الدور السياسي للأئمة بين الواقع والمرتجى
العلاّمة السيد علي الأمين
· المشروع الحضاري وبناء الأمة الشاهدة
· رؤية السيد الشهيد الصدر لدور الأئمة
· قصة الخراساني
───
* المصدر: كتاب الأحزاب الدينية بين طموحات السلطة ورسالية الأئمة- العلاّمة السيد علي الأمين – ص ٤٥ الى ٦٩.
– الدور السياسي للأئمة بين الواقع والمرتجى ¹
لقد هالني – وأنا أتصفح مجلة البلاغ – ما قرأت في بعض صفحاتها من عناوين ومقالات أطلق كُتّابها العنان لأقلامهم في كيل الاتهامات ضد من خالفهم الرأي في بعض الإثارات الفكرية حول عدم وجود مشروع سياسي للأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، كما ظهر ذلك من خلال عدم تصديهم لقيادة الأمة سياسياً في مراحل إمامتهم.
وقد جاء في بعض تلك الاتهامات بأنها طروحات شاذة وأنها غير بعيدة عن خدمة قوى الاستعمار بقصدٍ من أصحابها أو بغير قصد!
وكنت لا أصدق أنَّ فينا من ينصّب نفسه حاكماً على معتقدات المسلمين الشيعة وآرائهم، حتى وصلت في القراءة إلى قول بعضهم في المجلة المذكورة «بأن الذي يذهب إلى عدم وجود مشروع سياسي للأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) هو خارج عن مذهب الشيعة الإمامية!!»
وقد أزعجني هذا المنحى كثيراً، ليس لأنه يصيب بعض أكابر علماء المسلمين الشيعة فحسب، ممن تشهد لهم المنابر والمؤلفات بأنهم في الرعيل الأول دفاعاً عن المذهب في هذا العصر، أمثال الحجة السيد هاشم معروف والشهيد مطهري، بل لخطورة ما يترتب على هذا المنحى من الإلقاء بنا في أتون الإرهاب الفكري الذي تنتج عنه الانشقاقات، ويؤدي إلى عقم الإنتاج العلمي، ويصيب المذهب بالانغلاق والجمود والكثير مما لا تحمد عقباه، إضافة إلى خطورة ما يستبطنه هذا النمط من سلطة على التخريج وادعاء الولاية على المذهب، مشفوعةً بزعمهم الإحاطة بالحقيقة وامتلاكها!
ويذكرنا هذا المنحى ببعض من الحركات الدينية السلفية القديمة والحديثة من المذاهب المتعدّدة التي انغلقت على أنفسها، وجعلت من قياداتها وأتباعها أصحاب الوصاية والقيومية على فهم الدين، واعتبرته حكراً عليها وصناعة حصرية لها، فهُم حراس المذهب والعقيدة، لا يحسبون العلم في شيء مما أنكروه، ولا يرون أنّ مِن وراء ما بلغوه مذهباً لغيرهم، فالحق عندهم، وماذا بعد الحق إلا الضلال! وقد تحوّلت بذلك إلى حركات تكفيرية يكفّر بعضها بعضاً.
وقد أصبح معروفاً لدى الجميع مدى الضرر الهائل الذي ألحقه هذا النهج بالإسلام والمسلمين في الماضي والحاضر.
وهذا الذي قرأته غريب عن المنهج الفكري المتبع عند علماء المسلمين الشيعة، الذين اعتمدوا على العقل مصدراً للمعرفة، ودليلاً على الحرية الفكرية، وواحداً من أدلّة الاستنباط للأحكام الشرعية، وهم الذين سلكوا مسلك التخطئة بدون تجريح في مقابل من اعتمد مسلك التصويب القائل بأن كل مجتهد مصيب في رأيه. وهذا بحث معروف عند أهل الاختصاص وقد امتلأت به كتبهم.
ولشدة تمسكهم بالمسلك المذكور أصبحت التخطئة بلا تجريح شعاراً لهم وبه يعرفون.
