السبت , أكتوبر 17 2026
Ahl-albayt-sayyed-ali-al-amin

رؤية السيد الشهيد محمد باقر الصدر لدور الأئمة – العلاّمة السيد علي الأمين

 رؤية السيد الشهيد محمد باقر الصدر لدور الأئمة

العلاّمة السيد علي الأمين

المصدر: كتاب الأحزاب الدينية بين طموحات السلطة ورسالية الأئمة- العلاّمة السيد علي الأمين. ص: ٦٥-٦٩

… إنّ رؤية السيد الشهيد الصدر لدور الأئمة (ع) كما نقلته مجلة البلاغ عنه (أعلى الله مقامه) من السؤال المفترض والجواب عليه، فهو لا ينافي عزوف الأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) عن القيام بالعمل السياسي أو الفكري الهادف لتولّي السلطة السياسيّة، والإمساك بها، لأنّ الأئمة (ع) كما قال عنهم السيد الشهيد في المقال المذكور: «لم يكونوا يرون الظهور بالسيف والانتصار المسلّح الآني كافياً لإقامة دعائم الحكم على يد الإمام، بل يتوقّف  قبل ذلك على إعداد جيش عقائدي يؤمن بالإمام وعصمته إيماناً مطلقاً، ويعيش أهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه».

فإنّ هذه الوسيلة المفترضة (إعداد الجيش العقائدي) على تقدير سعي الأئمة (ع) بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) لتحقيقها، تكاد تكون من الوسائل المثالية للهدف المنشود، فهي لم تبصر نور الوجود على امتداد حياتهم وحياة أتباعهم. وهذا يعني بناءً على هذه الرؤية في عمل الأئمة أنهم اعتمدوا على وسيلة لم يكتب لها النجاح، برغم المدة الطويلة التي عاشها الأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) ولم ينته الإعداد لجيش عقائدي يكون مؤهلاً لاستلام السلطة وتغيير الحاكم، ومثل هذه الوسيلة الّتي لم تتحقّق طيلة ما يزيد على قرنين ونصف من العمل والتخطيط، كما يقولون، تكون من الوسائل غير العمليّة وتجعل من المشروع السياسي المستند إليها مشروعاً بعيد المنال، ولا يغيّر شيئاً من واقع الحال. ومثل هذا المشروع لو كان موجوداً فهو لا يستحق أن نسميه عملاً سياسياً هادفاً إلى مواجهة النظام وإسقاطه. والسلطات الحاكمة لا تعير اهتماماً لمثل هذه المشاريع الطويلة المدى، والّتي تجاوز التخطيط لحصولها الحدود الزمنية لتواجد الحكام على سدة الحكم، هذا مع أنّ السيد الشهيد نفسه لم يعتمد، من الناحية العملية، على هذه الطريقة (إعداد الجيش العقائدي) عندما اختار القيام في وجه السلطة ومعارضتها.

ومن خلال ما تقدّم، يظهر لنا أنّ الوسيلة المقترحة لا يمكن الأخذ بها في تفسير ما ذكره السيد الشهيد من الدور الإيجابي الذي قام به الأئمة في سبيل نشر تعاليم الإسلام، وحماية الرسالة، حيث إنّ ذلك الدور الإيجابي لم يصل إلى مستوى القيام بالعمل الذي يشكل خطراً على السلطة الحاكمة، فضلاً عن العمل الذي يؤدي إلى إخراج الحاكم من السلطة واستلامها. وعليه، فلا يصحّ تفسير ذلك الدور الإيجابي بأنه سعي سياسي لاستلام السلطة، بل هو عمل لنشر الثقافة الدينية وحماية الرسالة الإسلامية من الزيغ والانحراف.

