الأربعاء , فبراير 11 2026
عناوين
الامين | العلامة المجتهد السيد علي الأمين - قناة المستقلة

العلامة السيد علي الأمين: كيف فُهم الخروج خطأً في واقعنا المعاصر؟ حوار الإمام الباقر والإمام زيد عليهما السلام

العلامة السيد علي الأمين: كيف فُهم الخروج خطأً في واقعنا المعاصر؟

حوار الإمام الباقر والإمام زيد عليهما السلام

حوار قناة المستقلة مع العلامة السيد علي الأمين

 – التاريخ : ٢٤-١١-٢٠٠٩

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ذكرتُ أمس نقاطاً ولن أعيدها، وأبدأ بالنقطة الثانية بالنسبة إلى الوقت. ولكن ملخص ما جرى بالأمس أن حركة الإمام زيد رضوان الله عليه كانت أهدافها وحدوية، وإحياء السنن، وإماتة البدع، وكانت بعيدة عن المطالب الشخصية بقدر ما كانت مطالب اجتماعية.

أما الخروج، فأنا لا أعتقد أن الخروج كان سبباً في تقسيم الأمة وإيجاد العداوات وإيقادها، وإنما أعتقد أن السبب في ذلك يعود إلى الظلم والقتل الشنيع الذي جرى، والتمثيل بالأجساد، وقطع الرؤوس. والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام قد نهى عن المُثلة ولو بالكلب العقور.

وعدم تصدي الحكام فيما بعد لمعالجة الآثار السلبية التي كان يتركها القتل والتمثيل والتشريد. نعم، كانت هناك بعض المحاولات التي جرت في بعض الأحيان لإنهاء ذيول تلك المجازر، كالمحاولة التي قام بها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه، ولم يستمر عليها من بعده الخلفاء، وكالمحاولة التي قام بها المأمون العباسي، وأيضاً لم يستمر عليها الحكام من بعده.

بل إن بعضهم كان يحاول أن ينكأ الجراح ويعمل على عدم اندمالها، وهذا ما كان يوجب استمرار الجراحات ويشعل نار العداوات.

فالخطأ، في اعتقادي، كان من الذين لم يعالجوا الآثار والذيول لتلك الأحداث، مما أوجب التفاعلات والانفجارات المتتالية في تاريخنا الإسلامي، وتحويلها إلى فتن متنقلة أو نائمة في بعض الأحيان.

والعبرة في صحة الخروج هي في الأسباب الداعية إليه، وفي الدوافع والمنطلقات والغايات، وليست في النتائج. فليس المنتصر مصيباً بالضرورة، وليس الشهيد الذي يقتله النظام ويتخلى عنه الناس في ساعات الشدة يكون مخطئاً بالضرورة، بل المخطئون هم الذين تخلوا عنه، والخاطئون أيضاً.

والمهم أننا عندما ندرس حالات الخروج، فإن الرأي الراجح عند علمائنا هو عدم الخروج، وهو مبدأ اتخذه أئمة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام بعد استشهاد الإمام الحسين، باعتبار أنهم المؤتمنون على ثورته والمدركون لأسبابها، فهموا منها أنها ليست قاعدة عامة، ولذلك لم تتكرر في حياتهم، وكانوا يطلبون من شيعتهم عدم الخروج، وقد رفضوا المشاريع الخاصة والانفصالية وذات الطبيعة الثأرية التي تؤدي إلى الانقسامات والنزاعات الدموية التي لا طائل منها سوى المزيد من ضعف الأمة وتفككها.

المشكلة أن بعضهم حاول يفهم أن الأسباب، وأن حركة الإمام الحسين أو حركة الإمام زيد هي كانت تعبيرا عن قاعدة عامة في الخروج وهذا ما لم يقبل به أئمة أهل البيت ابتداء من الإمام زين العابدين سلام الله عليه ومرورا بالإمام الباقر عليه السلام أيضا حيث جرى بينه وبين الإمام زيد حوار كما يذكر بعض المؤرخين عندما اعتبر الإمام زيد: (أن الإمام من خرج بالسيف فقال له الامام الباقر: إنّ أباك كان إمامًا ولم يخرج بالسيف) والإمام جعفر أيضا قال له: ( إن كنت ترضى أن تكون المصلوب بالكناسة فاخرج) .. كان هناك نصائح بعدم الخروج وهذا يؤكد على أن الأئمه الاثني عشر لم يفهموا أن الخروج هو قاعد عامة وإنما هي قضايا في واقعة لها ظروفها ولها أسبابها.