ولقد كان اعتماد الدليل العقلي ومازال نقطة امتياز عندنا، أعطت المذهب صفة الانفتاح والمرونة في فهم النصوص الدينية وأغراض الشريعة، وفتحت هذه النقطة الآفاق الواسعة أمام الباحثين من علمائنا ومفكرينا في شتّى مجالات الفكر والمعرفة الدينية والإنسانية الشاملة.
وعلى كل حال، فإن من الواضحات تخلي الأئمة وابتعادهم بعد الإمام الحسين (ع) عن المشروع السياسي بالمعنى المعروف للعمل السياسي في عرف أهل السياسة اليوم، وهو العمل على تولي السلطة السياسية والمشاركة في صنع القرار الذي يسير شؤون البلاد والعباد سياسياً، والذي يقود ويحرك سائر القطاعات العسكرية والمدنية في حياة الأمة.
وقد جاء هذا المعنى من ترك الأئمة للعمل السياسي بهذا المعنى عن الشهيد مطهري في كتاب من حياة الأئمة في عدة مواضع، منها ما ذكره عند الحديث عن الإمام الصادق (ع): «أنّ الإمام الصادق اعتزل أمر الحكومة والخلافة، ولم يقم بأيّ عمل يَنم عن تطلعه إلى الإمساك بزمام السلطة والزعامة، برغم الفرص التي لاحت أمامه، وبرغم أن الساحة السياسية كانت تعج بالأحداث والتطورات التي يمكن استغلالها والاستفادة منها بصورة من الصور».
وفي سيرة الأئمة للسيد هاشم معروف ما يؤكد هذا المعنى المتقدم، حيث قال عند الحديث عن حياة الإمام الكاظم: «شاهد الإمام الكاظم موقف الحكام مع أبيه الذي كان منعزلاً عن الخلافة والسياسة إلى الدفاع عن الإسلام ونشر تعاليمه…».
وذكر أيضاً في مجال آخر عن الإمام الكاظم (ع): «.. وبقي الإمام على نفس النهج التعليمي، بعيداً عن السياسة في زمن الرشيد الذي ضيّق على الإمام الخناق، متنقلاً به من سجن إلى سجن حتى قضى شهيداً بالسمّ الذي دسّه إليه».
ويقول الشهيد مطهري في هذا المجال في كتابه من حياة الأئمة:
«.. وكان الرشيد يحسّ بالخطر من ناحية الإمام الكاظم، مع أنّ الإمام لم يكن أبداً بصدد القيام والثورة، ولم يقم بأيّ خطوة في اتجاه تشكيل حركة أو تنظيم يهدد السلطة القائمة…».
وفي كتاب «الأئمة الإثنا عشر» للأستاذ عادل الأديب: «أنّ الإمام الكاظم سار على نهج آبائه، كما جاء في تساؤلات القاعدة الشعبية التي سألت الإمام الرضا (ع) أن يسكت كما سكت آباؤه».
وفي كتاب «حياة الإمام الرضا السياسية» للعلامة السيد جعفر مرتضى: «ولكنهم (ع) قد انصرفوا بعد الحسين (ع) عن طلب هذا الأمر بالسيف، وإلى تربية الأمة، وحماية الشريعة».
