نداء السلام
كتب العلاّمة السيد علي الأمين قبل سنوات عن الحرب وأخطارها وقال:
إن ما تنتجه الحروب من أخطار على المجتمعات البشرية لا يحتاج إلى كثير من البيان. وقديماً قال الشاعر:
وما الحربُ إلّا ما علمتمْ وذقتمُ —وما هو عنها بالحديث المرجّلِ
-وقد شهدتُ مع الكثير من أبناء جيلي في لبنان والمنطقة حروباً داخلية وخارجية، ورأيت فيها بأم العين ما يحصل للناس بسببها من آلام وأحزان ودمار وغير ذلك من الآثار السيئة والسلبية التي نشهدها اليوم معاً في الحرب الجارية على وطننا لبنان.
وقد خرجت من تلك الحروب ومآسيها بمقولة، وهي (إن الحرب لا يُحفظُ بها الموجود، ولا يُسترجَعُ بها المفقود). وقد أحسن القائمون بهذه الندوة والمشرفون عليها الإختيار لعنوان (نداء السلام) لها.
ولا شك بأن الحروب والصراعات وما ينتج عنها من المآسي لم تكن بسبب الأديان، وإنما كانت بسبب طموحات الإنسان غير المشروعة للسلطة والتوسّع والسيطرة والنفوذ، وهذه الحروب قد ظهرت قبل المذاهب والأديان وبعدها، وقد أزهقت الحرب العالمية الأولى والثانية أرواح ما يقارب مئة مليون إنسان، ولم تكن أسباب الحرب دينية. وإن تم استغلال الأديان في بعض الحروب بالباطل أحياناً من أجل نشر الكراهية والتعبئة،فتمّ التلاعب بالنصوص الدينية وتشويهها من أجل تبرير تلك المنكرات التي تجلبها الحروب باسم الله والدّين.
-السلام والدين
ومن القضايا التي اتفق جميع العقلاء على حسنها هي قضية حسن العدل والسلام بين الأمم والشعوب والأفراد،وقد أقرّت الشرائع السماوية هذا الإتفاق ودعت إليه.
وقد قلت في كلمتي إن المسيحية ليست مسؤولة عما جرى من حروب بإسمها، والإسلام ليس مسؤولاً عما جرى من حروب بإسمه، فالإنجيل الذي يقول (لا تقتل) والذي يقول(طوبى لصانعي السلام)والقرآن الذي يقول {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} كيف يمكن أن يحملا تلك الآثار من القتل والعدوان.
إن الفاعل والمتسبب بتلك الفظائع هو الإنسان الذي ابتعد بأطماعه وخطاياه عن الرحمن الرحيم. وقد ورد الإصلاح بين الناس في كثير من النصوص الدينية التي تؤسس لقاعدة السلم بين عموم الناس شعوباً ودولاً، وهي المعبّر عنها بالسلم العالمي، لأن الدعوة إلى الإصلاح بين الناس تتضمن الدعوة إلى فض النزاعات بينهم وإقامة العدل فيما بينهم.
وقد جاء ما يشير إلى قاعدة السلم هذه في الكثير من الآيات الآمرة بالعدل بين الناس والإصلاح بينهم كما في قوله تعالى {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} ومنها الآيات الناهية عن الظلم والبغي والعدوان. وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام لأبي أيوب الأنصاري (قال: ألا أدلّك على صدقة خير لك من حمر النعم؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرّب بينهم إذا تباعدوا)، (والمهاجر من هجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبدٌ لا يأمن جاره بوائقه)، (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، والمؤمن من ائتمنه الناس على أموالهم وأنفسهم).
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ومن الواضح أن هذه التشريعات لا تخصّ المسلمين بعضهم مع البعض الآخر، بل هي شاملة لكل مكوّنات المجتمع من المسلمين وغيرهم، وهي تخاطب المسلمين بالإلتزام بهذه الخصال والأحكام سواء كانوا في ديارهم أو في ديار قوم آخرين، باعتبار ورود كلمة الناس في بعض تلك الأحاديث وكلمة الجار المطلقة وغير المقيّدة بدين أو مذهب.
ولا شك أن هذا النحو من التعاليم يصنع تربية تؤسس لعلاقات تقوم على السلام والوئام بين مختلف المجتمعات، ويكشف عن أن السلم في الشريعة هو مقصد من مقاصدها وغاية من أسمى الغايات، بل يمكن القول بأن السلم العام بين البشر يشكّل الحاضنة لكل المقاصد والغايات الأخرى من الدين، فإن الغاية من تعدّد الخلق وتنوّعهم كما في قوله تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} هي التعارف بين البشر، وهو يعني التواصل فيما بينهم، ولم يجعل الله الغاية من التعدد هي التحارب بين الشعوب والقبائل، فلم يقل فيها (لتحاربوا) وإنما قال فيها (لتعارفوا) ويضاف إلى ذلك ما دلّ على تكريم الإنسان كقوله تعالى {وكرّمنا بني آدم} وقوله تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وما دلّ على أن الرسول لم يبعث لعّاناً وأنه بعث ليتمّم مكارم الأخلاق. إن هذه النصوص الدينية التي تقدم ذكرها من الآيات المحكمة والأحاديث الصريحة تدلّنا بوضوح على أن الشريعة تؤسس لقاعدة السلم بين الناس وأن الحرب هي الإستثناء،كما جاء في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنو ادخلوا في السلم كافّة} وقوله تعالى(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )وقوله تعالى {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلّكم تذكرون} .
