الأحد , يوليو 5 2026
موقع العلاّمة السيد علي الأمين

صفات الحاكم

صفات الحاكم

العلاّمة السيد علي الأمين

السيد علي الامين

– ذكرنا في بحث ولاية الدولة ودولة الفقيه أنّ أصل قيام الدولة ليس محلاً للإعتراض والإشكال عند أساطين علم الفقه وأنّ هذه المسألة معدودة عندهم من القضايا المتسالم عليها التي لا يصح وقوع التشكيك فيها في نظر العقلاء ولذلك اتجه البحث عندهم إلى جملة من الأمور لا بد من القيام بها قضاء لحق تلك الضرورة اللاّزمة للإجتماع البشري.

وقد اتفقت كلمتهم على أنّ هذه السلطة تكتسب شرعيتها في الأصل من كونها ضرورية الوجود بنظر العقلاء وابتعادها عن الاستبداد وقيامها بالمحافظة على حقوق العباد في حقن الدماء وحفظ الأموال وصون الأعراض وإقامتها للعدل فيما بينهم.

-مصدر السلطة للحاكم ودوره

وقد أرجع المحقق النائيني أستاذ الفقهاء والمجتهدين هذه الأمور المعتبرة في السلطة التي أطلق عليها عنوان السلطة المسؤولة إلى أصلين تتقوم بهما وتقوم عليهما وهما:

أصل الحرية وأصل المساواة بين الحاكم والمحكوم. وإن شئت قلت بأنّ الأصل الأول وهو الحرية ينفي شرعية السلطة القائمة على الإستبداد والإستعباد ويستلزم المساواة ونفي الإمتيازات وإن تغايرت العناوين والمواصفات التي اقتضتها ضرورة نظم الأمر حفاظاً على مصالح النوع البشري ودفع المفاسد عنه، وهذا ما جرت عليه سنّة العقلاء وقام عليه بناؤهم واستقر عليه سلوكهم، وأما سلطة الإستبداد والقهر فهي خارجة عن هذا البناء وهي مفسدة كبرى تتنافى مع تلك الضرورة التي أدركها العقلاء لقيامة مجتمعهم.

والذي يبدو بوضوح من خلال الاستدلال على قيام الدولة والسلطة ببناء العقلاء واتفاقهم على ضرورتها رغم اختلاف انتماءاتهم وتعدّد ميولهم وتنوّع رغباتهم أنّ السلطة السياسية هي شأن بشري اهتم به العقلاء تبعاً لإدراكهم بما هم عقلاء منظومة المصالح والمفاسد التي تنطلق منها أحكامهم في العادة حفظاً لبقاء النوع البشري واستمراره.

والمعروف عند المحققين من علماء الفقه وأصوله أنّ موقف الشريعة من تلك الأمور ليس موقفاً تأسيسياً تشريعياً وإنما هو موقف التقرير والإمضاء لما اتفقوا عليه بوصفهم عقلاء لأنه أمر سابق على التشريع الديني وهذا يعني أنّ السلطة السياسية ليست أمراً دينياً وإنما هي أمر دنيوي متروك لأهل الدنيا المتفقين على عدم تركه على قاعدة الحديث المشهور المروي عن رسول الله (ص) الذي يقول فيه :(أنتم أعلم بأمور دنياكم).

وعلى هذا المعنى الإنساني للسلطة والحكم الذي أدركه العقلاء يحمل قول الإمام عليّ عليه السلام الذي ساقه للرد على شبهة الخوارج الذين اعتبروا أنّ مسألة الحكم بمعنى السلطة من الشؤون الإلهية التي لا علاقة للبشر بها مستندين في ذلك إلى ما تراءى لهم من قول الله تعالى (إنِ الحكم إلا لله) ورفعوه شعاراً لهم في وجه السلطة البشرية القائمة فعلاً. وقد تصدى الإمام (ع) لإظهار بطلان هذه الشبهة بكلمته المشهورة التي ذهبت مثلاً (كلمة حق يراد بها باطل).