وفي دائرة المعارف الإسلامية الشيعية للمؤرخ الفهامة السيد حسن الأمين: «لا شك أن امتلاك الأداة السياسية أمرٌ مهم، وإزالة هذه الأجهزة المنحرفة أمر يسهل إنجاز الأهداف الإصلاحية التي يُرمى إليها في جميع المجالات ويضع حداً لكل أنواع الفساد التي ابتليت بها الأمة … فهل خاض الصادق المعركة السياسية في هذا السبيل؟ وهل استثمر ذلك الظرف في تحقيق هذه الغاية؟ والجواب: لا، ولم يفعل ذلك». وقال فيها أيضاً عن تصميم الإمام الصادق على عدم خوض المعركة السياسية: «ولم يستطع أصحابه أن يحولوا رأيه إلى دخول المعركة (السياسية) برغم رغبتهم وإلحاحهم. فقد كانت الوضعية التي عليها الأمة من الانقسام السياسي والمذهبي والاضطراب الفكري الذي يشملها بصورة عامة، تجعل الصادق يجزم مقدماً بأن الدخول في معركة كهذه لا يعدو أن يكون مغامرة مؤكدة الفشل، وبالتالي فإنه يُعرض نفسه، ومن ثَم البقية الباقية من المؤمنين والفكرة الإسلامية الصحيحة التي يمثلها، إلى خطر لا حدّ له، ولهذا أبى أن يخوض المعركة بنفسه»: «… فالصادق ليس من بُغاة المغامرة والظهور، وإنما هو مسؤول يحاول أن يقوم بالمسؤولية، ومصلح يريد أن يصل إلى الإصلاح، ولهذا رأى، على ضوء الواقع الذي تحياه الأمة، أن يصرف جهده في الدرجة الأولى في عملية إيجابية هامة. رأى أن ينصرف ليقيم الكيان الفكري للإسلام، وليوضح أسس العقيدة الإسلامية وأصول المعارف الإسلامية الشيعية».
ومن العجيب أن يعتبر بعضهم وجود عمل سياسي معارض من قبل الإمام الكاظم (ع) ضد السلطة القائمة، من خلال روايتين عن الإمام الكاظم (ع)، إحداهما ورد فيها الحديث عن تحديد أرض فدك من قبل الإمام (ع)، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على وجود طموح لتولي القيادة السياسية، وأنّ الموقع الذي يجلس فيه الرشيد هو في الأصل حق للإمام وآبائه. ولكن الممارسة العملية من الإمام كانت بعيدة كل البعد عن السعي إلى تحقيق ذلك الطموح، أو انتزاع ذلك الحق. وهذا معنى ما تقدم من بعض الأعلام الذين نقلنا عنهم تلك الأقوال من أنه كان بعيداً عن السياسة، وأنه لم يقم بأي خطوة لتهديد السلطة القائمة.
والرواية الأخرى تحدث فيها الإمام مع صفوان الجمّال، ونهاه عن كراء جماله للطاغية هارون الرشيد. وقد نقلنا في البحث السابق «قبس من حياة الأئمة»، مناقشة الإمام الخوئي (قدّه) للرواية المذكورة سنداً ودلالة، حيث إن الجملة المذكورة في الرواية وهي: «من أحبّ بقاءهم فهو منهم»، لا تدلّ على عدم جواز العمل لدى السلطان مطلقاً، وفي جميع الأحوال فالحُكم المُستفاد منها لا ينطبق على صورة العمل معهم وعدم الحب لبقائهم، ثم إنه لا يخفى على أحد الفرق بين حرمة العمل مع السلطان وبين وجود المعارضة السياسية ذات المشروع السياسي. وقد أفتى بحرمة العمل مع السلطان الجائر في الوظائف التي لا جور فيها جملة من فقهاء النجف الأشرف في زمن المَلكية في العراق، وكانت السياسة في وادٍ وهم في وادٍ آخر.
ومما يضحك الثكلى أن بعضهم قد أيقن بوجود المعارضة السياسية، من خلال ورود كلمة الطاغية في الرواية المذكورة، حيث اعتبر أن مجرد تعبير الإمام عن الرشيد بأنه طاغية هو معارضة سياسية، كمن جلس في داره وأكثر من الدعاء على الحاكم الظالم وقال إني معارض للنظام سياسياً!
ثم إنه كيف يمكن أن نستدل على وجود معارضة سياسية بهاتين الروايتين اللتين لم تسلم دلالتهما على المقصود، مع وجود الروايات الأخرى العديدة التي تنفي وجود مثل هذا التحرّك السياسي؟!.
