة، وما جاء في الأحاديث، نحو (المؤمنون كالجسد الواحد).
فإن المعارضة والموالاة من الأمور التي لا تشكل خطراً على وحدة الأمم والشعوب والدول والطوائف، بل هي أمور تغنيها وترفع قدرها، فليس الرأي الآخر في السياسة والفقه هو الذي يتنافى مع وحدة الأمة، ولا هو الذي يعرضها للخطر، بل الذي يعرضها للخطر هو السلاح الذي يستخدم لرفض الإصلاح وقمع الرأي الآخر، وهذا هو ما يعرض مقصد وحدة الأمة للفتن والإنقسامات التي تهدد الوحدة المطلوبة بالزوال، ويؤدي إلى عدم تحقق الغرض في داخلها من المقاصد الخمسة التي ذكرها الفقهاء.
وأما كيف تصرف البعض حيال الأحداث التي مرّت فما يهمنا هو كيف تصرف أئمة أهل البيت عليهم السلام اتجاهها وليس كما تصرف غيرهم، فالإنسان ابن بيئته وانفعالاته ويكون ملتزما بمنهج ما إذا طبق النهج، حين انفعالاته، عليها .
• وأما تصرف الإمام علي عليه السلام وأهل البيت، فلقد آثر الوحدة ولو لم يكن إلا عليه الجور خاصة، بالتنازل عن حقوقه، وفي سبيل الوحدة وأيضا، حافظ على الحقوق التي تخص عموم المسلمين من القوى التي شهرت السلاح خارج الدولة.
قال الإمام علي عليه السلام: (إن جماعة فيما تكرهون من الحق، خير من فرقة فيما تحبون من الباطل، وإن الله سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا ممن مضى ، ولا ممن بقي).
وهذا هو المنهج الذي اعتمده المصلحون في العصور المختلفة، وقد كانت توجيهات اساتذة الحوزة في كل زمن وجيل لطلابهم عندما يدخل أحدهم سلك رجال الدين، الاحتياط في ثلاث: الدماء والأموال والأعراض. وهي من العناوين وإن لم تشتهر بالمقصد في تسمياتنا، ولكنها تتضمن في روحها الإتجاه الذي يجعل من وحدة الأمة هدفاً أسمى للمصلحين وأساساً لحفظ مقاصد الشريعة .
وليس يصح في الأذهان شيء…إذا احتاج النهار إلى دليلِ.
الأمين الأمين | موقع العلاّمة السيد علي الأمين