ووجه البطلان في ذلك أنّ الحكم الوارد في الآية المباركة – سواء كان بمعناه التكويني في الخلق من الحكمة في الإيجاد والتقدير والإتقان والتدبير والتحكم بالمبدأ والمصير أو كان بالمعنى القضائي المشتمل على الفصل في القضايا الخلافية وإظهار الحق فيها كما في قوله تعالى (إنِ الحكم إلا لله يقصّ الحق وهو خير الفاصلين) وقوله تعالى (إنّ ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) أو كان بالمعنى التشريعي المتعلق بأفعال العباد من الأمر والتخيير والنهي والتحذير – لا يرتبط (أي الحكم المذكور في الآية) بالمسألة التي وقع الخلاف فيها منهم مع الإمام (ع) وهي مسألة الحكم بمعنى الإمرة والسلطة التي أرادوا تعطيلها بعدم الانصياع لأوامرها وإلغاءها بإخراجها عن طورها البشري فقال لهم الإمام أنّ الإمرة اللازمة لا تكون إلا شأناً بشرياً لاحتياجها إلى الأمير وهو من الأوصاف البشرية باعتبار قيام البشر بها في ما بينهم ولا يتحقق ذلك بمجرد انحصار الحكم بالله تعالى بكل المعاني المتقدمة للحكم والذي جاء في رد الإمام (ع) (نعم لا حكم إلا لله ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله) فالإمرة شيء والحكم الوارد في الآية شيء آخر فهم يطبّقون الآية على غير موردها غافلين عن الاختلاف بين الأمرين وعدم الارتباط بينهما بالمعنى الذي فهموه من الآية المباركة وبين الإمرة المستلزمة لوجود الأمير والتي لا تكون بحسب تكوينها إلا شأناً بشرياً، ولذلك أَتبعها الإمام (ع) بقوله (وإنّه لا بدّ للنّاس من أمير برٍّ أو فاجر) وهي بهذه اللاّبديّة الواردة في كلام الإمام (ع) لا تكون ضرورة دينية بل هي ضرورة دنيوية إنسانية لازمة للاجتماع البشري يلتزمون بمقتضياتها بوصفهم بشراً مع غض النظر عن قناعاتهم الدينية وانقساماتهم السياسية والفكرية وغيرها لأنّها ترتبط بالانتماء البشري السابق على كل الانتماءات الأخرى والانقسامات الطارئة. ولذلك قال لهم الإمام (ع) عليكم أن تلتزموا بهذه الإمرة والسلطة أسوة بسائر الجماعات والأفراد الذين لم يرفعوا شعاركم ولم يكن لهم الرؤية نفسها التي ذهبتم إليها ولا يمكن الخروج عنها تحت شعار ديني أو غيره. إنها مسألة غير قابلة للاجتهاد الديني لأنّه إن كان للدين من رأي في هذه المسألة فهو ليس مخالفاً لما اتفق عليه العقلاء من ضرورة قيام هذه الإمرة والعمل بمفاعيلها والتزاماتها المترتبة عليها. والشاهد على أنّ هذه الإمرة ليست منبثقة عن ضرورة دينية ثبوتها في كلام الإمام (ع) لمطلق الأمير بدون اعتبار لصفته الدينية من كونه نبياً أو إماماً معصوماً أو فقيهاً، ولا لسلوكه الديني الشخصي وكونه من الأبرار أو الفجار لخروج تلك الأوصاف عن الضرورة الداعية لوجوب الانتظام فيها والقيام بها ولذلك وجب العمل فيها على المؤمن والكافر كما قال الإمام (ع) بعد ذلك تفريعاً على تلك الضرورة (يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر) لأنّ المعتبر في هذه الإمرة البشرية العقلائية القيام بما يحفظ المصالح العامة التي تتوقف عليها قيامة المجتمع وحياته كسائر الضرورات الحياتية التي يندفع العقلاء لتوفيرها انطلاقاً من إدراكهم الفطري دون الحاجة إلى مصدر آخر للأمر والإلزام ليدفعهم في اتجاه تحقيقها وتحصيلها، وإن وجد مثل هذا المصدر للأمر والإلزام فهو للإرشاد إلى ذلك الإدراك والتأكيد عليه وليس للتشريع أو التأسيس، وهذا معنى ما يقوله كبار المحققين في علم الأصول من أنّ الأوامر والنواهي الواردة في المرحلة المتأخرة عن إدراك العقل والعقلاء لها تُحمل على التأكيد وليست أوامر صادرة على نحو التشريع المولويّ.