وقد ذكر السيد هاشم معروف في كتابه سيرة الأئمة أن التخلي عن العمل السياسي لم يكن مقتصراً على زمن الإمام الصادق والكاظم. أمّا مؤلف كتاب (الأئمة الإثنا عشر) فيرى أنّه بل حتى في زمن من أتيحت له فرصة التحرك السياسي كان التخلي عن السياسة قائماً كما في حياة الإمام الرضا (ع): «لقد كان الإمام الرضا (ع) كغيره من أئمة أهل البيت – يقصد الأئمة الذين سبقوه إبتداءً من الإمام زين العابدين (ع) – تحت الرقابة من حكام عصره، بالرغم من أنهم لم يفكروا في الخروج على الحاكمين ولا في السلطة التي يتنافس عليها الناس، وكل ما كان يهمهم أن يتهيّأ الجو المناسب لنشر تعاليم الإسلام والدفاع عنها بالحجة والدليل».
وذكر أيضاً هذا المعنى في حياة الإمام الهادي عندما قال في سيرة الأئمة: «وانصرف الإمام أبو الحسن الهادي عن السياسة والسياسيين كآبائه إلى خدمة الإسلام عن طريق الدفاع عن أصوله ونشر فروعه…».
وعن الإمام الباقر (ع) قال: «وقد غلبته الأحداث الماضية مع آبائه وخِذلان الناس لهم في ساعات المحنة أن ينصرف عن السياسة وشؤون السياسيين».
وقد اتضح من خلال ما نقلناه عن كبار الأعلام، أن التخلي عن العمل السياسي كان من الأمور التي وصلت إلى حد الدراية التي لا تحتاج معها إلى رواية، مضافاً إلى ما سبق ذكره في البحث المنشور في مجلة الغدير من وجود أسباب موضوعية أدت إلى تعطيل المشروع السياسي، والانصراف عن السعي إلى تولي القيادة السياسية للأمة.
– المشروع الحضاري وبناء الأمة الشاهدة
وما جاء في مجلة البلاغ عن بعض الأجلّة من العلماء: أن مشروع الأئمة منذ مصرع الإمام الحسين (ع) كان يهدف إلى بناء الأمة الشاهدة والجماعة النموذجية المُعدّة لتغيير الأمة، فإننا نلاحظ عليه بأن المشروع المذكور ليس مشروعاً سياسياً، ولا يتنافى هذا المشروع مع ما اخترناه من غياب المشروع السياسي عن حياة الأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، ولا يتنافى أيضاً مع ما نقلناه عن بعض من تقدّم ذِكرهم من الأعلام والباحثين من انصراف الأئمة عن السياسة والسياسيين بعد الإمام الحسين (ع)، لأنّ بناء الأمة الشاهدة هو مشروع تربوي ثقافي يجعلها من خلال حمل الرسالة والإيمان بمبادئها وتعاليمها والدعوة إليها، أمة شاهدة للحقّ بين الأمم والشعوب، باعتبار وسطيّتها كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة: 143.
ومشروع الشهادة هذا حمله الأنبياء والمرسلون عبر التاريخ ولم يتولوا القيادة السياسيّة، ولم يكن يقتصر هذا المشروع على الأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) كما في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ النساء: 41 وقال تعالى حكاية عن النبيّ عيسى (ع): ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المائدة: 117 ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ الأحزاب: 45.
وهذا يتّفق مع ما ذكرناه سابقاً من أنّ مشروع الأنبياء الذي ورثه الأئمة والأوصياء لا يتّجه بالدرجة الأولى نحو السّياسة بمعنى السّعي لإقامة نظام سياسيّ وسلطة يتمّ استلامها والوصول إلى مواقع القرار فيها.