والمهم أن الذي يظهر من الحوارات التي جرت مع زيد، ومن النصائح التي وردت، أن الخروج لم يكن لأسباب شخصية، ولم يكن لأسباب مذهبية، كما ظهر ذلك من رفضه اتهام الشيخين بالظلم، وأنه لم يسمع من آبائه عنهما إلا خيراً. وهكذا الحركات الأخرى التي جرت كانت حركات مطلبية لا تحمل الصفة المذهبية.

واليوم، ما يجري في اليمن العزيز، أريد أن أقول: لا أرى من الصحيح أن نوحي بأن الصراع صراع مذهبي بين أتباع الإمام زيد أو بين الشيعة كما سمعت. لا أرى من الصحيح أن نقول إن هناك مصلحة في تصوير الصراع على أنه مذهبي، فليس في ذلك مصلحة لعموم المسلمين، وليس هناك مصلحة لليمن الواحد. خصوصاً أن هناك جماعة لها مطالب، وهناك دولة ونظام، والصراع على المطالب، وليس صراعاً مذهبياً. ومن هنا نحن نقول إن من يخرج يخرج تحت شعار خاص به، لا يتدثر بعباءة الإمام زيد ولا بعباءة الإمام جعفر الصادق وغيرهم من الأئمة.

هو خروج ان كان تحت شعار الامام الحسين كما نسمع نحن في بعض البلاد أن هناك من يخرج باسم الامام الحسين: لا الائمة أدركوا أن الخروج ليس قاعدة عامة ولذلك بقي في هذا الاطار.

ومن هنا كان الإمام الصادق سلام الله عليه يقول للذين خرجوا بعد الإمام الحسين وبعد الإمام زيد أيضاً بالخصوص، حيث كثر الخارجون الذين حملوا شعار “يا لثارات الحسين” وما شاكل ذلك، كان موقف الإمام الصادق واضحاً من الخروج عندما قال:
«لا يخرج الخارج منا أهل البيت إلا واصطلمته البلية، واخترمته المنية، وكان خروجه زيادة في مكروهنا ومكروه شيعتنا».

فكان هناك رفض طبعا لعملية الخروج التي حاول البعض أن يتمسك بها فيما بعد والإمام الصادق والإمام الباقر قبله، وبعده الأئمة، وقفوا موقفا شديدا من الحركات التي خرجت فيما بعد ليؤكدوا على أن خروج الإمام الحسين كان له ظروفه الخاصة به وكان ذلك حتى في قضية الإمام زيد رضوان الله عليه.

ومن هنا أريد أن أقول إن الحالة الموجودة في اليمن العزيز — نسأل الله أن يحقن دماء المسلمين عموماً — هذه الحركة الموجودة، أي حركة الحوثيين، لا علاقة لها بمسألة زيد أو بمسألة الإمام الحسين أو بمسألة الشيعية. هي حركة سياسية مطلبية لها مطالب، وقاتلت الدولة باسمها، وليس باسم المذاهب والأديان.

حن نقول: لا يجوز قتلهم تحت أي شعار، سواء تحت شعار أنهم زيدية أو شيعة إمامية، كما لا يصح منهم الخروج باسم الإمام زيد أو باسم الإمام الحسين، لأن الخروج كان في تلك المرحلة الاستثنائية الخاصة.

ولذلك نحن  نأمل أن يكون هناك حلول لهذا الخروج الآن الموجود والحاصل لأن الدولة يجب أن يُحافَظ على وحدتها و لا يجوز الخروج أن يكون عسكريا بل يجب الدخول في العملية السياسية والمشاركة فيها. وهناك ثوابت  يجب المحافظة عليها وهي وحدة الوطن والشعب ومرجعية الدولة والمؤسسات والسلم الأهلي الذي يجب ان يكون اساسا من الأسس كما قال الإمام علي عليه السلام عندما حاول بعضهم بعد سقيفة بني ساعدة أن يحدث شيئا من الفتن، فجمع بني هاشم وسائر أصحابه وقال لهم ( عرّجوا عن طرق المنافرة وضعوا تيجان المفاخرة..) إلى أن قال كلمته الشهيرة التي أصبحت مبدءا عندما قال: ( لاسلمن ما سلمت أمور المسلمين) ..

الخروج طبعا ينبغي أن يكون سياسيا، لا مانع من أن تكون هناك تطلعات إصلاحية لكن ضمن الحفاظ على ثوابت الدولة الواحدة والسلم الأهلي ومرجعية المؤسسات كما أفهم ذلك من خلال النصوص والأدلة.

الوحده كانت هدفا من اهداف الإمام زيد حتى كانت من اهداف الامام الحسين عندما قال «إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا ظالماً ولا مفسداً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد عليّ أصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين». ما كان خروجاً من أجل تفريق الأمة، وإنما كان من أهدافه توحيد هذه الأمة والإصلاح فيها.