وعلى كل حال فقد أشار الإمام (ع) إلى عناصر وأسس الإمرة الثابتة للأمير بقوله (ع):

“يجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر) وهي أمور تشكل دعائم النظام العام وعمدة الوظائف الواجبة في الإمرة البشرية وهي نظام مالي ونظام دفاعي وأمن السبل ونظام القضاء تحقيقاً للعدالة وتثبيتاً للأمن والاستقرار حتى يستريح بر ويستراح من الفاجر الذي لا يقيم وزناً لاعتبارات كونه فرداً في مجتمع وما يفرضه عليه ذلك من حقوق وواجبات. ويؤكد هذا المعنى من نفي الاعتبارات السلوكية ذات الطابع الشخصي غير المضرة بالصالح العام ما ذكره الإمام (ع)

أيضاً عند التعرض لمواصفات القائم بهذه الوظائف مشيراً فيها إلى علم المخاطبين بتلك المواصفات اللازمة في حفظ الحقوق التي قضت بها الفطرة السليمة والسيرة المستقيمة حيث قال: (وقد علمتم أنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم نهمته ولا الجاهل فيضلّهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ولا المعطل للسنّة فيهلك الأمة) والمقصود من السنّة هنا معناها اللغوي المنسجم مع طرق الحكم والإدارة التي اكتشفت الأمة فوائدها من خلال تجاربها وتجارب الأمم والعهود السابقة كما جاء في الخطوط العريضة لبرنامج الحكم الذي قدمه في عهده لمالك الأشتر عندما ولاّه على مصر (هذا ما أمر به عبدالله عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وإعمار بلادها) (ثم اعلم يا مالك، إنّي قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور…) (ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية ولا تحدثن سنّة تضر بشيء من ماضي تلك السنن فيكون الأجر لمن سنّها والوزر عليك بما نقضت منها) ويقول له

أيضاً (والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة) وقد أخذ هذا المعنى المتقدم للسلطة والإمرة والولاية بعض الفقهاء حيث جردوها من الأوصاف الدينية وعرّفوها من خلال دورها المدني في حياة المجتمع الإنساني بالقول: (إنها إقامة وظائف لازمة لرعاية المصلحة العامة).

وقد جاء فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله عندما طلب من جعفر ومن معه الهجرة إلى الحبشة قوله: (…فإن فيها مَلِكاً لا يظلم عنده أحد).

وورد عنه صلى الله عليه وآله: (الملك يبقى بالعدل مع الكفر ولا يبقى بالجور مع الإيمان).

وجاء في كتاب إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس رحمه الله تعالى: (…لما فتح هولاكو بغداد أمر أن يُسْتَفْتَى العلماء في مسألة الحاكم، أيهما هو الأفضل في الحكم: السلطان الكافر العادل،أو السلطان المسلم الجائر؟.) وجمع العلماء في المستنصرية -بغداد- وقد أحجم العلماء عن الجواب، وكان السيد ابن طاووس حاضراً فتناول الورقة وكتب بخط يده: (الكافر العادل أفضل من المسلم الجائر) ووضع العلماء بعد توقيعه أسماءهم عليها اعتماداً على رأيه رحمه الله.

-دور العلماء في بيان الأحكام الشرعية وتبليغها

ويؤيد هذا الرأي ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري رحمه الله في نفيه لدلالة الأخبار على وجود ولاية سياسية للفقيه على الأمة. وبعد مناقشته للروايات التي استدلّ بها القائلون بثبوتها لهم بقوله (ع) عن العلماء: (هم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم) وبقوله: (مجاري الأمور بيد العلماء بالله والأمناء على حلاله وحرامه) وقوله: (أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به) و(العلماء ورثة الأنبياء) وغير ذلك من الروايات القريبة من هذا المعنى. قال رحمه الله: (والإنصاف بعد ملاحظة سياقها أو صدرها وذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية، لا كونهم كالنبيّ والأئمة (ع) في كونهم أولى بالناس في أموالهم)، انتهى كلامه،رفع مقامه.

وقال المحقق الأصفهاني المعاصر للميرزا النائني -رحمها الله تعالى- ردّاً على القائلين بالولاية العامة للفقيه: (…والفقيه بما هو فقيه،هو من أهل النظر في مرحلة الاستنباط دون الأمور المتعلقة بتنظيم البلاد وحفظ الثغور وتدبير شؤون الدفاع والجهاد وأمثال ذلك، فلا معنى لإيكال هذه الأمور إلى الفقيه بما هو فقيه، وإنّما فُوِّضَ أمرها إلى الإمام(ع) لأنه عندنا أعلم الناس بجميع السياسات والأحكام، فلا يُقَاسُ بغيره ممّن ليس كذلك، فالإنصاف أن هذا الوجه أيضاً غير تام في إثبات المرام).

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.

 

شارك وانشر