وقد يحصل ذلك في بعض الظّروف، كما حصل لبعض الأنبياء والأئمة، وقد ينهض بعضهم حاملاً لواء الإصلاح والتغيير كمشروع يتبنّاه ويقوده ويسعى لتحقيقه، إضافة إلى تحمّله مسؤوليّة المشروع الأساس، وهو بناء الأمة الشّاهدة كما جرى ذلك للنّبيّ (ص) في حياته عندما أقام الدّولة في المدينة وتولّى قيادتها. وكما حصل للإمام علي (ع) عند تولّي الخلافة، وللإمام الحسين (ع) في نهضته. فإنّ مجريات الأحداث والوقائع تكشف عن وجود مشروع سياسيّ منبثق من المشروع الأساسي المتمثّل ببناء الأمّة الشّاهدة الّذي يشكّل الهدف الأساسي لمنصبي النبوّة والإمامة الوراثة لها؛ لأنّ المقصود من المشروع السّياسيّ هو التّخطيط والعمل لاستلام السّلطة السّياسيّة ومواقع القرار فيها، وهذا ما لم يكن موجوداً في حياة الأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، كما لم يكن موجوداً في حياة الغالبيّة العظمى من الأنبياء والرّسل الّذين كانوا شهداء على النّاس، يحملون مشروع بناء الأمّة الشّاهدة الّذي لا يعتبر مشروعاً سياسيّاً، بل هو مشروع ثقافيّ طويل المدى وليس هادفاً لإقامة سلطة ونظام.
وقد بقيت السّلطة السّياسيّة، طيلة عصر الحضور للأئمّة، بعد الإمام الحسين (ع)، في أيدي غيرهم، فضلاً عن عصر الغياب الّذي تكرّس فيه الانقسام وبعدت الشّقّة عن المشروع السياسيّ، وأصبح تحقيقه على صفة العموم أكثر صعوبة في ظلّ غياب القيادة المعصومة، وظهور كثير من العوامل الّتي أدّت إلى زيادة في العقبات والتّعقيدات على أكثر من صعيد. ومع ذلك يبقى مشروع بناء الأمّة الشّاهدة قائماً لدى ورثة الأنبياء من العلماء والحركات الدّينيّة، وإن ابتعدت تلك التحرّكات عن المشاريع السياسيّة كما كان عليه الحال بالنسبة إلى حركة الأنبياء الّذين لم يصلوا إلى السّلطة السياسيّة ولم تكن من أهدافهم الأساسية.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ مشروع بناء الأمّة الشّاهدة والجماعة النّموذجيّة، كما جاء في المقال، هو مشروع استمراريّ، وقد يكون معه هدف آخر يقع في طوله وهو السّعي للوصول إلى السّلطة السياسيّة والإمساك بها من خلال مشروع سياسيّ يحمله بالفعل ويمكن أن لا يكون معه هدف آخر سياسيّ لمن انصرف عن السّياسة والسّياسيين، كما حصل للأئمّة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع).
فهم قد انصرفوا عن العمل السياسي ولكنهم كانوا يعملون على مشروع بناء الجماعة النّموذجيّة والأمّة الشّاهدة من خلال الدّور العلمي والثقافي الّذي يحفظ الشريعة مصدراً للعلم والتّوجيه، بعيداً عن المشاريع السياسيّة والصّراع على السّلطة.
والمشروع السياسيّ، في كل الأحوال، هو مشروع ناجز وإعداد فعليّ لتغيير الوضع الرّاهن، والإمساك بمواقع القرار، كاملاً أو بعضاً، في المدى المنظور للبشر وليس العمل السّياسيّ إعداداً للتّغيير الّذي يحصل في آخر الدّهر كما هو الحال بالنسبة لمشروع بناء الأمّة الشّاهدة الّذي حمله الرّسل والأنبياء، وقام به من بعدهم الأئمّة والأوصياء.
والمهمّ في محلّ بحثنا النّظر إلى الدّور الّذي قام به الأئمّة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، ومعرفة طبيعة المشروع الّذي حملوه، والأسباب المستدامة الّتي أدّت إلى الانصراف عن السّياسة والسّياسيين، كما عرفنا ذلك من خلال استعراض سيرتهم ومواقفهم وكلمات جملة من الأعلام فيها.
وقد حاول بعضهم أن يستدلّ على وجود المشروع السياسي الهادف لاسترجاع الحقّ واستلام السلطة من قبل الأئمّة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، من خلال دعمهم وتبنّيهم لحركات العصيان المسلّح في العالم الإسلامي. وأنت خبير بأن موقع الأئمّة هو قيادة عمليّة التّغيير، وليس معقولاً أن يتخلّى الأئمّة عن هذا الدّور الرّيادي والقيادي لغيرهم.