ففي هذه الآيات تعاليم الدعوة من الله للإنسان لنبذ الحروب والصراعات مع الآخرين والعيش معهم بسلامٍ وعدل.
واعتبر الدين في تعاليمه أن الاعتداء على حياة الفرد اعتداء على الإنسانية جمعاء كما جاء في قوله تعالى {من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}.
ويعتبر «حلف الفضول» بين القبائل الذي قام على الفضائل محطة من المحطات المضيئة في التاريخ البشري في منطقة الجزيرة العربية قبل الإسلام، وقد أقرّه النبيّ عليه الصلاة والسلام عندما أتى على ذكره بالمدح والثناء ودعا إلى مثله في الإسلام، وقد وصفه بأنه حلف أحبُّ إليه من حمر النّعم، وأنه لو دعي إلى مثله في الإسلام لأجاب، وهو المبعوث رحمة للعالمين، وهو القائل: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
وهذه المحطة تكشف لنا عن إمكانية وصول المجتمع البشري إلى صيغ من العيش المشترك القائمة على السلام والعدل تحفظ حياتهم ويديرون بها شؤونهم من خلال منظومة المبادئ والقيم الإنسانية التي أدركوا حسنها بعقولهم وبفطرتهم السليمة وبتجارب الحياة، فعرفوا منافعها وأدركوا ضرورة التمسّك بها في نظم أمرهم وقيامة مجتمعهم.
وموقف الدين منها هو موقف الإمضاء والإقرار، وهذا ما يتفق مع دعوة الدين لنا إلى الدخول في السلم كافّة، كما تقدّم.
-الأخوة الإنسانية
ويرى المتتبع للتعاليم الدينية في الكتب السماوية دعوتها الواضحة إلى الأخوة الإنسانية بين جميع بني البشر لتساويهم في أصل الخلق والتكوين. فكل فرد من البشر هو مساوٍ لغيره ومعادل له في الإنسانية الموجودة في أفراد الأمم والشعوب على حدٍّ سواء، وقد ورد في القرآن الخطاب لكل الناس: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا). وورد في الإنجيل أيضاً: (أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى؟). فهذه المساواة في أصل الخلق تبطل كل دعاوى الإمتياز في العنصر، والله يقول في القرآن الكريم (وكرّمْنَا بني آدم) و(إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم).
وهذا يعني أن معيار التفاضل عند التعدد والإختلاف هو في التقوى التي تعني العمل الصالح الذي يشمل حسن العلاقة مع الآخر ومنفعته، كما ورد في الحديث: (الخلق كلهم عيال الله، وأحبُّهم إليه أنفعهم لعياله) و (أحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره لغيرك ما تكره لنفسك). وكما ورد في الإنجيل: (كل ما تريدون أن يعاملكم الناس به، فعاملوهم أنتم به أيضاً: هذه خلاصة تعليم الشريعة والأنبياء) وفيه أيضاً: (وإن سلّمتم على إخوتكم فقط فأيَّ فضل تصنعون؟ أَلَيسَ الْعَشّارون أيضاً يفعلون ذلك؟). وفي الحديث الديني: (ليس منا من دعا إلى عصبية) و(لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) ومنه أيضاً: (إذا كان لا بد من عصبيةٍ فليتعصبوا إلى مكارم الأخلاق وإلى محاسن الأمور وإلى محامد الأفعال).
فكل دعوة فيها انحياز من صاحبها إلى قومه بالباطل هي دعوة مرفوضة دينيّاً لأنها تخالف العدل، وقد جاء في العهد القديم: (وَأَوْصُوا بَنِيكُمْ بِعَمَلِ الْعَدْلِ وَالصَّدَقَاتِ) وفيه أيضاً: ( لأنّ الربّ عادلٌ ويحبُّ العدل). وقد ورد في القرآن الكريم قول الله تعالى:(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وفيه أيضاً (ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).
وهذه التّعاليم الدينيّة التي تظهر بطلان دعوات الحروب باسم الدّين التي وقعت في الماضي هي اليوم أيضاً تكشف لنا كذب وبطلان دعوات التطرّف والإرهاب وبثّ الكراهية بين الشعوب والأديان باسم الدين، وتبيّن لنا أنها حركات مشبوهة تستغلّ الدين في صراعاتها من أجل الوصول إلى غاياتها في السلطة والتوسع والسيطرة.
-لبنان والسلام
ونحن في لبنان نقول بأن الدولة اللبنانية بمؤسساتها الدستورية والقانونية هي المسؤولة وحدها عن إدارة البلاد والشعب وعن اتخاذ القرارات السيادية والمصيرية بما في ذلك المفاوضات الجارية لإيقاف شلال الدم والنزف اليومي والعمل على إيقاف مسلسل التدمير والتهجير والعمل على عودة النازحين وإعادة الإعمار،وعليها أن تقوم بالواجبات الملقاة على كاهلها في حفظ شعبها وصون أرضها وأن تكون هي المرجعية الوحيدة على كل الأراضي اللبنانية في قضايا الأمن والسياسة والسلم والحرب وسائر القضايا التي تتولاها الدول في شعوبها وأوطانها.عشتم وعاش لبنان،والسلام لكم وعليكم .
—————