هذا طبعا ما أحببت أن ان أقوله في هذا الشأن مضافا إلى مسألة سمعت من الإخوة بعض الحديث عن العصمة وكأن العصمة تشكل حاجزا أمام  المذاهب الإسلامية أو الفرق الإسلامية … هي فكرة من الأفكار التي لم يتبناها فريق وحده لكن بعضهم وسع دائرة العصمة من الأنبياء إلى الأئمة عليهم السلام لكن طبعا هناك فرق بين العصمة وبين مسألة علم الغيب لأن العصمة:
هناك عصمة مقترنة بالوحي وهي مختصة بالأنبياء وهناك عصمة ليست مقترنة بالوحي بل هي بمعنى التسديد والتوفيق والهداية من الله سبحانه وتعالى كقوله سبحانه وتعالى: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ..)  أو كما ورد عن الإمام علي بن ابي طالب سلام الله عليه عندما كان يقول : (فلا تكفّوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي بفوق أن أخطىء..) يعني لا يزعم أنه لا يخطىء في ممارساته ..( ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني ..)  إذًا هي عصمة بمعنى التسديد والتوفيق الإلهي من خلال الطاعة والانقياد والمكانة التي يكتسبها العابد من خلال قربه من الله سبحانه وتعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ..)
ونحن لا نقول بأن العصمة تستلزم علما بالغيب وهذا موجود عند علمائنا مثلا بعض علمائنا في القرن الماضي الشيخ محمد جواد مغنية رحمه الله يقول: ( وكيف ينسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن أئمتهم يعلمون الغيب وهم يؤمنون بكتاب الله ويتلونه قوله تعالى حكاية عن نبيه ” ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير”  أو كقوله تعالى” إنما الغيب لله” وغير ذلك ..
وأنقل لك قول الشريف المرتضى من علمائنا القدامى يقول :(معاذ الله أن نوجب للإمام من العلوم إلا ما تقتضيه ولايته وما أسند إليه من الأحكام الشرعية وعلم الغيب خارج عن هذا.) .. هذا صريح كلام السيد المرتضى وهو من العلماء القدامى فضلا عن بعض العلماء المعاصرين .. العصمة ليست تلك القضية التي يجب أن تكون سببا لمزيد من الخلاف والحديث عنها وهي أشبه شيء بما يقوله علماء الأصول عنها مثلا عدالة الصحابة أصل أو عصمة الأمة كما في بعض الآراء …

هذه جملة من الملاحظات أحببت أن أذكرها وأضعها بين أيدي الإخوة الأعزاء المتحاورين والموجودين عندك وأن أرسل هذه الرسالة بأن الصراع الموجود في اليمن يجب أن نجد له حلّا لأن مشكلة الحركات الإسلامية في الحقيقه أنها تخلت عن الحالة الماضية التي كان يعتمدها الأئمة والسلف الصالح.
مشكلة الحركات الدينية في العالم العربي والإسلامي أنها تخلت عن نهج الدعوة ونشر الرسالة وتثقيف الأمة وتعليم أحكام دينها كما اعتمدها الائمة والسلف الصالح وذهبت إلى مشاريع الحكم والسلطة واعتمادهم  على الوسائل غير المشروعة في الوصول اليها بكل ثمن يعني حتى بقتل الإخوة والأهل والأنفس كما رأينا ذلك ونراه في فلسطين وفي اليمن والصومال ولبنان وباكستان وإيران.
هذه هي المشكلة أن الحركات التي تدثرت بلباس الدين نسيت مشروع الدعوة والرسالة وحملت مشروع السلطة وحملته أيضآ من غير بابه المشروع  الذي نحافظ فيه على وحدة الأمة  والدولة والكيان. ولذلك طبعا يجب أن نجد لها حلّا لأنه مراد النفوس كما يقول المتنبي:

ومراد النفوس اصغر من
أن تتعادى فيه وان تتفانى

يمكن أن نجد حلّا بالعدل بأن يصدر الرئيس اليمني عفوا شاملا مع ضمانات لهؤلاء وأن يعودوا للانخراط في المجتمع على قاعدة العدل والمشاركة في العملية السياسية وكما قلت أنت يا دكتور محمد أمس أن العدل بوابة الإصلاح يذكرني هذا بقول لأحمد شوقي رحمه الله يقول:

رفعوا على السيف البناء فلم يدم
ما للبناء على السيوف دوام

أبقى الممالك ما المعارف أسّه
والعدل فيه حائط ودعامُ

  الدم يستسقي الدم.. الدم  لا يحل المشكلة.. العدل يحل المشكلة ومنطق الرحمة والرأفة هو الذي يحل المشكلة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم واسال الله أن يحفظكم ويرعاكم وأن يجمع بين أمة محمد آمين.

شارك وانشر