وهذا يكشف لنا عن أنّ الأئمّة لم يروا في تلك الحركات ما يحقّق النّجاح للمشروع الكامل الّذي فقد بعض العناصر الموضوعيّة واللازمة للنهوض به.
وقد ذكر السيد هاشم معروف في سيرة الأئمّة أنّ: «السؤال الّذي يعترض القارئ في المقام، هو أنّ الأئمّة (ع)، إذا افترضنا أنهم كانوا يباركون بعض تلك الانتفاضات، فلماذا لم يتولّوا قيادتها؟ وأحسب بأنّ القارئ سوف لا يقف طويلاً إلى جانب هذا التّساؤل لو قارن بين المهمّات الّتي انصرف إليها الأئمّة (ع) وبين تلك الانتفاضات، ذلك لأنّهم كانوا يعلمون بأنّ نصيب تلك الانتفاضات سيكون الفشل السّريع، لأنّها لم تقم على أسس تضمن لها النجاح. والثّورة النّاجحة تحتاج إلى قاعدة شعبيّة واضحة مزوّدة بالوعي والإخلاص، تستجيب لتخطيط القائد في كل ما يتوقّف عليه نجاحها، ولم يتوفّر ذلك لتلك الانتفاضات الّتي كانت تحدث هنا وهناك، وفي الوقت الّذي كانت ترتفع فيه الأصوات ضدّ الحاكمين، كان الأئمّة (ع) يقودون الثّورة الثقافيّة الّتي فرضتها مصلحة الإسلام يوم ذاك، وكان النجاح حليفها (الثّورة الثّقافيّة) في مختلف الميادين كما يبدو ذلك للمتتبّع في تاريخهم».
وإذا كان الأئمّة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) قد تخلّوا عن قيادة مثل هذه الحركات، واكتفوا بدعمها من بعيد لعدم توفّر عناصر النجاح لها، فإنّ السؤال الّذي يفرض نفسه على هذا التقدير هو: لماذا لم يبادر الأئمّة أنفسهم على امتداد حياتهم بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) لإنشاء وبناء الحركة الواعية الّتي تتوفّر لها عناصر النجاح؟!
وهذا ممّا يؤكّد لنا انصراف الأئمّة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) أصلاً عن المشروع الهادف لاستلام السلطة والإمساك بها، وذلك لحصول التطوّرات المتسارعة بعد استشهاده، وظهور الآراء السياسية المتنافرة والانقسامات المذهبية الحادّة الّتي عصفت بشروط نجاح القيادة السياسية على مستوى مقام الإثبات، وإن كانت القيادة، كمؤهلات وحقّ، ثابتة لهم في مقام الثبوت، كما هو وارد في التعبير الأصولي.
وعلى كل حال، فإنّ الثّورة والعمل السّياسيّ هما من الأعمال المباشرة والّتي لا تصحّ فيها الوكالة إلّا بمعنى التّرك والتخلّي عنها، ولذلك من الغريب أن يستند بعضهم في دعوى وجود المشروع السياسي للأئمّة من خلال بعض الرّوايات الضّعيفة سنداً ودلالة كالرّواية الّتي اعتمدت عليها المقالات الواردة في مجلة البلاغ، وهي الرّواية المرويّة عن الإمام الصادق (ع) بطريق مجهول: «لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجي من آل محمد، ولوددت أنّ الخارجي من آل محمد خرج وعليّ نفقة عياله».
فإنّ هذه الرّواية الضّعيفة، والمعارضة بكثير من الرّوايات المشتملة على الصّحيح، والموجودة في نفس الباب في وسائل الشّيعة من كتاب الجهاد، إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على تمنّي الخروج ومحبوبيّته، وقد عرفتَ أنّ الخروج على الظّالم والعمل السياسي لإسقاطه ليس عملاً بالوكالة ولا يحصل بتمنّي صدور الفعل من الآخرين.