– قصة الخراساني

وما ذكره السيد الشهيد «من الاستشهاد بقصة الخراساني الذي جاء إلى الإمام الصادق (ع) يعرض عليه تبنّي حركة الثوار الخراسانيين فأجّل جوابه ثم أمره بدخول النار فرفض، وجاء أبو بصير فأمره الإمام بذلك فسارع إلى الامتثال، فالتفت الإمام (ع) إلى ثوار خراسان وقال: «لو كان بينكم أربعون مثل هذا لخرجت إليهم» يعطي خلاف المقصود، لأنّ تعليق الخروج على أمر مُستبعد الحصول أصلاً، وغير حاصل فعلاً، هو عزوف عن الخروج ورسالة واضحة الرفض للمشروع الذي جاء من أجله الثائرون، فإنّ العمل السياسي هو سعي مباشر لتغيير الواقع بأدوات الواقع ووسائله المتاحة.
وهل من المعقول أن يقال بأنّ الإمام الصادق (ع) لم يستطع طوال حياته أن يجد أربعين شخصاً بتلك المواصفات، لو كان يسعى للخروج حقّاً على سلاطين عصره؟ وهل يمكن القول بأن هذا العدد المطلوب للخروج لم يستطع الأئمة الذين جاءوا بعد الإمام الصادق (ع) تحقيقه لو كانوا يريدون الخروج؟ أم أنّهم تركوا الخروج أصلاً لأنه لم يكن لديهم مشروع لتغيير الحاكم واستلام الحكم بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) الّذي خرج على الحاكم بنفس العدد تقريباً كما يقولون؟!

وإذا كانت هذه الوسيلة (العدد المطلوب) أو (الجيش العقائدي) عسيرة التحقّق والحصول، فهي لا تصلح للاعتماد عليها في العمل السياسي التغييري، وقد عرفت أن تعليق المشروع السياسي على مثل هذه الوسيلة يكون تعبيراً آخر عن ترك العمل السياسي والانحياز إلى تبنّي المشروع الثقافي.
والذي يبدو من مجموع الأفكار الّتي يصرّ أصحابها على وجود مشروع سياسي للأئمة (ع) بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) أنّ السبب الرئيس الذي أوصلهم إلى هذا الاستنتاج ناشئ من إغفالهم في مقام البحث للدّور الّذي قام به الأئمة عمليّاً في ساحة الواقع، والنظر إلى ما يستحقه الأئمة من مواقع لم يصلوا إليها.
وبعبارة أخرى يجب علينا، عند البحث عن الدور السياسي للأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، التمييز بين ما كان منهم وما صدر عنهم، وبين ما يجب أن يكون لهم بحسب نظرنا ومعتقدنا انطلاقاً من منصب الإمامة، فإنّ ما يشكّل لنا مرجعية في الميدان السياسي وغيره من الميادين هي الأقوال والأفعال الصّادرة عنهم والمواقف المتخذة من قبلهم تجاه الواقع المعاش.
أمّا ما لم يقع منهم ولم يصدر عنهم، ممّا كان يلزم وقوعه وحصوله، بحسب ما نتصوره نحن بنظرنا من مستلزمات الموقع ومتطلباته، فهو أمرٌ خارجٌ عن حدود الاستنتاج النّافع والمسؤولية الملزمة، ويقع في دائرة التنظير الخالص الذي ليس له حظّ من الواقع العملي، وهو يستبطن محاولة إسقاط ما نقوم به وما نطمح إليه على ما كان يجب أن يكون للأئمة (ع) في الوقت الذي نبحث فيه عن الاستفادة ممّا كان منهم، وجعله دليلاً على ما ينبغي أن نعمل في الحياة السياسية وغيرها.
وبعبارة أخرى فإنّ الحجّة علينا وما يمكن أن ينطلق في الاستفادة منه هو ما كان منهم (ع) وليس ما كان يجب أن يكون لهم؛ والحمد لله ربّ العالمين.

* المصدر: كتاب الأحزاب الدينية بين طموحات السلطة ورسالية الأئمة- العلاّمة السيد علي الأمين

لقراءة البحث كاملا: اضغط هنا


1- نشر هذا البحث في مجلة الغدير الصادرة في لندن عن مؤسسة الإمام الخوئي في عدد شهر آب 2001، ردّاً على ما ورد في مجلة البلاغ، لندن، العدد 12، آب، 2001.

شارك وانشر