ولاية الفقيه بين الخصوص والعموم
-ورد من بعض أهل العلم السؤال التالي:
-ما رأيكم فيما قاله السيد عبد الأعلى السبزواري عن ولاية الفقيه في النص المذكور في كتابه مهذّب الأحكام(…ومقتضى فطرة الأنام أنّ الفقيه الجامع للشرائط بمنزلة الإمام عليه السلام إلا ما اختص المعصوم به وذلك يقتضي سعة الولاية إلا ما خرج بالدليل…)؟
–الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
-هذا الكلام منه-أعلى الله مقامه-جاء في الجزء الأول من الكتاب المذكور في( مسألة 68 ) التي جاء فيها:
(لا يعتبر الأعلمية فيما أمره راجع إلى المجتهد إلا في التقليد ، وأما الولاية على الأيتام والمجانين والأوقاف التي لا متولَّي لها ، والوصايا التي لا وصيّ لها ونحو ذلك ، فلا يعتبر فيها الأعلمية [ 143 ] . نعم ، الأحوط في القاضي أن يكون أعلم من في ذلك البلد ، أو في غيره مما لا حرج في الترافع إليه .)
والمذكور في هذه المسألة من الولاية لا علاقة له بأمور السلطة السياسية والحكم كما لا يخفى،فإن الولاية المذكورة على الأيتام وغيرهم من فاقدي الأهلية هي ولاية في إدارة شؤونهم الخاصة التي تحتاج إلى الولي الذي يرعى فيها مصالحهم في تلك الأمور التي لا تحتاج إلى الفقاهة ليدور الأمر فيها بين العالم والأعلم.بل هي من الأمور التي تحتاج إلى الخبرة والأمانة في إدارة مواردها،ولذا قد يتولى القيام بها عدول المؤمنين.
ومما يدل على أن الحديث منه في هذه المسألة هو عن الولاية خارج الشأن السياسي ما ذكره من الأدلة على مسألة ولاية الفقيه في تلك الأمور البعيدة عن الولاية السياسية قوله:
(لظهور الإجماع ، والسيرة العملية بين المجتهدين من تصديهم لتلك الأمور في جميع الأعصار والأمصار مع وجود أعلم منهم ، ولسيرة المتشرعة بالرجوع إلى المجتهدين فيها مع ذلك أيضا ).انتهى.
ومن الواضح أن جريان السيرة العملية للمجتهدين على تولّيهم التّصرّف في هذه الأمور ورجوع المتشرعة إليهم فيها كان يحصل في ظلّ عدم الحاكمية السياسية للفقهاء،كما كان يحصل مثله من أتباع الأئمة-عليهم السلام-في زمانهم من الرجوع إليهم وهم لم يكونوا في موقع التولّي للقيادة السياسية.وهذا يعني أن حصول هذا النحو من رجوع المتشرعة إليهم كان لمعرفة حكم الواقعة. وهو إن دلّ على شيء فهو يدلُّ على ثبوت ولاية خاصّة للفقيه في تلك الأمور التي كان يجري فيها الرجوع إلى الفقهاء،وليس فيها دلالة على منح الفقيه ولاية عامّة تتسع للأمور السياسية، كما لا يخفى.
وقوله بأن مقتضى فطرة الأنام أن الفقيه الجامع للشرائط بمنزلة الإمام المعصوم إلا ما اختصّ به المعصوم لا يعطي للفقيه ولاية على أمور السياسة والحكم،ليس لأنها من مختصّات الإمام المعصوم،بل لأن المعصوم الذي أرجع الناس إلى الفقهاء لم تكن الحاكمية السياسية بين يديه،ولم يكن من الساعين إليها،فكيف تكون تلك الروايات الصادرة عنه واردةً بصدد تعيين الحكاّم السياسيين للأمّة؟،وقد كان الحكّام السياسيون للبلاد معروفين في زمانه،ولم يكن هو -عليه السلام-واحداً منهم!…وهل كانت البلاد تحتاج في وقت صدور تلك الروايات إلى تنصيب هذا العدد الكبير من الرواة حكّاماً بالمعنى السياسي؟!…وهذا مما يصرف تلك الروايات الواردة في الإرجاع إلى العلماء عن الدلالة على ثبوت الولاية السياسية للفقيه ونصبه حاكماً بالمعنى السياسي،نحو(العلماء ورثة الأنبياء)ونحو(…انظروا إلى من روى حديثنا وعرف حلالنا وحرامنا ونظر في أحكامنا،فليرضوا به حكماً،فإني قد جعلته عليكم حاكماً…)ونحو(…وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فإنهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليهم) وغيرها من الروايات،فإن هذا من إرجاع الناس إلى الفقهاء في معرفة الأحكام،وليس تنصيباً لهم في موقع القادة والحكّام.فليتأمّل جداً في المقام.وإذا شئت التوسّع فيمكنك الرجوع إلى ما ذكرناه في كتاب(ولاية الدولة ودولة الفقيه).وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الأمين الأمين | موقع العلاّمة السيد علي الأمين