هذا مضافاً إلى ورود الرّوايات الكثيرة عنهم الّتي حملت في تعابيرها النّهي عن الخروج، كقول الإمام الصّادق (ع): «لا يخرج الخارج منّا أهل البيت إلّا واصطلمته البليّة واخترمته المنيّة، وكان خروجه زيادة في مكروهنا ومكروه شيعتنا».
– رؤية السيد الشهيد الصدر لدور الأئمة
إنّ رؤية السيد الشهيد الصدر لدور الأئمة (ع) كما نقلته مجلة البلاغ عنه (أعلى الله مقامه) من السؤال المفترض والجواب عليه، فهو لا ينافي عزوف الأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) عن القيام بالعمل السياسي أو الفكري الهادف لتولّي السلطة السياسيّة، والإمساك بها، لأنّ الأئمة (ع) كما قال عنهم السيد الشهيد في المقال المذكور: «لم يكونوا يرون الظهور بالسيف والانتصار المسلّح الآني كافياً لإقامة دعائم الحكم على يد الإمام، بل يتوقّف ذلك قبل على إعداد جيش عقائدي يؤمن بالإمام وعصمته إيماناً مطلقاً، ويعيش أهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه».
فإنّ هذه الوسيلة المفترضة (إعداد الجيش العقائدي) على تقدير سعي الأئمة (ع) بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) لتحقيقها، تكاد تكون من الوسائل المثالية للهدف المنشود، فهي لم تبصر نور الوجود على امتداد حياتهم وحياة أتباعهم. وهذا يعني بناءً على هذه الرؤية في عمل الأئمة أنهم اعتمدوا على وسيلة لم يكتب لها النجاح، برغم المدة الطويلة التي عاشها الأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) ولم ينته
الإعداد لجيش عقائدي يكون مؤهلاً لاستلام السلطة وتغيير الحاكم، ومثل هذه الوسيلة الّتي لم تتحقّق طيلة ما يزيد على قرنين ونصف من العمل والتخطيط، كما يقولون، تكون من الوسائل غير العمليّة وتجعل من المشروع السياسي المستند إليها مشروعاً بعيد المنال، ولا يغيّر شيئاً من واقع الحال. ومثل هذا المشروع لو كان موجوداً فهو لا يستحق أن نسميه عملاً سياسياً هادفاً إلى مواجهة النظام وإسقاطه. والسلطات الحاكمة لا تعير اهتماماً لمثل هذه المشاريع الطويلة المدى، والّتي تجاوز التخطيط لحصولها الحدود الزمنية لتواجد الحكام على سدة الحكم، هذا مع أنّ السيد الشهيد نفسه لم يعتمد، من الناحية العملية، على هذه الطريقة (إعداد الجيش العقائدي) عندما اختار القيام في وجه السلطة ومعارضتها.
ومن خلال ما تقدّم، يظهر لنا أنّ الوسيلة المقترحة لا يمكن الأخذ بها في تفسير ما ذكره السيد الشهيد من الدور الإيجابي الذي قام به الأئمة في سبيل نشر تعاليم الإسلام، وحماية الرسالة، حيث إنّ ذلك الدور الإيجابي لم يصل إلى مستوى القيام بالعمل الذي يشكل خطراً على السلطة الحاكمة، فضلاً عن العمل الذي يؤدي إلى إخراج الحاكم من السلطة واستلامها. وعليه، فلا يصحّ تفسير ذلك الدور الإيجابي بأنه سعي سياسي لاستلام السلطة، بل هو عمل لنشر الثقافة الدينية وحماية الرسالة الإسلامية من الزيغ والانحراف.
– قصة الخراساني
وما ذكره السيد الشهيد «من الاستشهاد بقصة الخراساني الذي جاء إلى الإمام الصادق (ع) يعرض عليه تبنّي حركة الثوار الخراسانيين فأجّل جوابه ثم أمره بدخول النار فرفض، وجاء أبو بصير فأمره الإمام بذلك فسارع إلى الامتثال، فالتفت الإمام (ع) إلى ثوار خراسان وقال: «لو كان يبنكم أربعون مثل هذا لخرجت إليهم» يعطي خلاف المقصود، لأنّ تعليق الخروج على أمر مُستبعد الحصول أصلاً، وغير حاصل فعلاً، هو عزوف عن الخروج ورسالة واضحة الرفض للمشروع الذي جاء من أجله الثائرون، فإنّ العمل السياسي هو سعي مباشر لتغيير الواقع بأدوات الواقع ووسائله المتاحة.
وهل من المعقول أن يقال بأنّ الإمام الصادق (ع) لم يستطع طوال حياته أن يجد أربعين شخصاً بتلك المواصفات، لو كان يسعى للخروج حقّاً على سلاطين عصره؟ وهل يمكن القول بأن هذا العدد المطلوب للخروج لم يستطع الأئمة الذين جاءوا بعد الإمام الصادق (ع) تحقيقه لو كانوا يريدون الخروج؟ أم أنّهم تركوا الخروج أصلاً لأنه لم يكن لديهم مشروع لتغيير الحاكم واستلام الحكم بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) الّذي خرج على الحاكم بنفس العدد تقريباً كما يقولون؟!
وإذا كانت هذه الوسيلة (العدد المطلوب) أو (الجيش العقائدي) عسيرة التحقّق والحصول، فهي لا تصلح للاعتماد عليها في العمل السياسي التغييري، وقد عرفت أن تعليق المشروع السياسي على مثل هذه الوسيلة يكون تعبيراً آخر عن ترك العمل السياسي والانحياز إلى تبنّي المشروع الثقافي.
والذي يبدو من مجموع الأفكار الّتي يصرّ أصحابها على وجود مشروع سياسي للأئمة (ع) بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) أنّ السبب الرئيس الذي أوصلهم إلى هذا الاستنتاج ناشئ من إغفالهم في مقام البحث للدّور الّذي قام به الأئمة عمليّاً في ساحة الواقع، والنظر إلى ما يستحقه الأئمة من مواقع لم يصلوا إليها.
وبعبارة أخرى يجب علينا، عند البحث عن الدور السياسي للأئمة بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، التمييز بين ما كان منهم وما صدر عنهم، وبين ما يجب أن يكون لهم بحسب نظرنا ومعتقدنا انطلاقاً من منصب الإمامة، فإنّ ما يشكّل لنا مرجعية في الميدان السياسي وغيره من الميادين هي الأقوال والأفعال الصّادرة عنهم والمواقف المتخذة من قبلهم تجاه الواقع المعاش.
أمّا ما لم يقع منهم ولم يصدر عنهم، ممّا كان يلزم وقوعه وحصوله، بحسب ما نتصوره نحن بنظرنا من مستلزمات الموقع ومتطلباته، فهو أمرٌ خارجٌ عن حدود الاستنتاج النّافع والمسؤولية الملزمة، ويقع في دائرة التنظير الخالص الذي ليس له حظّ من الواقع العملي، وهو يستبطن محاولة إسقاط ما نقوم به وما نطمح إليه على ما كان يجب أن يكون للأئمة (ع) في الوقت الذي نبحث فيه عن الاستفادة ممّا كان منهم، وجعله دليلاً على ما ينبغي أن نعمل في الحياة السياسية وغيرها.
وبعبارة أخرى فإنّ الحجّة علينا وما يمكن أن ينطلق في الاستفادة منه هو ما كان منهم (ع) وليس ما كان يجب أن يكون لهم؛ والحمد لله ربّ العالمين.
* المصدر: كتاب الأحزاب الدينية بين طموحات السلطة ورسالية الأئمة- العلاّمة السيد علي الأمين ص ٤٥ الى ٦٩.
1- نشر هذا البحث في مجلة الغدير الصادرة في لندن عن مؤسسة الإمام الخوئي في عدد شهر آب 2001، ردّاً على ما ورد في مجلة البلاغ، لندن، العدد 12، آب، 2001.
الأمين الأمين | موقع العلاّمة السيد علي الأمين
